الإمارات.. رأس الحربة في المعركة بين ثقافة الحياة وثقافة الموت

الإمارات.. رأس الحربة في المعركة بين ثقافة الحياة وثقافة الموت

الإمارات.. رأس الحربة في المعركة بين ثقافة الحياة وثقافة الموت


10/03/2026

بديع يونس

لم تكن يوما ثقافة الحياة “هجومية أو عدائية”. لم تُفرض يوما بالقوة، لكنّ الدفاع عنها واجب أخلاقي وإنساني قد يُستخدم فيه الردع والاستبسال أحيانا حماية للحاضر والمستقبل بوجه قوى ظلامية تعيش في الأمس ولا تجد لثقافتها مكانا على متن قطار اليوم والغد.

رغم الموقف الخليجي عموما والإماراتي خصوصا بعدم السماح للولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام أراضي هذه الدول منصة لحربهما، إلا أنّ إيران أظهرت في ردّها على الثنائية الأميركية – الإسرائيلية عداء للخليج وعلى رأسه الإمارات، فحاولت استهداف أبوظبي ودبي أكثر مما استهدفت تل أبيب. 63 في المئة من هجماتها الصاروخية ومسيراتها كانت مصوّبة على الإمارات مقارنة بالدول الخليجية الأخرى. وهنا لا بد من سؤال أساسي: لماذا هذا العداء للإمارات؟

قبل الإجابة على هذا السؤال نعود إلى الإحاطة الصحفية التي عقدتها حكومة دولة الإمارات يوم الثلاثاء 3 آذار – مارس. في هذا المؤتمر، جددت أبوظبي التأكيد على أولوية الإنسان في سياساتها وإستراتيجياتها. متحدثون هادئون واضحون أجابوا عن تساؤلات كل مقيم ومواطن على أراضي الدولة. عكسوا بإجاباتهم ثلاثية الأمن والأمان والاستقرار. فالأمن خط أحمر والأمان تفرضه -بالأرقام والإثباتات- القدرات الدفاعية الهائلة للدولة، أما الاستقرار فتترجمه الحياة اليومية الطبيعية في ظل محاولات فاشلة لضرب هذه الثلاثية.

في المقابل، دولة مارقة بدّت مشاريعها التوسعية والإرهابية على المواطن الإيراني الذي عاش قرابة 5 عقود تحت وطأة عقوبات فرضتها ممارسات نظامه الذي يبدّي قنبلة نووية ومشروعا صاروخيا ودعما لا محدودا لميليشيات على لقمة عيش شعبه. لا يمانع قتل هذا الشعب في حروب عبثية أو قتله برصاص أمنه أو قتله جوعا طالما يحافظ هذا النظام على استمراريته.

فالمفارقة الأولى هي في كيفية نظر الإمارات للإنسان مقابل نظرة النظام الإيراني للمواطن الإيراني قبل التطرق إلى الإنسان عموما.

إذن، ولفهم السبب وراء اتجاه النسبة الأكبر من محاولات الاستهداف الإرهابي الإيراني في الخليج نحو الإمارات، يتأكد أنّ السؤال لم يعد أمنيا أو عسكريا فقط، بل: لماذا الإمارات تحديدا؟

الجواب لا يكمن في خلاف سياسي عابر، ولا في نزاع جيوسياسي تقليدي. ما يحدث اليوم هو في جوهره صراع بين نموذجين لمستقبل الشرق الأوسط.

الإمارات تمثل نموذجا مختلفا تماما عما عرفته المنطقة لعقود. فهي دولة اختارت أن تبني قوتها على الاستقرار، وعلى الاقتصاد، وعلى تحويل الانفتاح على العالم إلى إستراتيجية وطنية.

في غضون سنوات قليلة تحولت دبي وأبوظبي إلى مراكز عالمية للتجارة والاستثمار والسياحة، وإلى بيئة تستقطب الشركات الكبرى ورؤوس الأموال والعقول من مختلف أنحاء العالم.

هذا النموذج لم يُبنَ على الشعارات ولا على خطاب المواجهة، بل على سياسة واضحة: بناء دولة حديثة توفر الأمان والفرص والازدهار للإنسان.

في الإمارات لا يُقاس نجاح الدولة بحجم الخطابات الأيديولوجية، بل بقدرتها على تحسين حياة الأفراد. يجد المقيم قبل المواطن دولة توفر له الخدمات والفرص، وبيئة عمل مستقرة تحترم القانون وتكافئ الجهد، فيما يجد المستثمر نظاما اقتصاديا واضحا يضمن له النمو والأمان.

هذه المعادلة هي التي جعلت الإمارات اليوم أحد أهم مراكز الاقتصاد العالمي. لكن نجاح هذا النموذج يطرح معضلة كبيرة أمام النظام الإيراني.

فإيران منذ أكثر من أربعة عقود قامت على فلسفة سياسية مختلفة: فلسفة الثورة الدائمة وتصدير الأزمات وبناء النفوذ عبر الميليشيات والصراعات الإقليمية. اقتصادها يعيش تحت وطأة العقوبات والتضخم، وشبابها يبحث عن فرص خارج البلاد، بينما تُستهلك موارد الدولة في مشاريع توسعية وصراعات مفتوحة.

في المقابل، تقف الإمارات كنقيض كامل لهذا النموذج. دولة عربية استطاعت أن تثبت أن الاستقرار يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن الاقتصاد يمكن أن يكون أداة نفوذ، وأن بناء المدن والمستقبل أكثر تأثيرا من صناعة الأزمات.

من هنا يصبح استهداف الإمارات أكثر من مجرد عمل عدائي ضد دولة. إنه محاولة لضرب رمزية النجاح. فالخطر الحقيقي الذي يمثله النموذج الإماراتي بالنسبة إلى إيران ليس عسكريا، بل فكري وسياسي.

نجاح الإمارات يطرح سؤالا صعبا على شعوب المنطقة: لماذا نجحت دول في بناء الازدهار بينما بقيت دول أخرى غارقة في الصراعات أو متأخرة في ركب قطار المستقبل؟

من هنا يتأكد أنّ استهداف الإمارات لا يهدف فقط إلى ضرب اقتصادها، بل إلى ضرب فكرة الاستقرار والازدهار نفسها. إنها مواجهة بين مشروعين:

مشروع يبني الموانئ والمطارات والمدن الذكية ويجذب الاستثمارات العالمية، ومشروع لا يزال يراهن على الميليشيات والحروب بالوكالة.

التاريخ يعلمنا أن الصراعات العسكرية قد تستمر سنوات، لكن الصراع الحقيقي في النهاية هو صراع النماذج.

وفي الشرق الأوسط اليوم، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست بين جيوش فقط، بل بين مستقبل يريد أن يولد، وماضٍ يحاول أن يمنعه من ذلك… والإمارات تمثل هذا المستقبل.

إنه صراع بين ثقافة الحياة وثقافة الموت. تحاول ثقافة “الموت” أن تستهدف “الحياة” بالصواريخ لكنّ قوة ردع “الحياة” عصيّة عليها كما قوة “الردع العسكرية” صدّ منيع ومظلّة أمن وأمان تترجمها الحياة الطبيعية التي تعيشها دبي وأبوظبي. فالمقيم يتمسك بسيادة البلاد واستقرارها على نفس القدر من المواطن كما يؤكد بمقاومته السلمية ألا مكان لثقافة الموت في هذه البلاد المبروكة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية