إدارة التوتر لا المواجهة: نموذج الأردن في التعاطي مع الإخوان المسلمين

إدارة التوتر لا المواجهة: نموذج الأردن في التعاطي مع الإخوان المسلمين

إدارة التوتر لا المواجهة: نموذج الأردن في التعاطي مع الإخوان المسلمين


12/03/2026

 في أبريل 2025، حظرت الحكومة الأردنية جماعة الإخوان المسلمين، وداهمت مقارها، وصادرت أصولها. كما اعتقلت دائرة المخابرات العامة عدداً من أعضاء الجماعة، متهمة إياهم بتصنيع صواريخ وطائرات مسيّرة.

وذهبت السلطات الأردنية أبعد من ذلك، إذ اتهمت الإخوان المسلمين بالتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية داخل المملكة الهاشمية، بعد تلقيهم تدريباً وتمويلاً من الجناح اللبناني لحركة حماس.

وعلى الرغم من أن التوتر بين العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وجماعة الإخوان يعود إلى عقود—إذ وصفهم في عام 2013 بـ«الطائفة الماسونية» —فإن حملة العام الماضي مثّلت تصعيداً حكومياً كبيراً يهدف إلى إضعاف نفوذ الجماعة في مختلف أنحاء البلاد.

ويقول المحلل آرون ماجيد في تقرير نشره المجلس الأطلسي إنه مع ذلك، وبعد نحو تسعة أشهر من قرار الحظر، جاء رد فعل جماعة الإخوان المسلمين لافتاً في هدوئه.

وعلى الرغم من شعبيتها الواسعة، لم تنظم الجماعة احتجاجات واسعة النطاق، وخفّضت حضورها الإعلامي، وتجنبت شنّ هجمات عنيفة ضد الحكومة الأردنية، كما أوقفت إجراء انتخاباتها الداخلية.

ويتناقض هذا الموقف المتحفظ مع نشاطها خلال فترة "الربيع العربي"، حين قادت معارضة نشطة ضد الحكومة ونظّمت العديد من التظاهرات التي انتقدت النظام الأردني على خلفية اتهامات بالفساد وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.

وأوضح محمد أبو رمان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية ووزير الثقافة الأسبق، في مقابلة أجريت معه في ديسمبر، أن الجماعة ستخسر جزءاً كبيراً من قاعدتها الشعبية إذا دخلت في "صراع مفتوح" مع الدولة الأردنية.

ويشير كاتب العمود في صحيفة جوردان تايمز عامر السبايلة إلى أن كثيراً من المواطنين يدعمون الإخوان بسبب التزامهم الثابت بالقضية الفلسطينية، لا بسبب رغبتهم في مواجهة عنيفة مع الحكومة الأردنية.

وعلى الرغم من القيود الحكومية المفروضة على الجماعة، فإن الإخوان المسلمين سيخسرون الكثير إذا انخرطوا في مواجهة شاملة مع السلطات الأردنية.

وفي هذا السياق، أوضح عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية في عمّان، أن قرار الحكومة السماح لجبهة العمل الإسلامي بمواصلة نشاطها داخل البرلمان، رغم حظر الجماعة الأم، يمثل «تسوية» مقبولة نسبياً بالنسبة للحركة الإسلامية.

وإذا شنّت الجماعة حملة تصعيدية ضد الملك عبد الله بسبب قرار الحظر، فقد تخسر أيضاً جبهة العمل الإسلامي، التي لا تزال تمنحها قدراً من التأثير على المستوى الوطني.

ويعكس استمرار سماح الملك عبد الله لجبهة العمل الإسلامي بالعمل، رغم حظر جماعة الإخوان، أن المشهد السياسي في الأردن أقل قمعاً مقارنة بما تواجهه حركات إسلامية أخرى في المنطقة.

وفي مصر، على سبيل المثال، جرى اعتقال عشرات الآلاف منذ ثورة عام 2013 الذي أطاح بحكومة الإخوان برئاسة محمد مرسي، بما في ذلك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة.

كما صنّفت السعودية جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، وهي خطوة لم تتخذها المملكة الأردنية الهاشمية.

ويرى أبو رمان أن جناح الإخوان في عمّان يسعى إلى تجنب مصير نظرائه في المنطقة، عبر الامتناع عن تصعيد التوتر مع الحكومة الأردنية.

ومن المهم الإشارة إلى أن الجيش الأردني يمتلك أسلحة وموارد أكثر تطوراً بكثير من تلك التي بحوزة الإخوان المسلمين، جزئياً بسبب تحالفه الاستراتيجي مع واشنطن.

وقد وصف الصحافي جيفري غولدبرغ من مجلة ذا أتلانتيك دائرة المخابرات العامة الأردنية بأنها «الأكثر احتراماً» بين أجهزة الاستخبارات في العالم العربي.

وبالتالي، لو شنّ الإخوان هجمات ضد القوات الأمنية الأردنية، فمن المرجح أن يتعرضوا لهزيمة قاسية دون تحقيق مكاسب عسكرية ملموسة. ويضيف السبايلة أن جماعة الإخوان «تفضل البراغماتية".

كما أسهم الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نوفمبر 2025، والذي بحث إمكانية تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين- بما في ذلك في الأردن- كمنظمات إرهابية بتهمة تقديم «دعم مادي» للجناح العسكري لحماس، في دفع الجماعة إلى تبني نهج أكثر حذراً تجاه السلطات الأردنية.

وفي 13 يناير، نفذت إدارة ترامب تهديدها وصنّفت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن تنظيماً إرهابياً. ومع تزايد الضغوط الأميركية، لا تصب مصلحة الجماعة في الدخول في مواجهة شاملة مع الحكومة الأردنية، خاصة في ظل تنامي عزلتها الدولية.

ومع ذلك، لا يزال بعض الأردنيين يشككون في رواية الحكومة التي تقول إن الجماعة كانت تخطط لتنفيذ هجمات داخل المملكة.

ويؤكد الرنتاوي أن الخلية التي جرى اعتقالها كانت تحاول تهريب أسلحة إلى الضفة الغربية لمهاجمة إسرائيل، وليس استهداف القوات الأمنية الأردنية.

كما أشار الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي وائل السقا إلى أن المشتبه بهم كانوا يتصرفون بصفة فردية ولا يمثلون حركته.

وأضاف أن الجبهة منفصلة تماماً عن جماعة الإخوان المسلمين ولا علاقة لها بتلك الهجمات.

ويرى أبو رمان أن جماعة الإخوان، كمؤسسة، لم تستخدم العنف ضد الحكومة الأردنية طوال تاريخها الممتد لثمانين عاماً، كما أنها رفضت المشاركة في انقلاب عام 1957 ضد الملك حسين.

وفي واحدة من أولى خطواته بعد توليه العرش عام 1999، قام الملك عبد الله بطرد كبار مسؤولي حركة حماس من المملكة، ما أثار غضب جماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

وعلى الرغم من هذه النكسة، ركزت الحركة الإسلامية على بناء قاعدتها السياسية الداخلية، ونجحت في مضاعفة تمثيلها في آخر انتخابات وطنية.

وبعد إعلان الحكومة حظر الجماعة في أبريل، اختارت الحركة الإسلامية اتباع سياسة «النَفَس الطويل»، عبر عدم تحدي الأجهزة الأمنية بشكل مباشر في لحظة ضعف. وهي استراتيجية خدمت الإخوان على مدى عقود، ومكّنتهم من الحفاظ على قاعدة شعبية مؤثرة رغم التحولات السياسية المتلاحقة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية