صراط الفقهاء وصراط الفقراء... قراءة في كتب البدع

صراط الفقهاء وصراط الفقراء... قراءة في كتب البدع

صراط الفقهاء وصراط الفقراء... قراءة في كتب البدع


09/02/2026

الصراط مستقيم في المتن، لكنّ الواقع يجبره على التعرج، فما من مسار أحادي صارم يقود إلى الحق في الممارسات الواقعية للبشر. تظل النصوص التي ترسم ملامح هذا الصراط محلقة، كمرجعية نهائية، لكنّها ليست بالقوة التي تجعل البشر يلتزمونها التزاماً حرفياً، حتى وإن ملأت وعود الجزاء ووعيد العقاب المسافة ما بين السماء والأرض، والأمر الجدير بالملاحظة أنّ هذه الفجوة كانت رزقاً لآخرين، فلولاها ما وجد الفقيه أو المحتسب مبرراً لوجوده. وهنا ننتقل من الفلسفة إلى سوسيولوجيا الأديان، فوجود "المساحة الرمادية" بين النص المستقيم والواقع المتعرج هو "السوق" الحقيقي الذي يمارس فيه هؤلاء أدوارهم. 

تديّن العامة في مصر: قراءة في أرشيف "المحرمات" الفقهية

يقف حراس المتن، فقهاء المعرفة الدينية العليا، كرقباء على عتبات الممارسة الاجتماعية الدينية؛ يحصون السلوك ويخضعونه للمحاكمة، مستندين في ذلك إلى نصوص يسيجونها بقداسة مطلقة، ويرونها حقاً محضاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويمكن رصد السلوكيات الشعبية الدينية في مصر، أو تلك المتقاطعة مع الدين، من خلال تتبع اللهجة الغاضبة والمستهجنة للفقهاء التي ساقها الفقهاء في كتب البدع. فباستقراء النصوص التاريخية والفقهية التي دوّنها كبار العلماء، مثل ابن الحاج الفاسي والجلال السيوطي في العصر المملوكي، والشيخ علي محفوظ في العصر الحديث، تتجلى لنا طبيعة هذه البدع، وجذورها الاجتماعية، وكيفية تصدي الفقهاء لها تقريعاً ونقداً وتوجيهاً.

نسعى هنا إلى رسم صورة للتدين الشعبي من خلال مرآة الفقهاء وملاحظاتهم النقدية تجاهه. ونمضي في ذلك عبر مسارين؛ أوّلهما استقصاء ملامح الممارسة الشعبية كما وصفتها تلك المتون الفقهية، والثاني تحليل الفجوة بين "النص الشرعي" و"الممارسة الشعبية". ونبحث في سرّ صمود هذه العادات أمام الإنكار الفقهي لقرون طويلة، وهو ما يجعلها مادة خصبة للدراسة الدينية والأنثروبولوجية على حد سواء. 

لن تجد في وصف مظاهر التدين الشعبي عبر العصور أصدق ولا أدق ممّا دونه الفقهاء؛ فقد راعهم خروج العامة عن "النص" في تفاصيل حياتهم اليومية، وأفراحهم، وأحزانهم. وبدافع الغيرة على العقيدة، رصد هؤلاء الفقهاء بدقة مجهرية أشكال ذلك الخروج ووثقوها بوصفها "بدعاً" مستحدثة؛ ساعين إلى تجريمها وعزلها عن صحيح الدين (وفق اعتقادهم). وبذلك  تحولت كتب الفقه والفتاوى، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى سجلات تاريخية تحفظ لنا أدق عادات الشعب المصري التي كان يمكن أن يطويها النسيان.

وبالرغم من أنّ الفقهاء تراوحت أحكامهم في تصنيف تلك الظواهر بين (بدعة الضلالة، والبدعة الحسنة، والمكروه، وصولاً إلى الخروج عن الملة)، إلا أنّهم في الغالب نظروا إلى مظاهر التدين الشعبي بوصفها خروجاً صريحاً عن جوهر الدين، أو في "أضعف الإيمان" مجرد عادات دخيلة ومخالفات شرعية يجب استئصالها.

إنّ الفقيه، برغبته الحثيثة في الحصر والمنع، قدّم لنا، دون قصد، أرشيفاً أنثروبولوجياً لا يُقدّر بثمن. وهنا تبرز مفارقة ممتعة؛ وهي أنّ "كتابات التحريم" ذاتها كانت هي الحارس الذي حفظ لنا أدوات الترفيه والطقوس الشعبية القديمة؛ فلولا هجوم الفقهاء على آلات موسيقية بعينها أو طقوس احتفالية محددة، لما أُتيح لنا اليوم فحص تفاصيلها التقنية والسياقية. علاوة على ذلك، اتسمت تدوينات الفقهاء بقدر هائل من الدقة التوثيقية؛ إذ يتوخى الفقيه، عادة، أقصى درجات الوصف المجهري لـ 'البدعة' ليتمكن من تكييفها والحكم عليها، وهو ما يجعل وصفه يتفوق، في مواضع كثيرة، على سرديات المؤرخ العام. 

لكل ما سبق تُعدّ دراسة كتب الحيل والعرف والبدع والحسبة جزءاً لا يمكن إغفاله عند دراسة شؤون الاقتصاد والمجتمع الإسلامي. ولمّا كانت الديار المصرية قد شهدت تعاقباً لحضارات عظيمة وثرية في ثقافاتها؛ لذا فقد أنتج هذا الثراء تداخلاً فريداً بين العادات الضاربة في القدم والشعائر الدينية الوافدة عليها. هذا الاندماج هو ما كان مثار رعب حراس العقيدة الجدد، من فقهاء الأمة وجهابذة المختصين، وهو ما حدا بهم إلى تكثيف جهودهم لرصد تلك الممارسات وتصنيفها تحت مسمّى 'البدع'، صابين جام غضبهم على تلك الممارسات التدينية الشعبية المارقة.

من الزمن الديني إلى الزمن الدنيوي

مع فتح الديار المصرية على يد الجيوش المسلمة وفد إلى البلاد زمن لاهوتي جديد، زمن محمل بمنتج ثقافي إيديولوجي نبت في بيئة صحراوية تختلف في إيقاعها عن الطبيعة المصرية إنسانياً وإيديولوجياً. غير أنّ المصريين نجحوا في دمج ما هو وافد بما هو مستقر، فأنتجوا ممارسات دينية وثقافية مختلفة بشكل كبير عن تلك السائدة في المجتمع الإسلامي الأول في شبه الجزيرة العربية. لذا تزخر كتب البدع الإسلامية بتفاصيل دقيقة حول كيفية تحول الشهور الهجرية إلى مواسم اجتماعية، اختلطت فيها العبادة بالعادات الشعبية عند المصريين. إنّ تحويل "الزمن الديني" إلى "زمن احتفالي شعبي" هو عملية سوسيولوجية وثقافية شديدة الأهمية، تعكس كيف تعيد الشعوب صياغة الممارسات الروحية الرسمية لتتواءم مع حياتهم اليومية واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية.

ها هو جلال الدين السيوطي يعلن رفضه القاطع للمسحراتي والأذكار المبتدعة، فيقول في كتابه "الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع": "أمّا ما يفعله المسحرون من الطواف بالطبل وذكر عبارات فيها غلو أو سجع متكلف، وتخصيص ذلك بآلات الطرب، فهو ممّا أحدثه الناس لإيقاظ الصائمين، وكان يكفي فيه الأذان كما كان في عهد النبي، لكنّهم جعلوه كأنّه جزء من شعائر الدين".

على النهج نفسه يمضي الشيخ الشقيري في حديثه عن بدع "التسابيح" و"التراويح" في كتابه "السنن والمبتدعات"، فيقول: إنّ "من البدع ما يفعله القراء في مصر من التغني بالقرآن في صلاة التراويح، وتمطيط الحروف حتى يخرجوا به عن حد التلاوة الشرعية إلى حد الألحان الموسيقية...، وكذلك قولهم بين كل ركعتين بصوت جماعي: "الصلاة والسلام عليك يا زين الملاح"، فهذا لم يرد به نص".

من الحزن والاتعاظ إلى الفرح بالحياة: بدع زيارة المقابر يوم العيد (عيد الفطر والأضحى)

كانت هذه العادة من أكثر ما أنكره العلماء، حيث اعتبروا تحويل العيد من يوم فرح إلى يوم حزن وبكاء في المقابر مخالفة للسنّة. فيرى ابن الحاج الفاسي في "المدخل" أنّ "من البدع التي أحدثها أهل مصر خروجهم إلى المقابر يوم العيد، فإذا فرغوا من الصلاة لم يذهبوا إلى بيوتهم، بل ذهبوا إلى الجبانات (المقابر)، والنساء يخرجن لذلك بزينة كاملة وروائح طيبة، ويقمن هناك المآتم ويبكين على الموتى، فيجتمع في العيد صنيع الجاهلية من النياحة مع مخالفة سنّة النبي في الفرح". والرأي نفسه يؤكده الشيخ علي محفوظ في كتابه "الإبداع في مضار الابتداع"؛ حيث يرى أنّ "تخصيص يوم العيد لزيارة القبور واعتقاد أنّ ذلك من القربات في هذا اليوم هو من البدع الإضافية، وزاد أهل مصر في ذلك بأن جعلوا المقابر كأنّها منتزهات، يأكلون فيها الفاكهة والكعك ويوزعونها بنية الصدقة عن الميت في وقت مخصوص لم يشرعه الله".  

ولا يكتفي الشعبيون بالجانب التعبدي المجرد، بل يضاف إليه بعد البهجة والتواصل الاجتماعي، ممّا ينقل الحدث من إطار المقدّس الصارم إلى المقدّس باعث السعادة، مغيراً من طبيعة الحدث عبر ما يمكن تسميته بـ "أنسنة" الزمان الديني. ففي حين يركز الزمن الديني الرسمي على العبادة، والرهبة، والآخرة، يقوم الوجدان الشعبي بـ "أنسنة" هذا الزمن وربطه بالأرض والمناسبة الاجتماعية. مثال على ذلك شهر رمضان الذي يتحول بقدرة العامة من شهر للصوم والزهد إلى موسم للتزاور، والسهر، والأكلات الشعبية الخاصة، والفوانيس؛ هنا  يصبح "الزمن" ملكاً للناس وليس فقط للمقدّس. بل الأدهى من ذلك تحويل الطقس الديني إلى حالة كرنفالية؛ إلى استعراض (الفلكلور)؛ فتتحول العبادات الصامتة أو الفردية في الزمن الديني إلى ممارسات جماعية بصرية وصوتية؛ وذلك بإدخال آلات موسيقية أو إيقاعات (كالدفوف) في المولد النبوي، أو احتفالات موالد الأولياء، ممّا يضفي طابعاً احتفالياً صاخباً يكسر صمت الوقار الديني، وتتجمل الحالة الكرنفالية بارتداء ألوان زاهية وتزيين الشوارع، وهو ما يربط الشعور بالدين بالشعور بالفرح والجمال. 

يمثل هذا الطقس امتداداً لتقاليد ضاربة في القدم سبقت دخول الإسلام إلى مصر؛ حيث ارتبطت الممارسة الدينية بالدورة الزراعية وإيقاع الطبيعة. ففي الوجدان المصري غالباً ما تدمج الأعياد الدينية بمواعيد الحصاد أو تبدل الفصول، وهو ما يحوّل "الزمن الديني" إلى مناسبة للاحتفاء بالخصوبة والرزق.

وهنا، تبتكر الفئات الشعبية ما يمكن تسميته بـ "المساحات الموازية" التي تتيح ممارسة كرنفالية صاخبة؛ ففي "المولد"، على سبيل المثال، يتجاور الضريح (باعتباره رمزاً للزمن الديني المهيب) مع "المراجيح" والأسواق وباعة الحلوى (التي تمثل الزمن الاحتفالي). هذا التوازي الفريد يمنح الناس قدرةً على الانتقال السلس بين الخشوع والمرح في اللحظة ذاتها.

ويرى علماء الاجتماع أنّ هذا التحويل يمثل نوعاً من "المقاومة الناعمة "لصرامة القوالب الدينية الرسمية؛ حيث يأبى المصريون حصر علاقتهم بالمقدّس في أطر الحزن أو الجمود، مُصرّين على ضخ دماء الحياة والبهجة في قلب التجربة الدينية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية