المتأسلمون وظاهرة التحرش الجنسي... آليات التبرير ونزعة الهيمنة

المتأسلمون وظاهرة التحرش الجنسي... آليات التبرير ونزعة الهيمنة

المتأسلمون وظاهرة التحرش الجنسي... آليات التبرير ونزعة الهيمنة


18/02/2026

 

يقول علي الوردي: "العقل الإنساني قادر على تبرير أفعاله دائماً"، ومن خلال المعطيات التاريخية والاجتماعية يتضح مدى براعة العقل الإنساني في تغليف جرائمه بغلاف إنساني، وديني أحياناً، فتُرتَكَب العديد من الجرائم باسم الإنسانية وباسم الدين. والشواهد التاريخية تفضي بأنّ النصر كان عادة للأقوى، فالأقوى هو من يفرض المعايير ويكتب التاريخ، ويجد عادة ما يبرر به أفعاله ويقدّمها كتفسيرات طبيعية، وكأنّ الأمر يحدث من تلقاء نفسه. 

وباعتبار أنّ الذكر أقوى من الأنثى، لذلك كان له دور البطولة على مدار التاريخ، وفي أغلب الأحيان يسقط ضعفه على الأنثى، ويعطي تبريرات لأخطائه في صورة تفسيرات عقلية وعلمية وعقائدية أحياناً، وباعتباره المسيطر فمن حقه أن يقول ما يشاء.

في عام 1912 كبير جراحي المسالك البولية دكتور "وليام روبنسن" أطلق مصطلح "Frigidity"، ويعني "البرود الجنسي"، يتهم به النساء لتبرير الضعف الجنسي عند الرجال بأنهنّ غير مؤهلات لإثارة الرجل، ولم يكن هذا ما تتداوله العامة، بل كان رأياً طبياً يملأ الكتب والدراسات الطبية. 

وفضلاً عن اتهام النساء بإنجاب الفتيات وعدم إنجاب الذكور، الذي ظل تفسيراً علمياً هو الآخر، حتى أثبت العلم زيف هذا الأمر، وأعلن أنّ عملية تحديد نوع المولود تحدد حسب قوة الحيوان المنوي للرجل، ولكننا نجد في العديد من المجتمعات الريفية ما زال الاتهام موجهاً للنساء بأنهنّ المسؤولات عن تحديد نوع المولود، وذلك لنفي العجز عن الرجل ووضعه في دور البطولة وعدم زحزحته، فضلاً عن مواقف الاضطهاد التي عانت منها المرأة على مر التاريخ، وما زالت تعاني منها حتى لحظتنا هذه.  

ظاهرة التحرش الجنسي 

تنامت ظاهرة التحرش في المجتمع المصري إلى حد يجعل منها فعلاً طبيعياً، وتبعاً لمواقف السيطرة للذكر واضطهاد المرأة يتم تقديم مبررات له من قبل الذكور وخاصة رجال الدين في صورة تفسيرات طبيعية، وأوامر دينية، يمكن حصرها بأوامر الاحتشام والملابس غير الملفتة بالنسبة إلى الأنثى، مع تغافل أيّ دور للذكر، وكأنّه خارج مناط التكليف، مع اعترافهم بنقصان عقل الأنثى لا الذكر، ولكن من مبدأ أنّ الأقوى يفرض معاييره، أصبح على الأنثى أن تحمل خطأها وخطأ الذكر.

والواقع أنّه من غير المفهوم أن يقوم العقل الذكوري بلوم الأنثى مع حفظ حق القيادة والاعتراف بالقوامة للذكر، فدور القائد معرفة كيفية تسيير الأمور وتحسينها، كما أنّ على الطرف الأكثر قوامة المسؤولية الكبرى بطبيعة الحال، ومن ثم يكون الدور الأنثوي في هذه الحالة دوراً ثانوياً، وعليها فقط حسن الانقياد، وفقاً للصورة التي يعمل على بنائها العقل الذكوري موظفاً التعاليم الدينية، إلا أنّه يلقي عليها باللوم متغافلاً دوره القيادي الذي اختاره وفرضه وزعمه. 

وقد حاول العقل الذكوري تقديم تبريرات لمواقف التحرش الجنسي من قبل الرجال، يتهم فيها المرأة بسوء التربية غاضّاً الطرف عن أنّها في وضع المفعول به وليس لها أيّ مسؤولية تجاه هذا الفعل، ولكنّه يضع على كاهلها مسؤولية الكبت الجنسي الذي يعاني منه الذكر. 

في حديثه عن التحرش، قال الداعية عبد الله رشدي: "ليس من الطبيعي أن تخرج فتاةٌ بملابس لا تصلح إلا للنوم، ثم تشكو من التحرش، لا أجعل ذلك مبرراً قطعاً للتحرش، ولا أعفي المتحرشَ من العقوبة، ولا أبيح التحرش بمن تلبس كذلك، حتى لا يُؤَوِّلَ ضعافُ العقول كلامي، لكنني أعتقد أنّ من تصنع ذلك فهي جزء من المشكلة، وإذا أردنا علاج المرض فلا بدّ من قطع كلِّ أسبابه ومحاسبة الجميع، فمن تستعرض جسدَها بزيٍّ فاحشٍ أمام شبابٍ تملؤه الرغبةُ ويمنعُه الفقرُ، فهي شريكةٌ في الجُرْم."

وجاء حديث رشدي وفق ما هو معتاد من رجال الدين، خاصة في المحيط العربي من إلقاء اللوم على زيّ المرأة وتبرجها، صامتاً تجاه زيّ الرجل الذي يتمادى في إظهار فحولته، ممّا أثار حنق الكثيرين، وخلق موجة من الجدل على صفحات التوصل الاجتماعي، وصاغ هذا اللوم في صورة تفسير منطقي للوضع القائم متغافلاً السبب الرئيس للتحرش، ألا وهو التعامل مع المرأة على أنّها ضمن متاع الرجل الذي يجعله يرى جسدها مباحاً له. وتم حصر التحرش الجنسي كإفراز طبيعي لملابس النساء المثيرة، وعدم نجاح الأسرة في تحسين مستوى السلوكيات، متغافلاً أيضاً عن الدور القيادي الذي يعطيه الرجل لنفسه في العملية التربوية التي تنتج هؤلاء النساء المتبرجات على حدّ قوله. 

الاستغلال الديني للظاهرة 

تثبت الأحداث الاجتماعية منذ ظهور ما يُسمّى بالصحوة الدينية أنّ التيارات الدينية، لا سيّما الإسلام السياسي، تسعى إلى إثبات نظريتها تجاه تخلف المجتمع عن السنّة الدينية، ومن ثم الفطرة، وتطالبه بالعودة إلى فطرته وتعاليم الدين، لذا لا توفر جهداً في استغلال الأحداث والظواهر التي تطفو على سطح المجتمع. ولم تكتفِ الصحوة بأن يكون زيّ النساء هو المسؤول عن التحرش، بل إنّها قالت إنّه المسؤول عن الأزمات الاقتصادية كذلك، وظهر شعار "ينتهي الغلاء حين تتحجب النساء". 

وتُصرّ على الخطاب العربي، وربما لا نجانب الصواب إذا قلنا الجاهلي، الذي يجعل المرأة ضمن ميراث الرجل، فلا تقبل أن يكون للمرأة ما للرجل من حقوق وتراه تعدياً على صحيح الدين ومبدأ القوامة التي تتزعمه، وتضع ثوب المرأة قضيتها الأولى وميزتها التي تتميز بها عن الحضارة الغربية وتتفوق عليها به. واعتزاز أيّ فئة اجتماعية بزيها أمر غير معيب، بل مُستحب ومهمّ للحفاظ على هويتها، ولكن ربط مشكلات اجتماعية ونفسية به هو أمر يخرجه عن سياقه. 

ونتيجة للخطاب الأصولي العنيف يتجه التحرش الجنسي نحو المرأة، ويراها الذكر غنيمة ويحاول نيلها، وظهر التحرش الجنسي بالمرأة وأصبح شيئاً مألوفاً وطبيعياً في الشارع المصري، ولا أغالي إن قلت إنّه أصبح عرفاً قائماً داخل المجتمع، يغفر للذكر التحرش الجنسي ويراه طبيعياً ـ في أغلب الأحيان ـ خاصة إذا كانت المرأة فاتنة، ولكنّه بالمقابل يجرمه تجاه من يمتون إليه بصلة قرابة، ولعل هذا نابع من فهم المجتمع الذكوري للحاجة الجنسية الملحة عليه، التي تجعله يبيح جسداً آخر له حريته وسيادته، فبالرغم من كل القوانين التي توضع للحدّ منه والتجريم الأخلاقي له إلا أنّه يزداد يوماً بعد يوم.

ولا يُفهم من هذا أنّ القوانين خالية من أيّ دور، كما لا يفهم أيضاً أنّه من حق الذكر إباحة جسد الغير، بيد أنّ دور القوانين محدود للغاية، وذلك لطبيعة المجتمع التي تصبّ الاتهام على الفتاة، ونظرته المتدنية إلى الفتاة التي تجهر وتبلغ بقضية تحرش لم يكن لها أيّ دور فيها، واعتبرها في حاجة إلى إعادة التربية، بل ينظر إليها في أحيان عديدة نظرة العاهرة، وتوضع الفتاة في دور القبول بالأمر خشية اتهامها بالعهر، ومن ثم يراها الذكر عاهرة بالفعل لقبولها بالأمر.

وفقاً لم تقدّم؛ يُعدّ التحرش الجنسي بمثابة نتيجة طبيعية في ظل وجود الفقر والعوز والاحتياج وما يصحبها من طرق بدائية في التربية ينتج عنها إعاقات وتشوهات نفسية عديدة. إلا أنّ الإسلام السياسي يرفض هذا الأمر، ويحاول استغلال الظاهرة ـ كما اعتدنا ـ لإحياء خطابه واتهام المجتمع بالانحلال والبُعد عن الدين، ومن ثم يكون الحل الطبيعي للظاهرة هو العودة إلى الدين، ويقصر العقل الذكوري العودة على النساء ويصبّ عليهنّ الاتهام، والشعور بالذنب لدفعهنّ إلى الإطار الذي يحدده رجال الدين.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية