الإسلام السياسي والخطاب الغربي: شرعية البقاء على حساب الإنسان العربي

الإسلام السياسي والخطاب الغربي: شرعية البقاء على حساب الإنسان العربي

الإسلام السياسي والخطاب الغربي: شرعية البقاء على حساب الإنسان العربي


30/12/2025

غيث سليمان الدعجة

ثمة “تواطؤ صامت” تجري فصوله في العلن؛ بطله تيار أيديولوجي أدمن صيد الفرص في مياه أزماتنا العكرة، ومخرجه خطاب غربي يقتات على صور انكسارنا ليبرر أحكامه الجاهزة. في هذا المشهد المربك، لم يعد “الإسلام السياسي” مجرد مشروع سلطوي، بل تحول إلى “غطاء مثالي” يسمح للغرب بأن يرى منطقتنا من ثقب الإبرة، متجاهلاً شعوباً بأكملها ليركز عدسته فقط على نقاط ضعفنا. نحن اليوم أمام “خديعة كبرى”؛ حيث تجتهد هذه الحركات في التقاط الأنفاس السياسية للمنطقة لتعيد تدويرها كصراخ أيديولوجي يدّعي تمثيل مليار مسلم، بينما يجد الغرب في هذا الضجيج مادة دسمة لترسيخ صورة نمطية تختزلنا في نماذج متطرفة.

هذا الاختزال المتبادل ليس مجرد خطأ عابر، بل هو عملية “تغييب متعمد” للتنوع الفكري العربي، حيث يُستخدم الدين لدى تلك الحركات كأداة سلطوية تقتات على جراح الشارع، بينما يُستخدم في الخارج كـ “شماعة” لتبرير التهميش، مما يُبقي الإنسان العربي ضحية لمرتين: مرة لاستغلال الداخل، ومرة لتنميط الخارج.

إن هزيمة 1967 لم تكن مجرد نكسة حدود أو انكسار جيوش، بل كانت “ساعة صفر” انقضّت فيها حركات الإسلام السياسي على وجدان الشارع المصدوم. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان العقل العربي يحاول لملمة شتات انكساره أمام فشل المشاريع الوطنية، لم يأتِ الإسلاميون بمشروع إنقاذ، بل جاءوا بـ”صيدٍ أيديولوجي” استهدف تحويل العجز السياسي إلى تهمة أخلاقية، مروجين لسراب العودة إلى الماضي كمهرب وحيد من جحيم الحاضر. هذا “الانكفاء” الذي هندسه الإسلاميون في الداخل، التقطه الغرب بانتهازية لا تقل عنها بشاعة؛ فبدلاً من تحليل الهزيمة كأزمة موازين قوى وتقنيات، سارع الخطاب الغربي إلى تسويق الصعود “الإسلاموي” اللاحق كدليل دامغ على أن هذا الشرق مسكون بـ”عطالة حضارية” تمنعه من دخول زمن الحداثة. النتيجة كانت ولادة سرديتين تخدم كل منهما الأخرى: واحدة تتاجر بالألم في الداخل لتُحكم قبضتها على الناس، وأخرى توظف هذا الألم في الخارج لترسيخ صورة “الإنسان المتخلف”.

في سياق التضليل يروج الخطاب الغربي لأسطورة “غياب التنوير” في منطقتنا كذريعة لتكريس تفوقه متناسياً أن أنوار نهضته لم تكن لتشتعل لولا المنجز العلمي والفلسفي الذي وضع حجر أساس العقلانية الحديثة

وفي سياق هذا التضليل، يروج الخطاب الغربي لأسطورة “غياب التنوير” في منطقتنا كذريعة لتكريس تفوقه، متناسياً عن عمد أن أنوار نهضته لم تكن لتشتعل لولا المنجز العلمي والفلسفي الإسلامي الذي وضع حجر الأساس للعقلانية الحديثة. أما الزعم بأن تأخرنا كان نتاجاً لجمود اللغة، فهو قلب مذهل للحقائق؛ فجماليات اللغة العربية واتصال حروفها الفني، الذي يمثل ذروة “الترف البصري”، كان تحدياً ميكانيكياً مادياً أعجز المطابع الغربية الأوائل عن مجاراته، ولم يكن يوماً عائقاً فكرياً أمام العقل.

هذا “الفراغ التقني” المؤقت، استغله الإسلاميون بانتهازية فجة؛ فبدلاً من معالجة أسباب الفجوة المادية، سارعوا لتبرير التأخر بـ “البعد عن الدين”، وصبّوا جام غضبهم على “الدولة الوطنية” الحديثة بوصفها كياناً هجيناً سبب لنا الانكسار. وقد بلغت هذه المقامرة السياسية ذروتها مع “الثورة الإيرانية” التي صدّرت نموذجاً لسيادة الأيديولوجيا، مما خلق زلزالاً ارتدت شظاياه على كامل المنطقة، ودفع بالجميع نحو نفق “تسييس التدين” المظلم.

إن الحقيقة التي يخشى الكثيرون مواجهتها هي أن تنظيم “داعش” لم يولد من العدم، بل كان “الابن العاق” لمقامرة سياسية كبرى خاضتها تيارات الإسلام السياسي. ففي ذروة توهمها بالقدرة على اختطاف عواصم عربية برمتها، سعت تلك التيارات إلى إنشاء أذرع مسلحة وميليشيات عقائدية ظناً منها أنها تملك “جهاز تحكم” في العنف يوصلها إلى كراسي الحكم. لقد استغلت هذه الحركات وجود أنظمة قمعية لتشرعن خطابها الظلامي وتستقطب الغاضبين، لكن السحر انقلب على الساحر؛ فخرج من معطفها وحش كاسر لا يمكن السيطرة عليه، حوّل “وهم التمكين” إلى جحيم مستعر. والمفارقة المأساوية أن الغرب لم ينظر إلى هذا المسخ بوصفه فشلاً سياسياً، بل نظر إليه بـ”عين النجاح”؛ إذ وجد فيه “الدليل الحسي” الذي طالما بحث عنه لتأكيد سرديته الاستعلائية حول الإسلام.

لقد غضّ الغرب الطرف عن جذور اللعبة السياسية، واكتفى بالتقاط صور التوحش ليلفق التهمة للدين السمح، موظفاً هذا “الابن العاق” كشاهد إثبات ضد حضارة بأكملها، لتبدو النتيجة وكأنها انتصار للمنطق الغربي الذي لا يرى فينا إلا مشروعاً دائماً للتطرف.

إن الطريق لفهم المنطقة لا يمر عبر تدوير الصور النمطية، بل عبر الشجاعة في تفكيكها. لقد آن الأوان لتجاوز “زيف الخطاب” الذي اختزله جورج بوش الابن يوماً في مقولته الشهيرة: “إنهم يكرهوننا بسبب حرياتنا”؛ فهذه العبارة لا تكتفي بتغييب الحقيقة، بل تقلبها رأساً على عقب. الحقيقة التي يلمسها أبناء المنطقة هي أن الشعوب لا تكره قيم الحرية، بل تكره تلك “الازدواجية” التي حرصت على حرمانهم من هذه الحريات عبر عقود من دعم أنظمة صادرت كرامة الإنسان.

إن معارضتنا الشرسة لـ “الإسلام السياسي” ليست موقفاً أيديولوجياً مضاداً، بل هي في جوهرها إيمان عميق بقدسية الدين وتنزيهه عن وحل المناورات السلطوية، ودفاع عن “الدولة الوطنية” كوعاء وحيد للعيش المشترك. إن التمييز المعرفي بين الإسلام كإرث حضاري وروحي، وبين توظيفه كأداة للمقامرة السياسية، هو ضرورة أخلاقية وأمنية؛ فبدونه سيظل “الإنسان المسلم” في هذا المشهد ضحية لمرتين: مرة لانتهازية الداخل التي تخطف صوته، ومرة لسياسات الخارج التي لا تريد أن تراه إلا من خلال عدسات التشويه.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية