لماذا فشل الإخوان في إنتاج نقد ذاتي حقيقي؟

لماذا فشل الإخوان في إنتاج نقد ذاتي حقيقي؟

لماذا فشل الإخوان في إنتاج نقد ذاتي حقيقي؟


08/01/2026

تتفق غالبية الدراسات الرصينة حول الإسلام السياسي على أنّ جماعة الإخوان مرّت بأعمق أزمة في تاريخها الحديث من دون أن تنتج ما يوازيها من نقد ذاتي أو مراجعات فكرية وتنظيمية جادّة. وتشير دراسة صادرة عن "معهد كلينغنديل" الهولندي حول تحولات الإخوان بعد 2013 إلى أنّ التنظيم دخل حالة "ضياع انتقالي"، يتأرجح فيها بين خطاب المظلومية والإنكار، بدل تحويل الهزيمة إلى محطة لإعادة التأسيس. هذا العجز عن تحويل الصدمة إلى فرصة مراجعة، هو مفتاح تفسير استمرار إصرار الجماعة على خطابها القديم، رغم تبدّل الشروط المحلية والإقليمية جذرياً.

بنية تنظيمية تعادي النقد بطبيعتها

تكشف الدراسات التي تناولت البناء الداخلي للإخوان أنّ الحركة بُنيت على هرمية صلبة تقوم على "السمع والطاعة" واحتكار "الشرعية التاريخية" من نخبة ضيقة من القيادات. هذه البنية، كما يوضح تقرير لمركز أوروبي معني برصد الحركات المتطرفة، لا تنتج فضاءً يسمح بالنقاش الحر ولا تستوعب الاختلاف، بل تُفرز آلياً ثقافة تقديس القيادة وتجريم المراجعة بوصفها "تشكيكاً في المنهج" أو مدخلًا لاختراق أمني.

من هذه الزاوية، لا يبدو غريباً أنّ أيّ محاولة نقد ذاتي جاد من داخل التنظيم تُواجَه بالتخوين أو الإقصاء؛ إذ يتعامل الإخوان مع النقد باعتباره تهديداً لوجود الجماعة لا شرطًا لاستمراريتها. هكذا تحوّلت الآلة التنظيمية إلى ما يشبه جهازاً مغلقًا يُعيد إنتاج أخطائه، ثم يرفض الاعتراف بها.

جزء مهم من فشل المراجعة يرتبط باختيار من قيادة الجماعة بعد 2013: أولوية إنقاذ التنظيم لا إنقاذ الفكرة. تقرير سياسات صادر عن معهد أوروبي يرصد تحركات الإخوان في المنفى يُظهر أنّ الموارد والطاقات وُجّهت أساسًا للحفاظ على شبكات التمويل والكوادر في الخارج، بدل الاستثمار في ورش فكرية جادة تراجع مفاهيم الدولة، والسلطة، والعنف، والعلاقة بالمجتمع.

هذا الخيار جعل "البقاء التنظيمي" هدفاً في ذاته؛ فكل ما يهدد اللحمة الداخلية، بما في ذلك النقد، يُؤجَّل أو يُقمع تحت شعار "الوقت ليس مناسباً للمحاسبة، بل للصمود". عملياً، أدى هذا المنطق إلى إدامة حالة الإنكار، وإلى تثبيت القيادات ذاتها التي قادت التنظيم إلى أزمته، بوصفها المؤهلة أيضاً لإدارته "مرحلة ما بعد السقوط".

ذهنية المؤامرة والعدو الخارجي كآلية للهروب من الذات

تُظهر مراجعة خطاب الجماعة بعد 2013، كما ترصده تقارير مراكز أبحاث غربية وعربية، إصراراً لافتاً على تفسير كل ما جرى بوصفه "مؤامرة دولية" على الإسلام والحركات الإسلامية. هذه الذهنية، التي تقوم على ثنائية "نحن الضحية /هم المتآمرون"، تمنح التنظيم مهرباً نفسياً مريحاً من مواجهة الأسئلة الصعبة حول الأداء والسياسة والتحالفات والإدارة.

بدل الاعتراف بأخطاء فادحة في إدارة الدولة، والصدام مع مؤسساتها، وإقصاء الخصوم، جرى اختزال الأزمة في سردية "الانقلاب على الشرعية"، بما يخدم استمرار الشعور بالاستحقاق الأخلاقي لدى القواعد، ويُبقي صورة الجماعة بوصفها صاحب "المشروع النقي" المحاصر من الداخل والخارج. هنا تحديداً يتبدى الطابع اللاتاريخي لوعي التنظيم؛ فالإخوان يصرّون على رؤية أنفسهم كضحايا مطلقين، لا كفاعلين سياسيين يتحملون مسؤولية خياراتهم.

اللافت أنّ الانقسامات التي شهدتها الجماعة في السنوات الأخيرة لم تنتج مدارس فكرية متمايزة بقدر ما كرّست صراعاً على المراكز والشرعيات. توثّق دراسة عن تحولات الإخوان في مرحلة ما بعد "الربيع العربي" أنّ الجبهات المتنازعة (في الداخل والخارج) تركزت خلافاتها حول: من يمثل الجماعة؟ ومن يملك شرعية التوقيع والتفاوض؟ أكثر ممّا انشغلت بتأمل أسباب الفشل أو تقديم رؤى بديلة.

بمعنى آخر، دار الصراع في معظمه حول "من يحكم التنظيم؟" لا "كيف ينبغي أن يتغير التنظيم؟". لذلك ظلّ الهيكل العقائدي العام واحداً، وانحصر التغيير في الوجوه والخطاب التكتيكي، من دون المساس بجوهر الفكرة: مشروع حركة شمولية ترى نفسها مظلة للأمة، لا فاعلًا سياسيًا ضمن دولة وطنية حديثة.

مراجعات فردية في مواجهة جدار مؤسسي صلب

بالطبع، لا يخلو المشهد من أصوات إخوانية حاولت إنتاج نقد ذاتي حقيقي، سواء في شكل شهادات منشورة أو كتب تعترف بأخطاء عميقة في تصور الدولة والمجتمع والعنف. غير أنّ هذه المراجعات بقيت في الغالب مبادرات فردية بلا غطاء تنظيمي، تعاملت معها القيادة بصمت أو تهميش أو شيطنة لأصحابها، باعتبارهم "منساقين وراء دعاية الخصوم" أو "منهارين نفسياً" تحت وطأة الهزيمة.

الفارق بين هذه المحاولات وبين ما يمكن اعتباره مراجعة مؤسسية هو ما يجعل حصيلتها محدودة الأثر؛ فطالما لم تُترجم إلى وثائق رسمية، أو نقاشات داخلية مُلزِمة، أو تغييرات في اللوائح والهياكل، ستظل أقرب إلى شهادات "ندم" شخصية، لا إلى تحوّل عميق في مشروع الإسلام السياسي الإخواني.

​تأتي كل هذه العوامل في سياق إقليمي مواتٍ لخطاب الإخوان التبريري؛ فموجة الثورة المضادة، وتصاعد القبضة الأمنية في أكثر من بلد، وانخراط قوى إقليمية في تصفية نفوذ الإسلام السياسي، كلها وقائع حقيقية وثّقتها تقارير دولية عديدة. لكنّ الإخوان تعاملوا مع هذا السياق بوصفه "السبب الوحيد" لمأساتهم، لا كإطار موضوعي كان يتطلب قراءة أكثر حذراً وترشيداً للصراع، وتدرجاً في السعي للسلطة، ووعياً أعقد بموازين القوى.

بهذه الطريقة، تحوّلت ظروف القمع الفعلية إلى ذريعة إضافية لتعليق النقد، بدعوى أنّ الاعتراف بالأخطاء في ظلّ هذا المناخ "يخدم الأنظمة"، مع أنّ التجارب العالمية للحركات السياسية الكبرى تُظهر أنّ أشدّ المراجعات جذرية غالباً ما تولد في لحظات الهزيمة لا في أوقات الرخاء.

تُظهر قراءة المحصّلة العامة أنّ غياب النقد الذاتي عند الإخوان ليس حادثاً عابراً، بل هو تعبير عن أزمة بنية إيديولوجية وتنظيمية في آنٍ واحد. الدراسات التي تناولت مسار الجماعة منذ منتصف القرن العشرين تُشير إلى نمط متكرر: كل هزيمة تُقابَل بمزيد من الانغلاق والتمترس خلف الهوية، لا بمساءلة الأدوات والرؤى.

في هذا السياق، لا يبدو فشل المراجعة بعد 2013 مفاجئاً، بل هو استمرار لمنطق تاريخي يجعل التنظيم، في جوهره، أنّه كيان يقاوم الزمن بدل أن يتفاعل معه، ويُفضّل حماية صورته عن نفسه على مواجهة الحقيقة. من هنا، فإنّ أيّ حديث عن "تجديد" داخل الإخوان من دون تفكيك هذه البنية ـ بنية الطاعة، والعصمة التنظيمية، وسردية المؤامرة، وأولوية البقاء على حساب الحقيقة ـ لن يكون سوى إعادة تدوير للمأزق نفسه في عبارات أكثر نعومة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية