ما بعد "القرار الأمريكي"... كيف أعادت أوروبا رسم خريطة التعامل مع "الإخوان" وشبكاتهم العنكبوتية؟

ما بعد "القرار الأمريكي"... كيف أعادت أوروبا رسم خريطة التعامل مع "الإخوان" وشبكاتهم العنكبوتية؟

ما بعد "القرار الأمريكي"... كيف أعادت أوروبا رسم خريطة التعامل مع "الإخوان" وشبكاتهم العنكبوتية؟


04/12/2025

 

تكشف دراسة حديثة صادرة عن "المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات" (ECCI) عن تحولات جوهرية في المشهد الأمني والسياسي الأوروبي تجاه جماعات الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين. وتوضح الدراسة أنّ القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصنيف الجماعة منظمة إرهابية، لم يكن مجرد إجراء إداري أمريكي داخلي، بل شكّل لحظة "كاشفة" ومحطة مفصلية امتدت ارتداداتها لتضرب عمق القارة العجوز.

ورغم أنّ السياقات القانونية والسياسية في أوروبا تختلف جذرياً عنها في الولايات المتحدة، فإنّ الدراسة تؤكد أنّ القرار الأمريكي وفّر قوة دفع غير مسبوقة للنقاشات الأوروبية الكامنة منذ عام 2016 حول إشكاليات الاندماج، والأمن القومي، ومخاطر "التطرف غير العنيف". لقد أعاد هذا الحدث تسليط الضوء على "المنطقة الرمادية" التي تنشط فيها الجماعة، دافعاً العواصم الأوروبية لإعادة قراءة الوثائق الاستخباراتية المتراكمة منذ عقد، التي لطالما حذّرت من أنّ الإخوان في الغرب ليسوا مجرد تنظيم كلاسيكي، بل شبكة معقدة من المصالح والنفوذ تتغلغل في نسيج المجتمعات الديمقراطية.

أوهام "الهيكل التنظيمي"... استراتيجية الشبكة المرنة

تفكك الدراسة واحدة من أهم المعضلات التي واجهت أجهزة الأمن الغربية لسنوات، وهي البحث عن "رأس الأفعى" أو القيادة المركزية. وتشير الدراسة بوضوح إلى أنّ الجماعة في الغرب طوّرت نموذجاً تنظيمياً فريداً يتجاوز الهياكل الهرمية التقليدية المعروفة في المشرق العربي. فبدلاً من الاعتماد على "مكتب إرشاد" مركزي أو جهاز تنفيذي موحد يصدر الأوامر، تعتمد الجماعة في أوروبا والولايات المتحدة على نموذج "الشبكات المرنة" (Flexible Networks).

وتستند الدراسة في هذا التحليل إلى مراجعات الحكومة البريطانية لعام 2015، التي خلصت إلى عدم وجود أدلة مادية على قيادة دولية موحدة تدير الفروع الغربية عبر الهاتف. وبدلاً من ذلك تعمل هذه المنظومة عبر "وحدة المرجعية الفكرية" المستمدة من أدبيات التأسيس (سيد قطب)، وفقه الحركة (يوسف القرضاوي)، متحدةً حول هدف استراتيجي واحد هو "التمكين الاجتماعي".

وتدعم وثائق الاستخبارات الفرنسية، وتحديداً تقرير جهاز الأمن الداخلي (DGSI) لعام 2018، هذا الطرح، مؤكدة أنّ الجماعة تعمل كـ "نظام عابر للحدود"، يعتمد على تبادل الخبرات، وتدوير الكوادر، وتنسيق الأنشطة التعليمية والدعوية، دون الحاجة لتعليمات مركزية. هذا النموذج "اللّامركزي" يمنح الجماعة مرونة هائلة في المناورة، ويجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية توجيه ضربة قاضية لها بقرار حظر واحد، حيث تتلاشى الحدود التنظيمية لصالح الروابط الفكرية.

التمويه المؤسسي: واجهات قانونية لخدمة مشروع إيديولوجي

تنتقل الدراسة إلى تحليل الأدوات التي تستخدمها الجماعة لتنفيذ أجندتها، مشيرة إلى استراتيجية "الواجهات القانونية". ويعتمد هذا التكتيك على تأسيس عشرات الجمعيات والمراكز التي تبدو في ظاهرها مستقلة قانونياً وإدارياً، وتعمل في مجالات متنوعة (خيرية، حقوقية، ثقافية، دينية)، لكنّها في الباطن تشكّل أجزاءً من لوحة فسيفسائية واحدة تخدم مشروع الجماعة.

وتستعرض الدراسة، استناداً لوثائق برلمانية أوروبية، أمثلة حيّة على هذا التكتيك:

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: تصفه الدراسة، بناءً على تحليلات البرلمان الفرنسي لعام 2020، بأنّه "المايسترو" الذي يضبط الإيقاع الفقهي والشرعي لشبكات الإسلام السياسي في أوروبا، موفراً الغطاء الديني لتحركات الجماعة السياسية.

اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE): وفقاً لهيئة حماية الدستور الألمانية، يُعدّ هذا الاتحاد "الإطار المظلي" الأكبر، ويقوم بدور التنسيق والتدريب وتوحيد الخطاب بين مئات المراكز المحلية، لضمان عدم الخروج عن السردية الإخوانية.

رابطة مسلمي بريطانيا (MAB): تُظهر تقارير لجنة الشؤون الخارجية البريطانية أنّ هذه الرابطة، رغم استقلالها القانوني، ترتبط عضوياً وتاريخياً بالجماعة، وتعمل كذراع سياسية ومجتمعية لها.

وتلفت الدراسة إلى أنّ هذا النموذج ليس حكراً على أوروبا، بل هو مستنسخ في الولايات المتحدة عبر كيانات مثل "مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية" (CAIR) و"الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية" (ISNA)، التي تشترك مع نظيراتها الأوروبية في "الحمض النووي الفكري"، رغم نفيها المستمر لأيّ صلات تنظيمية، وهو ما أكدته تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومؤسسة "راند".

العلاقات العابرة للأطلسي: تنسيق بلا قيادة

تؤكد الدراسة أنّ الأدبيات الأمنية الأوروبية الحديثة، ومنها تقرير الاستخبارات الألمانية لعام 2022، توصلت إلى قناعة بأنّ الروابط بين "إخوان أوروبا" و"إخوان أمريكا" ليست روابط تنظيمية بالمعنى التقليدي، بل هي روابط "تفاعلية". وتتجسد هذه الروابط في المؤتمرات المشتركة، والتمويل المتبادل للمشاريع، والدعم الإعلامي والحقوقي عند الأزمات.

ووفقاً لتحليل "معهد الابتكار السياسي" الفرنسي لعام 2023، فإنّ هذه الطبيعة الشبكية تتيح للجماعة التكيف مع القوانين المختلفة لكل دولة. فما هو محظور في باريس قد يكون متاحاً في برلين أو لندن، ممّا يسمح للجماعة بنقل ثقلها وأنشطتها من دولة إلى أخرى بسلاسة، مستفيدة من الحريات الديمقراطية ومنطقة "شنغن" المفتوحة، وهو ما يجعل المواجهة الأمنية معها معقدة وتتطلب تعاوناً دولياً وثيقاً.

ما بعد الصدمة: الاستنفار الأمني والمالي ( 2023ـ 2025)

ترى الدراسة أنّ القرار الأمريكي في عهد ترامب كان بمثابة "جرس إنذار" أيقظ الأجهزة الأمنية الأوروبية من سباتها النسبي. وتشير الدراسة إلى أنّ الفترة ما بين 2023 و2025 شهدت تحولاً نوعياً في المقاربة الأمنية، انتقل من الرصد السلبي إلى التدقيق النشط، خاصة في ملف التمويل.

ففي ألمانيا، كثفت الأجهزة الأمنية رقابتها على التدفقات المالية الرقمية، وبدأت في تتبع مسارات الأموال التي تربط الجمعيات الأوروبية بجهات مانحة في الخارج أو بكيانات في الولايات المتحدة. وفي فرنسا، أدى تقرير وزارة الداخلية في أيار (مايو) 2025 إلى مراجعة شاملة لبرامج إعداد الأئمة، وتشديد الرقابة على المنصات الرقمية التي تبث خطاباً دينياً متشدداً. وانضمت بلجيكا إلى هذا المسار عبر إعادة تصنيف جمعيات كانت تُعتبر سابقاً "شريكة" في العمل الاجتماعي، لتصبح تحت مجهر الرقابة بسبب خلفياتها الفكرية.

العزلة السياسية وتجفيف المنابع

توضح الدراسة أنّ الآثار لم تقف عند الحدود الأمنية، بل امتدت لتشمل الشق السياسي والمالي، فقد تسبب تداول التقارير الأمنية والربط المستمر بين هذه الجمعيات وبين تصنيف الإرهاب الأمريكي في "إحراج سياسي" للأحزاب الأوروبية.

وتشير الدراسة إلى أنّ أحزاب اليسار والوسط، التي كانت تاريخياً أكثر انفتاحاً على التعاون مع منظمات الإسلام السياسي باعتبارها ممثلة للجاليات، بدأت في النأي بنفسها عن هذه العلاقات. لقد أصبح الظهور مع قيادات محسوبة على الإخوان "كلفة سياسية باهظة"، قد تستغلها أحزاب اليمين المتطرف في المعارك الانتخابية.

هذا الحذر السياسي واكبه تراجع ملحوظ في فرص التمويل الحكومي، فبين 2020 و2025 شهدت أوروبا موجة من التشريعات والإجراءات الإدارية التي فرضت معايير شفافية صارمة، ممّا أدى إلى تعطيل شراكات ممولة من الدولة، وتجميد منح كانت تُقدم لمراكز ثقافية واجتماعية تابعة للجماعة، بعدما اعتبرت الحكومات الأوروبية أنّ القرار الأمريكي فرصة سانحة لإعادة ضبط "صنبور التمويل".

لماذا لا يتم الحظر الشامل؟ استراتيجية "الاحتواء" بدلاً من "الاستئصال"

تطرح الدراسة سؤالاً محورياً: لماذا لا تحظر أوروبا الجماعة وتنهي الجدل؟ وتجيب إنّ المعوقات القانونية والسياسية تحول دون ذلك في المدى المنظور. فالقوانين الأوروبية تشترط أدلة دامغة على التورط المباشر في العنف لإصدار قرارات حظر، وهو ما تحرص الجماعة على تجنبه عبر تبنّي خطاب "نبذ العنف" علناً.

كما أنّ بعض الدوائر السياسية تخشى من أن يؤدي الحظر الشامل إلى خلق "فراغ" في تمثيل المسلمين، قد تملؤه تنظيمات أكثر راديكالية وسرّية مثل "داعش" أو "القاعدة"، لذلك، وبدلاً من الحظر، تتجه أوروبا نحو استراتيجية "الخنق البطيء" أو التنظيم الصارم.

 مستقبل غائم ومسارات ضيقة

تخلص الدراسة الصادرة عن المركز الأوروبي إلى أنّ قرار إدارة ترامب، وإن بدا حدثاً من الماضي، إلا أنّه أسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين الغرب والإخوان. لم يعد الإخوان يُنظر إليهم كـ "حائط صدّ" ضد التطرف، بل كجزء من المشكلة.

وترجّح الدراسة أن تتجه أوروبا مستقبلاً نحو مقاربة "مزدوجة": الأولى أمنية تعتمد على الرقابة المالية الصارمة وتفكيك الشبكات، والثانية مجتمعية وقائية تهدف إلى خلق "بدائل دينية محلية". وتسعى الحكومات الأوروبية حالياً لتطوير برامج لتأهيل أئمة محليين يتشبعون بالقيم الأوروبية، وسحب البساط من تحت أقدام تنظيمات الإسلام السياسي.

في المحصلة، تؤكد الدراسة أنّ مستقبل الجماعة في أوروبا بات محاصراً. فالمساحات الرمادية التي كانت تتحرك فيها بحرّية آخذة في التلاشي، والغطاء السياسي الذي كانت تتمتع به قد رُفع، وهو ما يضع الجماعة أمام خيارات وجودية صعبة في ظل بيئة دولية لم تعد تتقبل ازدواجية الخطاب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية