حيرة "الأمريكان" في صرف "عفريت الإخوان" (1)

حيرة "الأمريكان" في صرف "عفريت الإخوان" (1)

حيرة "الأمريكان" في صرف "عفريت الإخوان" (1)


08/01/2026

عماد فؤاد

عندما تتقاطع المصالح قصيرة النظر مع العقائد الأيديولوجية المتصلبة، وعندما تتعامل الدول العظمى مع القوى الدينية السياسية، باعتبارها أدوات قابلة للتحكم عن بعد، فإن النتيجة الحتمية هى ولادة كائن هجين، يبدأ وكأنه حليف مفيد فى سكون الليل، ثم ينمو ليصبح تهديداً مباشراً فى وضح النهار.

هذه هى السردية الواقعية للعلاقة الأمريكية المعقدة مع جماعة الإخوان الإرهابية، التى وصلت الآن إلى مفترق الطرق، حيث ظهر التناقض الصارخ بين محاولة أمريكا اليوم حظر ما ساعدت على تمكينه بالأمس، وخوفها من «العفريت» الذى أطلقت سراحه من قمقمه، بعد أن استنفد دوره الوظيفى المطلوب منه فى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، فيما روجوا له باسم «الربيع العربى».

أجهزة صنع القرار فى «واشنطن»، التى نظرت إلى العالم من خلال عدسة «الفوضى الخلاقة» وبدأت سياسة «إدارة التوازنات الإقليمية»، استغلت جماعة الإخوان كمنظمة شعبوية، معادية للأنظمة المزعجة، والتيارات القومية المناوئة كالناصرية والبعثية، بالإضافة لامتلاكها خطاباً أيديولوجياً جذاباً يمكن أن يحشد الجماهير فى لحظات تاريخية معينة، ضد المعرقلين للمصالح الأمريكية، وتم التعامل مع جماعة الإخوان ليس كفكرة، ولكن كأداة ضغط.

فى مصر - على سبيل المثال - تم التسامح مع صعودها السياسى، بل والترحيب بها كـ«ديمقراطية ناشئة»، مع تجاهل متعمد لتناقضها الجوهرى مع مفهوم الديمقراطية الليبرالية نفسها، التى ترفضها نظرياً وتستغلها عملياً للوصول إلى السلطة.

اللعبة كانت بسيطة.. احتوت واشنطن «العفريت الإخوانى» وأدارته باعتباره «التيار المعتدل»، واستخدمته لخلخلة الأنظمة المستقرة التى تشكل تحدياً لطموحاتها - أو لأطماعها - فى المنطقة.

وبقيت المفارقة الساخرة الكامنة فى طبيعة هذا «العفريت»، فالإخوان لا يؤمنون بالولاء للحلفاء، بل للفكرة الأيديولوجية الشمولية التى تحكم الجماعة. كما بقى الشىء الوحيد «المعتدل» فى علاقتهم مع الغرب هو التكتيك، وليس المبدأ.

استخدم الإخوان الغرب، بقدر ما شعر الغرب أنه يستخدمهم، وعندما نجحوا فى الوصول للحكم فى مصر، فشلوا فى تقديم النموذج الديمقراطى الوديع، وكشفوا عن وجههم الحقيقى، بمحاولات الهيمنة على مؤسسات الدولة، وإقصاء بقية التيارات السياسية، مما دفع الشعب المصرى للثورة عليهم، وإسقاط «حكم المرشد»، وإعادة تشكيل المشهد بما يحفظ كيان الدولة الوطنية، والهوية الحضارية لمصر.

هنا بدأت رؤية أمريكا والغرب للجماعة الإرهابية فى التحول، وما كان «ربيعاً ديمقراطياً»، فى تقارير مراكز الأبحاث الغربية، تحول إلى حصاد مرير من الفوضى والدمار فى ليبيا وسوريا واليمن، وإلى صعود تنظيمات إرهابية أكثر تطرفاً مثل «داعش»، التى اختلفت مع جماعة الإخوان تكتيكياً، لكنها فى الأساس خرجت من رحم فكر التكفير الذى تغذيه أيديولوجية التأسلم السياسى المتشدد.

لقد أدرك صناع القرار الغربى، متأخرين، أن اللعب بالنار فى حقل بنزين الشرق الأوسط ليس فقط مدمراً للمنطقة، لكن شرارته قد تصل إلى عقر دارهم.

وهنا أتت «الحيرة الأمريكية» فى صيغتها الأكثر سخرية، فبعد عقود من السماح للجماعة الإرهابية بالعمل بحرية نسبية تحت مظلة «حرية التعبير» و«اللجوء السياسى» فى الولايات المتحدة وأوروبا، وبعد أن بنت شبكات تمويل ودعاية متشعبة، ها هم يرون النبتة الغريبة التى زرعوها تورق فى حديقتهم الخلفية.

وجاءت تصريحات سابقة لنائب الرئيس الأمريكى، جى دى فانس، لموقع «أنهيرد» البريطانى، كتعبير صريح عن هذه الحيرة التى بلغت مرحلة الذعر.
وللحديث بقية.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية