
تُعطي الجماعات الجهادية لنفسها قدسية إلهية تبيح لها التعالي على الإطار البشري، وتتماهى مع الله والدين، حيث تصدر خطابتها عادة باسم الله وباسم الدين؛ فخطاباتها عادة تبدأ باسم الله، وتنفيذها لعملياتها يُصاغ أنّه تنفيذ لأوامر الله، وأنّها يد الله في هذا التنفيذ، وتبلور الاختلاف على أنّه اختلاف مع الدين والله، وتمثل هي الحق والإيمان في مقابل الكفر.
وانطلاقاً من عقيدة الولاء والبراء، فإنّ ولاة الجماعة هم المؤمنون، وغير الموالين لها هم الكافرون، ممثلو الجاهلية الثانية، وإذا كان الدين يُمَثِّلُ للوهلة الأولى مُنطلقاً للجماعات الجهادية، إلا أنّه في المستوى الواقعي يُعَدُّ أداةً إيديولوجيةً تمكنهم من محاولات فرض رؤيتهم؛ وذلك من خلال التماهي مع الله وأنبيائه أو مع صحابة النبي محمد ﷺ، وعرض رؤيتهم لتكون فرضاً إلهيّاً أو رؤيةً نبويةً لا تنفكُّ هي الأخرى أن تكون فرضاً إلهيّاً.
التكفير ونصرة الدين
تُقدّم جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية خطابها الديني والعسكري في صورة نصرة الدين، وردِّ الكيدِ عن المظلومين وتحرير البلاد الإسلامية من نير التخلف والتبعية للمجتمعات والحكومات الأوروأمريكية، ومن ثم فإنّها تنطلق من الواقع المُعاش والمنهزم أكثر ممّا تنطلق من الدين. وخطاب نصرة الدين يفترض هزيمة الدين، وترى الجماعات الجهادية أنّ هزيمة الدين سببها غيابها عن السلطة، ووجود أنظمة لا تحكم بما أنزل الله.
وتُنظّر هذه الجماعات لتكفير الحكومات والنظم لتُعلن نفسها كبديل مؤمن لهذه الحكومات، وتنجح في ذلك كثيرًا، خاصة أنّها تنطلق من خطاب المظلومية الذي يحمل طابعاً شعبياً في السياق العربي الإسلامي، ويظهر هذا بوضوح فيما قاله محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين: "يا أهل مصر؛ لقد أتيناكم لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التي كنتم تعيشون فيها."
وتقرر الجماعات الجهادية أنّ حكم الإسلام في هذه الأنظمة والحكومات واضح وصريح. إنّها كافرة وجاهلية وساقطة الشرعية، ووجودها غير جائز وكذلك استمرارها، وإزالتها واجب وفرض ديني، فقد آن لها أن تذهب وتعود من حيث أتت وتمضي غير مأسوف عليها، لتعود الخلافة والريادة من جديد، فآن لها أن تعود لتسترد مكانتها وأراضيها، وأهلها وذويها الذين انتزعت منهم وانتزعوا منها، تعود لتقيم الدين وتحرسه وتسوس الدنيا به.
وعليه تضع هذه الجماعات تقسيمها الشهير للعالم، وتقسمه إلى دار سلام، وهي الجماعة بكل تأكيد، ودار حرب، وهي التي تحكم بغير ما أنزل الله، وأهل هداية يعملون على إصلاح أهل الجاهلية، وليس أدلّ على ذلك ممّا ذكر في وثيقة العمل الإسلامي "لقد أكثرنا القول، ولا بأس من أن نكرر؛ إنّ الخلق عبيد الله والأرض ملك لله، ومن ثم فإنّ الخلق كلهم مطالبون بالدخول في دين الله، والأرض كلها من المفروض أن تخضع لسلطان هذا الدين."
وبموجب مبدأ الحاكمية والحكم لله كفّرت هذه الجماعات المُجتمعات المُسلمة، وأصبحت غيرَ مؤمنةٍ متعدية على الذات الإلهية وتحكم مكانه، ومن ثم فإنّها في حاجة إلى الفتح من جديد، ويتضح هذا فيما أعلنته الجماعة الإسلامية هدفاً لها، فأعلنت هدفها صراحةً، وهو: إعادة الفلول الشاردة الآبقة الضالة عن صراطه المستقيم إلى فطرتها التي فطرت عليها وردّها إلى رشدها، وهو ما تعنيه بقولها: "تعبيد الناس لربهم"، تعبيد الناس لربهم في عقائدهم وشرائعهم وأخلاقياتهم ومعاملاتهم وتحاكمهم وتقاليدهم.
ويحمل هذا الهدفُ النتيجةَ الطبيعية للحاكمية، إذ إنّها تقولُ إنَّ الحكمَ لله، ومن ثم يجب أن تقف هي لتحكم باسمه؛ لأنّها هي التي تطالب بأن يحكم الله، وهي العارفة بحكمه ووكيلته، ومن ثم تُكفّر الآخرين وتحمل على عاتقها مسؤولية هدايتهم التي تتمثل خضوعهم لها ولأوامرها باسم الله. وتعلن كل فرقة أنّها الفرقة الناجية المُنتصرة، وأنّها تمثل أتباع السنّة والجماعة.
وهذا ما يعلنه عمر محمود عثمان، ولقبه "أبو قتادة الفلسطيني" أنّهم أتباع أهل السنّة والجماعة، والفرقة المنتصرة أيضاً! ففي تعريفه للعقيدة يقول: "نعتقد ما كان عليه سلفنا الصالح من القرون الأولى جملةً وتفصيلاً. فنحن على قول أهل السنّة والجماعة في مسمّى الإيمان، وسط بين المرجئة والخوارج."
والتكفير والحديث باسم المُقدّس هو الركيزة الأساسية في منطق عمل الجماعات الجهادية، ولا تكتفي بتكفير المجتمعات الإسلامية فحسب، بل إنّ الأمر وصل ـ في الصراع على الحديث باسم المقدّس ـ أن كفّر الجهاديون بعضهم بعضاً، فعلى لسان "أبو الليث المصري" جاءت إدانة زعيم تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري" مبرراً ذلك بأنّ أفكاره باتت تتفق مع المشروع العلماني، في كتابهم "الردّ القاصف على شيوخ القاعدة الخوالف"، ووصفه تنظيم داعش بالمرتد: "ما زال المرتد الظواهري في غيّه وضلالاته".
من التكفير إلى القتل
إنّ الرأي الشائع الذي تتبنّاه الجماعات الجهادية هو أنّ علة الجهاد هي الكفر؛ يعني أنّه يكفي أن تكون كافراً كي نجاهدك، وثمة رأي آخر يرى أنّ علة الجهاد هي الاعتداء؛ أي إنك تجاهد من اعتدى عليك فقط، وأصحاب هذا الرأي هم سفيان الثوري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الحسين، وابن شبرمة، وعطاء بن رباح، إلا أنّه قُدّم على أنّه هامشي، فنال حظه من التعتيم، في المقابل نال الرأي الآخر حظه من الاستحسان والترسيخ.
وتم الاستقرار داخل الجماعات الجهادية على أنّ "الكفر علة الجهاد" ويسوقون مجموعة من الآيات التي تحث على القتال بشكل انتقائي متغاضين عن آيات التسامح والعفو: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36]، {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5]، {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29]، وتُعدّ بمنزلة مبررات القتال في الإسلام.
وهذا يُعطي رؤية حول دافعهم الأساسي الذي يجعلهم يتعاملون مع التراث بصورة انتقائية نفعية، تجعلهم يبررون من خلاله القتل والقتال، فهم ليسوا جماعات ترى في نفسها أداة منفذة للإرادة الإلهية على الأرض، وتعلن العنف تجاه الأبرياء ونظم الدولة باسم الواجب المقدس والأمر الإلهي، بقدر ما هي جماعات سياسية تتخذ البُعد الديني كوسيلة لحضورها في منبر السلطة، وتغطي منطقها العنيف بهذا الغطاء.
وما التكفير غير الشكل الأقلّ حدة للعنف الديني، أو يمكن القول الشكل المقبول في حالة الضعف، فتصفية الآخر عقائدياً واتهامه بعدم الصلاحية في حالة الضعف تتخذ صيغة القتل والسعي لفناء الآخر في حالة القوة، حيث إنّ العنف في أحد تعريفاته الاستخدام السلبي للقوة. لذلك يأتي التكفير وفق آليات عمل العقل الجهادي مقدمة للفعل العنيف، ويؤسس عليه شرعية أفعاله، إذ أنّه يُعدّ هنا مجاهداً في سبيل الله وداعياً إلى نصرة الدين والإيمان، ومن ثم تكون كل الوسائل والجرائم متاحة ويشفع لها قدسيّة غايته.



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)