الإسلام السياسي بعد 2025: من مركز المشهد إلى هامشه

الإسلام السياسي بعد 2025: من مركز المشهد إلى هامشه

الإسلام السياسي بعد 2025: من مركز المشهد إلى هامشه


11/01/2026

منذ ما بعد "الربيع العربي" تتراكم الأدبيات البحثية التي تتحدث عن انتقال الإسلام السياسي من مركز المشهد إلى هامشه، وعن تحوّله من "أفق تغيير" إلى "ظاهرة مأزومة" تبحث عن مخرج من أزماتها المتراكمة.

 في دراسة للباحث عبد الحق دحمان بعنوان "أسباب تراجع أداء الإسلاميين في إدارة الحكم بالعالم الإسلامي" (مركز المجدد للبحوث والدراسات، 2022)، يخلص الباحث إلى أنّ الإسلاميين، بعد موجة صعود قصيرة، وجدوا أنفسهم في قلب ثورة مضادة وصدمات متتالية، لكنّهم في الوقت نفسه فشلوا في التكيّف مع متطلبات الدولة الحديثة وإدارة الحكم.

​وفي دراسة أخرى بعنوان "صعود وهبوط حركات الإسلام السياسي" (نُشرت ضمن أدبيات عربية متخصصة في العلوم السياسية عام 2022) يُربَط هذا التراجع بعجز الحركات الإسلامية عن بناء تحالفات واسعة وإدارة التعدّدية، ممّا جعلها تصطدم مبكراً بالنخب القديمة ومؤسسات الدولة العميقة.

​من "لحظة المركز" إلى منفى الهامش

يتتبّع دحمان ما يسمّيه "الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي" في المنطقة العربية، حين تقدمت قوى الإسلام السياسي إلى مركز المشهد في مصر وتونس والمغرب، قبل أن تتراجع بسرعة تحت ضربات الثورة المضادة وأخطائها الذاتية. يبيّن أنّ هذه الحركات دخلت السلطة في ظروف اقتصادية واجتماعية متردّية، ومن دون رؤية تراكمية أو شراكات حقيقية مع قوى أخرى، وهو ما حوّلها إلى "كبش فداء مثالي" لفشل عام في إدارة الانتقال الديمقراطي.

مركز (الجزيرة) للدراسات، في كتابه الجماعي "ماذا حدث للإسلاميين؟"، قدّم مبكراً قراءة مشابهة؛ إذ اعتبر أنّ الحركات التي دخلت المشهد بوصفها بديلاً أخلاقياً للنخب الحاكمة كشفت في لحظة الاختبار هشاشة أدواتها في الحكم، وعدم قدرتها على الانتقال من خطاب المعارضة إلى منطق الدولة.

تقارير دولية… من فزّاعة "التهديد الإسلامي" إلى أزمة تمثيل

ورقة صادرة عن مؤسسة (كارنيغي) بعنوان "الصحوة العربية في عامها الرابع" لاحظت أنّ انحسار التأييد الشعبي للإسلاميين في مصر وتونس شكّل، في حد ذاته، تحدياً لفكرة "الخطر الإسلامي" كما روّجتها بعض الدوائر الغربية. فالجمهور، لا الأجهزة الأمنية وحدها، هو من سحب التفويض من هذه الحركات عبر صناديق الاقتراع أو عبر موجات الاحتجاج.

في المقابل، تشير تحقيقات وتحليلات صحفية، مثل تحقيق "كيف تحوّل الإسلام السياسي إلى ظاهرة مأزومة؟" المنشور في (الإندبندنت عربية)، إلى أنّ رد فعل الإسلاميين جاء أقرب إلى الانكفاء على خطاب المظلومية وإعادة تدوير سردية "المؤامرة"، بدل استثمار اللحظة لإعادة تعريف المشروع داخل أطر وطنية تعاقدية جديدة.

​من "التنظيم" إلى "الدولة"… طريق لم يُستكمل

دراسة بعنوان "من التنظيم إلى الدولة: تحولات الإسلام السياسي في ظل ما بعد 2013" تصف ما جرى بأنّه "نكسة ثانية" للإسلام السياسي بعد سقوط حكم الإخوان في مصر. تُظهِر الدراسة أنّ العطب الأساسي كان نقل منطق التنظيم السرّي ـ القائم على الولاء والطاعة والتراتبية العقائدية ـ إلى فضاء الدولة، بدل استبداله بمنطق مؤسسي يقوم على المواطنة والقانون وتداول السلطة.

​وفي دراسة "صعود وهبوط حركات الإسلام السياسي"، يُشار بوضوح إلى أنّ تجارب العدالة والتنمية في المغرب، والنهضة في تونس، والإخوان في مصر، أظهرت حدود البراغماتية الإسلامية: قبول الشكل الديمقراطي لم يُرفَق دائماً باستعداد حقيقي للتخلّي عن وهم "الاستثناء الأخلاقي" وحق احتكار تمثيل الهوية الإسلامية.

​بين "ثورة مضادة" وأخطاء ذاتية

تستعين ورقة دحمان بمفهوم "الثورة المضادة" كما صاغه هنتنغتون، لتشرح كيف تحالفت قوى محلية وإقليمية ودولية لإجهاض أيّ انتقال ديمقراطي تقوده قوى قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. لكنّها، في الوقت نفسه، تسجّل على الإسلاميين دخولهم الحكم في لحظة من "التسييج والفوضى" من دون أدوات تفاوض ناضجة، أو إدراك لفداحة الصدام المفتوح مع مؤسسات الدولة.

على الضفة الأخرى، تقدّم دراسات نقدية صادرة عن مراكز مثل (مؤمنون بلا حدود) مقاربة أكثر حدة؛ ففي مقالة بعنوان "كيف ساهمت الإسلاموية في تراجع قيم التعددية الثقافية؟" يُبيَّن أنّ خطاب الإسلام السياسي نفسه غذّى انقسام المجتمعات إلى ثنائيات حادة (إسلامي /علماني، مؤمن /عدو)، وأنّ هذا الاستقطاب جعل أيّ فشل سياسي يبدو كفشل "للإسلام في السياسة" لا كتعثّر تنظيم بعينه.

صعود قوى سنّية سلطوية وغير مؤدلجة

مشاريع بحثية أوروبية عن "مقاربات التطرف في المتوسط" تشير إلى أنّ الفراغ الذي خلّفه تراجع الإسلاميين لم تستطع أن تملأه قوى ديمقراطية ليبرالية بقدر ما ملأته قوى سنّية رسمية أو شبه رسمية أعادت الدولة من خلالها "تأميم الحقل الديني".

​هذه القوى تتجسّد في: مؤسسات دينية وطنية أُعيدت هندستها لتقديم "إسلام رسمي" منضبط، يُستخدم لمواجهة الجهاديين من جهة، ولضرب شرعية الإسلاميين من جهة أخرى. أحزاب محافظة موالية للسلطة تبني خطابها على "الدفاع عن القيم" من دون مشروع إيديولوجي تغييري، وتعمل كبديل "مستأنس" عن الأحزاب الإسلامية.

تحليلات منشورة في صحف عربية وغربية تتحدث هنا عن شكل من "ما بعد الإسلام السياسي": الدين حاضر في الخطاب، لكن بوصفه أداة ضبط اجتماعي في يد السلطة، لا حاملاً لمشروع إصلاحي أو ثوري كما بشّرت به الحركات الإسلامية لعقود.

​مستقبل الإسلام السياسي في تقدير مراكز الفكر

في خاتمة دراسته، يؤكد عبد الحق دحمان أنّ الإسلام السياسي "أمام لحظة حاسمة تُلزمه بإعادة النظر في أطره الفكرية والإيديولوجية والسياسية بما يتماشى مع التحولات الجارية"، محذراً من أنّ تجاهل هذه اللحظة سيحوّله إلى مجرّد ظاهرة تاريخية يتم تناولها في كتب المراجعات لا في خرائط المستقبل. في الاتجاه ذاته  تذهب تحليلات أخرى إلى أنّ الحركات الإسلامية، حتى حين تقرّ بفشل بعض التجارب، ما زالت مترددة في الاعتراف بأزمة النموذج نفسه.

أغلب هذه الأدبيات تتقاطع عند نتيجة واحدة: في أفضل السيناريوهات لن يعود الإسلام السياسي إلى صيغة "الحزب الحاكم ذي المرجعية الشمولية"، بل إلى حضور أكثر تشظّياً: شبكات ضغط، ومجموعات دعوية وسياسية صغيرة، وتأثير ثقافي ورمزي في الهوامش أكثر منه في مركز السلطة.

​ما تكشفه هذه الدراسات، بما فيها تلك المتعاطفة نسبياً مع الإسلاميين، هو أنّ تهميش الإسلام السياسي بعد 2025 لم يكن قراراً سلطوياً فقط، بل نتيجة منطقية لبنية فكرية وتنظيمية لم تعرف كيف تتصالح مع الدولة الوطنية والتعددية والحداثة السياسية. منطق التنظيم المغلق، وادعاء احتكار تمثيل الإسلام، وثنائية الضحية /المتآمر، كلّها جعلت الحركات الإسلامية عاجزة عن إنتاج عقد اجتماعي جديد، أو عن الاعتراف بدورها في صناعة المأزق.

بهذا المعنى، لا يبدو السؤال اليوم: "متى يعود الإسلاميون إلى الحكم؟"، بل: "كيف سيعيش الإسلام السياسي في الهامش؟ وبأيّ صيغ وشبكات وخطابات؟"؛ في ظل أنظمة أعادت ضبط الورقة الدينية لصالحها، ومجتمعات تبحث عن بدائل تتجاوز استقطاب "إسلاميين /علمانيين" الذي استُهلك حتى آخره.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية