مآلات الإسلاموية في 2026 وما بعدها: موت الوظيفة السياسية والمواجهة الأخيرة على المعنى والرمز

مآلات الإسلاموية في 2026 وما بعدها: موت الوظيفة السياسية والمواجهة الأخيرة على المعنى والرمز

مآلات الإسلاموية في 2026 وما بعدها: موت الوظيفة السياسية والمواجهة الأخيرة على المعنى والرمز


مستشار شؤون الإسلام السياسي بتريندز للبحوث والاستشارات
23/12/2025

تكشف الإجراءات المتخذة في الأردن والولايات المتحدة وفرنسا عن دخول الإسلاموية طوراً جديداً من الأفول، إذ ستستمر الجماعة في فقدان القدرة على العمل السياسي الفعال وعلى الحفاظ على حاضنتها الجغرافية والتنظيمية، وهو ما سيؤدي إلى تسارع تفكك بنيتها الحركية التقليدية، ويفقدها القدرة أكثر من أيّ وقت مضى على لعب دور جيوسياسي فعال، سواء بوصفها أداة للقوى الغربية أو الإقليمية. فمع تراجع جدواها السياسية والتنظيمية وتقلص قدرتها على التأثير المجتمعي وتزايد كلفة توظيفها مقارنة بمردودها الفعلي، يتحول مسارها نحو إعادة تشكيل وظائفها الأساسية، إذ تنتقل من التركيز للاستيلاء على السلطة إلى التركيز على مواصلة إنتاج المعنى والتأثير الرمزي والمعرفي داخل المجال العام.

ويتزامن هذا التحول السياسي مع سياق أوسع يشهده عصر الرقمنة، الذي أعاد تشكيل الممارسات الدينية وأشكال التدين على نحو عميق. فقد وسعت التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي مجال الوصول إلى المعرفة والممارسات الدينية بصورة غير مسبوقة، لكنّها في الوقت نفسه أفسحت المجال أمام تعدد السرديات وتزاحمها وتناقضها أحياناً، وهو ما أعاد صياغة العلاقة بالدين وبالفاعلين الدينيين، وعمّق انتقال الإسلاموية من مشروع يستند إلى السلطة السياسية إلى ظاهرة تتصارع داخل فضاء المعنى وإنتاج الرموز.

ولم تعد الأفكار الإسلاموية، ومعها الخطابات المتعاطفة، حبيسة كتب المُنظّرين أو صفحات الدراسات الأكاديمية، بل باتت تتسرب اليوم عبر الخوارزميات ومحركات البحث وحتى في النصوص التي تنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فهذه النماذج ليست سوى مرايا تعكس ما تُزوّد به من بيانات؛ وإذا كانت البيانات مشبعة بسرديات الإسلاموية المهيمنة في الفضاءات الرقمية، فإنّ النتيجة الحتمية هي إعادة إنتاج تلك السرديات والترويج لها، وهو ما يفتح معركة جديدة تتجاوز السياسة إلى صراع على الوعي وتشكيل المعرفة.

طور موت الإسلاموية

ويعبّر هذا التحول عن دخول الظاهرة في ما يمكن تسميته بطور موت الإسلاموية Nécro-Islamisme، حيث لا تموت الحركات الإسلاموية مادياً على المديين القصير والمتوسط، لكنّها تفقد وظيفتها السياسية وتتراجع إلى مستوى الظاهرة الرمزية التي تسعى إلى احتكار التأويل الديني وإعادة هندسة القيم والمعاني وفق منظورها الإيديولوجي. وهكذا يتحول الخطر من سياسي مباشر إلى خطر معرفي ورمزي يمسّ الشرعية الدينية ورأس المال المجتمعي.

وفي السياق نفسه، يمثل وصول الشرع "الجولاني" إلى حكم سوريا بتوافق دولي شكلاً آخر من أشكال موت الإسلاموية، ولكن بطريقة مغايرة؛ إذ تتكشف الفجوة بوضوح عند مقارنة خطابات ما قبل الوصول بخطابات ما بعد الوصول، في تعرية حقيقة الإسلاموية التي تتلخص في مقولة: "أينما وجدت السلطة، فثمّ شرع الله". وهذا يكشف انتقال الحركة من موقع المعارضة الدينية إلى موقع إعادة إنتاج السلطة، وفقدان خطابها قيمته التعبوية.

أمّا فيما يتعلق بالإسلام السياسي الشيعي، فإنّ أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) كشفت عن تحول استراتيجي عميق في بنية النفوذ الإقليمي لإيران، إذ أدت إلى إضعاف الامتدادات الطرفية لطهران في لبنان وسوريا واليمن، وتعرية محدودية قدرة وكلائها على المناورة أو الحفاظ على الوظيفة الجيوسياسية التي قاموا بها لسنوات. ومع هذا الضعف البنيوي المتسارع، يبدو أنّ الإسلاموية الشيعية تدخل طوراً خاصاً من الأفول الوظيفي، حيث لم يعد خطاب المقاومة قادراً على تغطية واقع الاستنزاف والشلل.

وتتجلى المفارقة في أنّ هذا التحول جاء بفعل تداعيات عملية حماس؛ فبدل أن تعيد العملية تشكيل معادلة القوة لصالح محور الإسلاموية السنّية والشيعية، أسهمت في كشف هشاشتهما وأظهرت المسافة الكبيرة بين الخطاب والقدرة الفعلية على إنتاج القوة. ومع ذلك ينبغي التأكيد أنّ الانكشاف البنيوي كان سابقاً للحدث ومتراكماً، وأنّ 7 تشرين الأول (أكتوبر) كان لحظة كشف أكثر منه لحظة إنشاء.

وفي المقابل، تبدو الإسلاموية السنّية كأنّها استُهلكت هي الأخرى، لكن بطريقة مختلفة؛ إذ إنّ الاستخدام السياسي المفرط من جانب القوى الداعمة لها، وعلى رأسها تركيا وقطر وإيران، أدى إلى استنزاف رصيدها الاجتماعي وإضعاف خطابها وتآكل قدرتها التعبوية. وقد جرى توظيف الإسلاموية السنّية بشكل مكثف في صراعات النفوذ بعد 2011، حتى تآكلت وظيفتها وباتت عاجزة تنتظر نهايتها.

أفول وظيفي

تتجمع هذه المعطيات لتشير إلى أنّ الإسلاموية بنسختيها السنّية والشيعية تسيران  نحو مصير واحد يتمثل في أفول الوظيفة السياسية وتراجع القدرة الجيوسياسية وانحسار الجاذبية الاجتماعية. ويأتي هذا الأفول في لحظة تاريخية يتزامن فيها تحول آخر مهم، يتمثل في أنّ العالم العربي يبدو، للمرة الأولى منذ عقود، مقبلاً على فرصة لإعادة ضبط مشكلاته المزمنة، مع تزايد فرص تسوية النزاعات التي شكلت سمة مركزية منذ 1979، على الرغم من استمرار بعض الحالات مثل الحالة السودانية. وهذا يفتح المجال لإمكانية نشوء وستفاليا عربية قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والنأي بالدين عن الصراعات السياسية، بما يسمح بتحقيق حوجزة إيجابية تحمي الدول العربية من انتقال الأزمات عبر الحدود وتتيح لكل دولة التفرغ للنماء والازدهار.

وقد يتلاقى هذا المسار مع فرضية إضافية، وهي أنّ الصين، كي تتمكن من أداء دورها الكامل كقوة عظمى في العقدين القادمين، قد تجد نفسها مضطرة إلى العبور عبر العالم العربي كرافعة استراتيجية لنفوذها، تماماً كما عبرت الولايات المتحدة عبر أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. غير أنّ الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة المشروع؛ فبينما ركّز مشروع مارشال الأمريكي على إعادة الإعمار الاقتصادي، يتركز المشروع الصيني المحتمل على الإسهام في تأسيس وستفاليا عربية تعيد ترتيب الاستقرار الإقليمي وتتيح للصين بيئة أكثر ملاءمة لتعزيز حضورها الدولي.

وعليه، فإنّ أفول الإسلاموية لا يمثّل مجرد نهاية دورة تاريخية، بل يشكّل لحظة تأسيسية لمرحلة جديدة تتقدّم فيها الدولة الوطنية العربية بوصفها الإطار الشرعي والفعّال لإدارة المجتمع وصون الاستقرار وبناء المستقبل، في مقابل تراجع كل الأطر الإيديولوجية العابرة للحدود التي فقدت قدرتها على التأثير والتمثيل.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية