لماذا يصر الاحتلال على إغلاق بوابة الأمل؟

لماذا يصر الاحتلال على إغلاق بوابة الأمل؟

لماذا يصر الاحتلال على إغلاق بوابة الأمل؟


19/01/2026

 

في المساء حين يخف ضجيج الشارع وتبقى أصوات المولدات وحدها، يجلس الأستاذ الجامعي أحمد الشرافي (45 عاماً) على درج إسمنتي أمام بيته بحي تل الهوى جنوب مدينة غزة، ويحمل بيده مفاتيح صغيرة، لا يفتح بها باباً بعيداً، بل يفتح بها حديثاً طويلاً عن معنى معبر رفح في حياته كبقية السكان بغزة.

يقع معبر رفح البري جنوب قطاع غزة في أقصى جنوبي محافظة رفح بين مدينة رفح وشوكة الصوفي، على الجهة الغربية من فلسطين بين الحدود الفلسطينية المصرية، التي تم الاعتراف بها بموجب معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر عام 1979، ويُعدّ المعبر منفذاً دولياً يصل قطاع غزة بشبه جزيرة سيناء المصرية.

ويتخذ الاحتلال الإسرائيلي من إغلاق معبر رفح البري ورقة ضاغطة على سكان غزة، حيث يواصل إغلاقه بشكل متواصل منذ (20) شهراً، ولم يسمح بفتحه في اتجاه واحد إلا مدة (40) يوماً فقط خلال التهدئة التي عُقدت في 19 كانون الثاني/يناير 2025، وحدد عدد المغادرين بمعدل (300) شخص يومياً فقط، قبل أن يعيد إغلاقه مطلع آذار/ مارس الماضي.

ومنذ أيار/مايو 2024 تحتل إسرائيل الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وكان من المقرر فتح المعبر في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، غير أنّ إسرائيل لم تلتزم.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي بغزة فهناك (22) ألف مريض وجريح بحاجة إلى السفر خارج القطاع لتلقي العلاج وإجراء عمليات جراحية، لا يمكن إجراؤها في قطاع غزة، وهناك أكثر من (80) ألف طلب للعودة إلى قطاع غزة من قبل مواطنين فلسطينيين بالخارج.

ونقلت صحيفة (معاريف) عن مصادر سياسية أنّ موقف القيادة الإسرائيلية "لم يتغير"، وأنّ معبر رفح "لن يُفتح إلا بعد استعادة جثة الأسير الإسرائيلي ران غويلي المتبقية في غزة."

 

المعبر يعني أن نتنفس 

يقول الشرافي الذي توقف عن عمله منذ بداية الحرب: "معبر رفح لا يقرأ على الخرائط كما يقرأه أهل غزة في حياتهم اليومية، فعلى الخريطة هو خط، أمّا عندنا فهو انتظار، انتظار العلاج، وانتظار طالب، وانتظار فرصة عمل، وانتظار خبر لا يأتي." 

ويستعيد الشرافي تفاصيل الأيام التي أغلق فيها المعبر وفتح فيها على فترات قصيرة، قائلاً: "حين يغلق تتقلص الحياة، وتشعر أنّ المدينة صارت أصغر، وأنّ الوقت أثقل، فالمرضى ينتظرون أرقاماً، والطلاب ينتظرون رسائل، والتجار ينتظرون شاحنات لا تصل." 

لا يصف الشرافي الأمر بلغة الأرقام، بل بلغة البيت: "حين لا يدخل الدواء، ينام القلق معنا، فحين لا تخرج الحالات للعلاج، نعدّ الأيام بدل المواعيد."

وبسؤاله عن الأخبار التي تتحدث أحياناً عن فتح المعبر للمغادرة فقط، يبتسم ابتسامة قصيرة ويقول: "الخروج وحده ليس حلّاً، فنحن لا نبحث عن باب للهروب، بل عن باب للحياة." 

وبالنسبة إليه، الفتح الحقيقي يعني اتجاهين: دخول المساعدات والبضائع، وخروج من يحتاج علاجاً أو للدراسة، ثم القدرة على العودة، لكن تبقى العودة كلمة كبيرة هنا." 

ويشرح الشرافي كيف ينعكس المعبر على تفاصيل السوق: "حين يتحرك المعبر، يتحرك الشارع، الدكان يفتح أكثر، العامل يجد عملاً يومياً، والناس تشعر أنّ الغد ممكن، فنحن نريد حياة عادية، وأن نخطط لأسبوع، لا ليوم، وهنا لا نريد ازدهاراً بل توازناً بسيطاً لتستمر الحياة." 

ويشير إلى ابنه الصغير الذي يلعب بجانبه، ويوضح: "هذا الطفل يعرف المعبر من حديث الكبار، لا من الرحلات، فتح المعبر يعني أن يعرف العالم خارج الحصار، وأن يزور أقارب، ويدرس، وأن يرى بحراً آخر." 

ورغم الأمل، يعترف الشرافي بوجود خوف دائم من أن يتحول فتح المعبر إلى التهجير، أو إلى وعود قصيرة، لكنّه رغم ذلك يتمسك بالأمل، لأنّ البديل هو الاستسلام، فمعبر رفح ليس حلّاً  لكل مشاكلنا، لكنّه بداية أن نشعر بأننا بشر لنا حق الحركة والحياة." 

 

الانتظار حياة يومية

في الطابق الأرضي من بناية متضررة جزئياً بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، يعيش صبحي حسونة (52 عاماً) مع زوجته وأطفاله الستة، ويقول: "فتح معبر رفح يعني أن نخرج من هذا الشعور بأننا منسيون." 

ويضيف حسونة: "لم نعد نقيس الوقت بالساعات، بل بالأخبار، خبر عن فتح المعبر، خبر عن استمرار إغلاقه، حتى باتت حياتنا معلقة بين سطرين." 

ويشرح: "المعبر حاضر في كل تفاصيل اليوم، حتى وإن بدا بعيداً، فحين أذهب إلى السوق أفكر بالمعبر، وحين يمرض أحد أولادي أفكر بالمعبر، وحتى حين نخطط للزواج أو للدراسة، يظل السؤال: هل سيفتح المعبر؟".

ويروي حسونة قصة ابنه الأوسط، الذي يحتاج علاجاً دورياً غير متوفر في مستشفيات غزة: "الأطباء هنا يبذلون ما يستطيعون، لكنّ الإمكانيات محدودة." 

ويضيف بصوت منخفض: "فتح المعبر يعني أن نختصر الطريق بين الألم والعلاج، ويعني ألّا ننتظر حتى تتفاقم الحالة، فالمعبر ليس ترفاً صحياً، بل هو مسألة حياة أو موت." 

ويتابع: "لا أريد الرحيل النهائي، أريد أن أخرج وأعود، وأن يدخل الدواء والغذاء، وأريد فتحاً يحافظ على وجودنا، لا يفرغه." 

ويؤكد حسونة: "الكرامة ليست شعاراً كبيراً، فالكرامة أن تختار، أن تتحرك، ألّا تُجبر على البقاء أو المغادرة، ففتح المعبر هو استعادة لجزء من الكرامة التي سلبها الاحتلال الإسرائيلي من السكان في غزة." 

 

انتظار عند بوابة الأمل

في ممر ضيق داخل عيادة الفاخورة بمخيم جباليا شمال قطاع غزة تجلس الفلسطينية خديجة الرباعي (41 عاماً)، التي تعمل ممرضة، وهي أم لأربعة أطفال، وقد بدت على وجهها علامات الإرهاق، وحين سؤالها عمّا يعنيه فتح معبر رفح، لم تجب كممرضة ولا كسياسية، بل كامرأة أنهكها الانتظار، وتقول: "المعبر وفتحه يعني أن نكفّ عن سؤال: هل سننجو؟".

وتضيف: "فتح المعبر يعني أن أطمئن على أولادي، وأن أعرف أنّ الدواء متوفر، وأنّ المدارس ستستقر، وأنّ المستقبل ليس مغلقاً مثل هذا الباب. الأم لا تريد أكثر من الأمان، والمعبر جزء من هذا الأمان، فأنا أحب غزة، وأريد أن أبقى فيها، لكنّي أريد أن أعرف أنّ الخروج ممكن إذا اضطررت." 

وتوضح الرباعي: "كامرأة أخشى من القرارات غير الواضحة، وأخشى أن يفتح المعبر فجأة ويغلق فجأة، أن نترك في منتصف الطريق." 

وتؤكد: "المعبر حاضر في عملي أكثر ممّا يتخيل الناس، فكل يوم نواجه حالات نعرف مسبقاً أنّ علاجها الحقيقي خارج غزة، نسعف، ونخفف الألم، ونجري الممكن، لكننا نعرف أنّ هذا ليس كافياً." 

وتحكي الرباعي عن المرضى الذين يحملون ملفاتهم الطبية كما يحملون أعمارهم، فهناك من ينتظر سفره للعلاج منذ شهور، وبعضهم يفقد الأمل، وبعضهم يفقد حياته." 

وتؤكد الرباعي بصوت خافت: "حين يكون المعبر مغلقاً نشعر بأننا نؤجل الألم لا نعالجه، موضحة: "الفتح الحقيقي هو الاستمرارية والوضوح، وأن نعرف أنّ العودة حق، وأنّ البقاء خيار، لا عقوبة." 

 

التزام قانوني وليس طوعياً

يرى الناشط الحقوقي رئيس الهيئة الشعبية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني الدكتور صلاح عبد العاطي أنّ "فتح معبر رفح هو التزام قانوني على عاتق الاحتلال الإسرائيلي بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ولا يُعدّ مجرد إجراء إنساني طوعي،  فالاتفاقيات الدولية واجبة الاحترام، ولا سيّما اتفاق 2005 الذي يلزم الاحتلال بضمان حرية حركة المدنيين، وتلزم قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي الاحتلال بإدخال المساعدات الأساسية، وضمان سفر المواطنين وعودتهم دون أيّ وجود أو إشراف إسرائيلي مباشر، والامتناع عن أيّ قيود تعسفية." 

ويضيف عبد العاطي: "فتح المعبر خطوة ضرورية لكنّها لا تلغي المسؤولية القانونية للاحتلال عن الوضع الكارثي في القطاع، فالمسؤولية تشمل ضمان وصول المساعدات، وحماية المدنيين، وتسهيل الحركة بشكل كامل، إضافة إلى الالتزام بوقف العقاب الجماعي والتهجير القسري، وما زالت هذه الالتزامات قائمة بغضّ النظر عن أيّ فتح شكلي للمعبر." 

ويتابع: "الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأساسية عن إغلاق المعبر، كونه الجهة المسيطرة فعلياً على الحدود والمعابر، ويلزمه القانون الدولي الإنساني بضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين، بما يشمل الجرحى والمرضى والعالقين، والتأكد من عدم استخدام المعابر ورقة ضغط سياسية أو أداة تهجير." 

ويوضح: "لا بدّ من توظيف القانون الدولي لحماية حق سكان غزة في حرية الحركة بشكل دائم من خلال تعزيز الرقابة الدولية والمراقبة الأممية على المعابر، كما نصت اتفاقيات 2005، وتوثيق الانتهاكات ورفعها ومتابعتها أمام محكمة الجنايات الدولية   وباستخدام  الولاية القضائية الدولية، واعتبار أيّ قيود تعسفية أو عقاب جماعي أو تهجير مقنّع جريمة دولية تستدعي المساءلة." 

ويؤكد عبد العاطي أنّ "حق التنقل المدني لا يجوز تقييده تعسفياً حتى في سياق الاحتلال أو النزاعات المسلحة، مع ضمان آليات دائمة لفتح المعابر، بما في ذلك وضع المعابر  تحت إشراف دولي مستقل لضمان منع الاحتلال من إغلاقها او التحكم بها." 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية