حصاد العام (2025): عندما يصل سقف العبث والسريالية إلى حدود الانفجار

حصاد العام (2025): عندما يصل سقف العبث والسريالية إلى حدود الانفجار

حصاد العام (2025): عندما يصل سقف العبث والسريالية إلى حدود الانفجار


21/12/2025

 

على الصعيد الشخصي، كانت سنة حافلة بالنجاحات المهنية والعائلية، ممّا يجعلني أنظر إليها بامتنان كبير. ولكن على المستوى العام يمكن القول إنّ العالم اقترب من ذروة غير مسبوقة من العبث، في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى حد يجعل مختصين في مجالات فنية كالفن التشكيلي والجرافيكس "وأنا منهم" عاجزين أحياناً عن التمييز بين الصور ومقاطع الفيديو الحقيقية وتلك المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي.

هذا المشهد السريالي تمدّد ليطال مختلف المجالات، وهو ما يبعث على قدر كبير من القلق، خصوصاً مع انعكاساته العميقة على مجالات عملي في حقل الإعلام. ورغم تأثره، يبقى الأقلّ تضرراً، وما يزال الفن التشكيلي قادراً نسبياً على كشف هذا الخداع. أمّا مجال الكتابة، وخاصةً الكتابة الإبداعية، فتبدو الخاسر الأكبر، إذ تواجه خطر التزوير الكامل دون ترك أثر، في ظل حضور هذا الكيان التقني المتوحش.

وتقترب منصات التواصل الاجتماعي بدورها من سقف العبث الأعلى، لتتحول إلى سيرك واسع، أصبح فيه معظم المستخدمين إعلاميين وكتّاب رأي ومحللين سياسيين ونقاداً فنيين في آنٍ واحد. وتضاعف في المقابل عدد الصفحات المتخصصة في نشر أخبار وتصريحات مفبركة للمشاهير، وتضاعف أيضاً عدد متابعيها، الذين باتوا ـ للأسف ـ يتعاملون معها بوصفها بديلاً لمجلات الفن التي شكّلت مرجعاً لجيلنا، مثل: الموعد والكواكب وغيرها.

تكمن مشكلتي مع العام 2025، باختصار وبأسلوب مبسّط، في اختلاط الصالح بالطالح إلى حدّ تلاشي الفوارق، بفعل التسارع اللافت في تطور الذكاء الاصطناعي وتوحّش منصات التواصل الاجتماعي.

أعتقد أنّ ازدياد منسوب هذا الجنون ليس سوى مؤشر على اقتراب نهايته. فكلما بلغ المشهد ذروة سرياليته، بات الانفجار حتمياً، وإن ظلّت ملامحه مجهولة. وقد يشهد العام 2026 مزيداً من الفوضى واللّايقين، قبل أن تفرض لحظة انفجار فاصلة نفسها، ليعاد بعدها ترتيب المشهد، وتنظيم عمل منصات التواصل الاجتماعي واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بعودة قدر نسبي من الاتزان والسلام إلى عقولنا وأرواحنا.

في سياقٍ موازٍ، تصدّرت المظهرية وثقافة الاستعراض المشهد العام بوصفهما انعكاساً مباشراً لحالة الفوضى الاجتماعية وفقدان المعايير. ومع هذا العبث المتنامي برزت ظاهرة استهلاكية مشوّهة، يمكن توصيفها كعرضٍ اجتماعي طارئ، تتمثل في الإصرار على اقتناء واستخدام منتجات تحمل أسماء علامات تجارية عالمية مقلَّدة ببدائية فجة، مع التمسك بتقديمها بوصفها أصلية، في مشهد يثير الدهشة أكثر ممّا يلفت الانتباه.

ولا تكمن الإشكالية هنا في التلوث البصري وحده، على فداحته، بل في اتساع نطاق هذه الظاهرة وانتقالها إلى شرائح اجتماعية محدودة الدخل، بما تكشفه من اختلالات طبقية عميقة وفراغ داخلي وانعدام واضح للثقة بالذات. فالقضية تتجاوز الذوق إلى محاولة تعويض رمزي عن شعور بالنقص، عبر التماهي القسري مع صورة زائفة للرقي الاجتماعي.

ومن المهم التأكيد على أنّ القيمة لا تكمن في العلامة التجارية بحد ذاتها، بل في الوعي والاختيار الحر؛ إذ يمكن الجمع بين اقتناء منتجات راقية وأخرى بلا اسم تجاري لمجرد الإعجاب بتصميمها، دون أن يرتبط ذلك بأيّ شعور بالدونية أو الحاجة إلى إثبات الذات. أمّا عن أسباب تفشي هذه الظاهرة، فيمكن ردّها إلى تأثير نماذج عامة زائفة، تروّج لفكرة أنّ المبالغة في استهلاك العلامات الباهظة تعبير عن الرقي، بينما هي في جوهرها تعكس سطحية ثقافية وفراغاً فكرياً أكثر ممّا تعكس أناقة أو مكانة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية