"أصحاب الأرض" حين تخدم الدراما القضية الفلسطينية

"أصحاب الأرض" حين تخدم الدراما القضية الفلسطينية

"أصحاب الأرض" حين تخدم الدراما القضية الفلسطينية


01/03/2026

فلسطين أكبر من أيّ جماعة، ومن يتكلم باسمها دون أن يخدمها شريكٌ في العدوان الإسرائيلي على الأبرياء في غزة وسائر الأرض المحتلة. هذه هي رسالة مسلسل "أصحاب الأرض" الذي يُذاع ضمن خريطة أعمال رمضان، لكنّ المسلسل ضاع وسط انشغال الإخوان ولجانهم بمتابعة مسلسل "رأس الأفعى" لحظةً بلحظة، وكلمةً بكلمة، بحثًا عن أيّ خطأ؛ فإن لم يجدوا، ألّفوا أخطاء، فانشغل المتابعون بالمسلسل وبالردّ، وردّ الردّ.

"أصحاب الأرض" يسلّط الضوء على القضية الفلسطينية، وتحديدًا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، انتبه الإخوان إليه مؤخرًا فهاجموه، وعلى رأسهم "يحيى موسى" القيادي في "حركة حسم" و"ميدان" وجبهة "المكتب العام" تيار التغيير، شارك الإخوان في الهجوم على المسلسل صحف إسرائيلية وبعض الشخصيات العامة، في مقدمتهم الكابتن "إيلا" المتحدثة الرسمية باسم الجيش الإسرائيلي، وهي مسلمة من "عرب 48"، ويهدف الهجوم إلى صرف المشاهدين عن متابعة القضية ونقل مأساة الفلسطينين عبر الدراما المصرية في رمضان.

حين ينمو الحب وسط قسوة الحرب

تُعدّ الدراما واحدة من أخطر أدوات تشكيل الوعي الجمعي، لأنّها لا تخاطب العقل مباشرة، بل تتسلل عبر العاطفة والتماهي والتمثّل، وحين تنجح، فإنّها تصنع فهمًا عميقًا للواقع، بخلاف الشعارات الحنجورية التي لم تخدم القضية حتى الآن، ولم تنقلها إلى الوجدان العربي والغربي، لهذا عمد صُنّاع العمل الدرامي إلى إلقاء الضوء على لمحة إنسانية فريدة، وليس عملًا دعائيًا سياسيًا.

فغالبًا ما حضرت فلسطين في الأعمال الدرامية العربية على استحياء؛ إمّا مرتبطة بذكرى المذابح أو النكبة، وإمّا من خلال أعمال أخرى تأتي فيها القضية الفلسطينية في الخلفية، لا بوصفها قضية شعب يعاني من الاحتلال وسرقة أرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله، بل كقضية إضافية لقضية العمل نفسه. وهذا الحضور كثيرًا ما تم اختزاله في مشاهد بكائية سطحية.

أمّا مسلسل "أصحاب الأرض"، فإنّه يركّز على القضية الفلسطينية الممتدة من منتصف القرن العشرين إلى اليوم، ويرتكز على شرعية المقاومة المستمرة ضد عنف المحتل، مع إلقاء الضوء على الشق الإنساني لمعاناة الفلسطينيين النازحين، سواء في البلاد العربية أو النازحين داخل فلسطين. وربما اختار هذا التناول الإنساني للمأساة لحظة اندلاع العدوان الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2023، في معالجة درامية إنسانية وسياسية مزدوجة، مع إبراز صمود الفلسطينيين الأسطوري الممتد عبر عقود في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

إنّ التمسك بالأرض وسط الدمار خيار فلسطيني متجذّر منذ "نكبة 48"، وقد تم ربط ذلك بعلاقة إنسانية عميقة تنشأ بين شخصيات من خلفيات مختلفة، منهم الطبيبة المصرية سلمى شوقي (التي قامت بدورها الفنانة منة شلبي)، والتي تشارك ضمن قافلة طبية مصرية تدخل قطاع غزة عبر معبر رفح لتقديم المساعدة للمدنيين، وهي تمثل الوجه الإنساني المصري الداعم للشعب الفلسطيني بحب.

تلتقي سلمى بـ "ناصر" (الذي قام بدوره الفنان إياد نصار)، وهو فلسطيني يعيش تحت قصف الحرب، ويحاول إنقاذ ما تبقى من عائلته، خصوصًا ابن شقيقه، وسط قسوة القصف والتهجير. ويجسّد "ناصر" (والاسم له دلالته) التمسك بالحياة والأرض على الرغم من الدمار والتهجير القسري. وفي وسط كل هذه القسوة، تتبلور حكاية حب إنسانية قوية بين سلمى وناصر، تصبح رمزًا للأمل والتمسك بالحياة، ووسيلة لسرد تجربة إنسانية أكثر من كونها مجرد حب تقليدي.

الوعي من بوابة الدراما الإنسانية

يُظهر العمل مشاهد مؤثرة للألم والصمود الفلسطيني، أثناء محاولة إنقاذ طفلٍ ناجٍ وحيدٍ من عائلته، وجهود الأطباء والفرق الطبية. كما يُبرز الرفض الفلسطيني للتهجير القسري خارج غزة، من خلال تكرار مشاهد التهجير الداخلي قبل القصف، بما يذكّر المشاهدين بـ "النكبة" عام 1948، ويقدّم صورة بصرية رافضة لتكرار ما حدث.

 يسعى المسلسل إلى توثيق المعاناة الفلسطينية والتمسّك بالأرض في مواجهة العدوان، ويمثّل رؤية إنسانية في دعم القضية الفلسطينية. ويضع العمل نفسه داخل معركة الوعي الغائب عن الشعوب العربية، فيما يخص تاريخ المقاومة والقضية الفلسطينية، وما يجب تجاه مساندة الأشقاء.

البناء الدرامي والحوار بين الشخصيات الرئيسية والهامشية يقول إنّه ضد التوظيف السياسي للقضية، وضد خلط المقاومة بالدعاية لصالح حركة بعينها، وضد المنهج التبريري لحجم الخسائر البشرية الناتجة عن مغامرة غير محسوبة دفع ثمنها المدنيون قبل عناصر حركات المقاومة المسلحة في القطاع، وضد الانسياق وراء شائعات الإخوان المغرضة التي تتماهى مع الدعاية الإسرائيلية.

لهذا يهاجم الإسرائيليون المسلسل

تهاجم الصحف الإسرائيلية العمل لأنّه كشف وحشية اعتداءاتهم على المدنيين، لا بوصفها حدثًا استثنائيًا أو خطأً عابرًا، بل كممارسة يومية ممنهجة، لا كسقطة جندي متطرف موتور، وإنّما كسلوك ثابت ودائم لدولة الاحتلال. هذا التناول يُعدّ جديدًا على الدراما العربية التي نادرًا ما اقتربت من هذه الحقيقة الصلبة، أو كشفت آليات القمع الممنهجة التي تمارسها إسرائيل بوصفها دولة استعمار استيطاني.

وتخشى إسرائيل أن تُسهم الدراما المصرية في ترسيخ صورة جرائمها أمام الرأي العام العالمي، الذي لم يكن مطّلعًا على كثير من ممارسات جيش الاحتلال، خاصة في ظل تصديق بعضه لادعاءات الإخوان وخطابهم الملتبس الذي يتقاطع، بوعي أو بدونه، مع الدعاية الإسرائيلية.

وقد أثارت الجرأة الرمزية في أحد المشاهد العابرة رعب الإسرائيليين، وهو مشهد (كلكسات الفنان عصام السقا) مشهد بسيط في ظاهره، لكنّه محمّل بدلالة مصرية خالصة التقطها المصريون بذكاء نادر، فلغة الكلكسات تقول على الطريق ما لا يستطيع السائق أن يُعبّر عنه، وهي رسالة ربما لم يفهمها غير المصريين، وهي لا تقلّ فزعًا عند الإسرائيليين عن رسالة الفنان الشعبي شعبان عبد الرحيم حين غنّى "أنا بكره إسرائيل"، مستخدمًا لفظًا جارحًا استقبله المصريون بالترحاب، لأنّه عبّر بصدق عن الموقف الشعبي الحقيقي.

هذه الرسائل المشفّرة تقطع الطريق على أيّ تصور لتطبيع شعبي طالما راهن عليه الإسرائيليون، ومن هنا جاءت موجة الهجوم اللاذع على المسلسل، وهي موجة لم يشاركهم فيها إلا بعض قيادات الإخوان، الذين التقوا مع الاحتلال في الهدف والغاية نفسيهما: تشويه العمل الدرامي، وصرف الناس عنه، ومحاولة اغتياله معنويًا لأنّه فضح ما سعوا طويلًا لإخفائه أو تزييفه.

لماذا تشارك "جماعة الإخوان" الإسرائيليين في الهجوم على المسلسل؟

هذا هو السؤال الذي يدور في أذهان المتابعين لانتقادات الجماعة للعمل الدرامي، ويعجز كثيرون عن فهمه: لماذا تهاجم الجماعة عملًا يمجّد فلسطين ويحتفي بالشهداء؟ والحقيقة أنّ هجوم جماعة الإخوان لا ينطلق من حرصها على القضية، بل من كون المسلسل يتعمّد كسر الصورة التي روّجت لها جماعة الإخوان طويلًا، وهي معادلة زائفة تقول "غزة هي حماس، وحماس هي غزة"، متجاهلةً كل الروايات الإنسانية الفلسطينية التي تستحق أن يراها المشاهد العربي، كما أنّ دراما رمضان، حين تقدّم السردية الفلسطينية من منظور إنساني غير مؤدلج، فإنّها تخصم مباشرة من رصيد الإخوان الذين اعتبروا أنفسهم الوصيّ الشرعي والوحيد على القضية الفلسطينية، فالعمل، والتماهي معه، ينزع القداسة عن "حماس" فرع الجماعة في غزة، فلا حديث عن بطولاتهم ولا بطولات عناصرهم، بل البطل هنا الفلسطيني الضحية، كلّ هذا يدفع المشاهد إلى الفصل بين نصرة فلسطين إنسانيًا، وبين توظيف القضية إيديولوجيًا وسياسيًا، أو تديين الصراع، بما يحوّل القضية من صراع تحرري سياسي إلى معركة هوية دينية، تُختزل فيها فلسطين في رمز، لا في أرض وشعب وحقوق.

لهذا يصبح المسلسل خطرًا على خطاب الجماعة، لأنّه يحرّر القضية من الاحتكار، ويعيدها إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب الفلسطيني، لا التنظيم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية