
شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا جذريًا في أدوات الدعاية الإخوانية مع انحسار نفوذ الجماعة في المجالين السياسي والإعلامي داخل الدول العربية، فاختفت القنوات الواجهة وتراجعت المنابر التي كانت تعمل من إسطنبول والدوحة بعد تضييق الخناق عليها، لتنتقل الجماعة نحو الفضاء الرقمي غير المنظم بوصفه الملاذ الأخير لإعادة إنتاج الحضور وتوجيه الخطاب.
هذا التحوّل لم يكن مجرد انتقال تقني بل استراتيجية جديدة بالكامل، تعتمد على بناء منصّات لا مرئية تتجاوز سلطة الدول وقوانينها، وتستفيد من طبيعة الإنترنت الحدودية التي تُتيح نشر المحتوى وتوجيهه دون الحاجة إلى بنية تقليدية أو هوية معلنة.
وبرزت خلال الأعوام الأخيرة ظاهرة يمكن وصفها بـ"المنابر الرقمية السوداء"، وهي شبكات إعلامية موزّعة لا تخضع لأي شكل من أشكال التنظيم أو الرقابة، وتعمل عبر غرف بث مغلقة، وحسابات مجهولة، وخوادم أجنبية، وأحيانًا عبر شركات واجهة لا ترتبط عدليًا بالتنظيم لكنها تخدم أهدافه الدعائية.
هذه المنابر ليست منصات صغيرة أو هامشية، بل أصبحت مركز الثقل الجديد للدعاية الإخوانية، خصوصًا بعدما فقد التنظيم أدواته العلنية وقدرته على العمل في المجال العام، فكان الحل في فضاء يتمتع بالسيولة والقدرة على الإفلات من السيطرة.
وقد جاء الاهتمام الدولي أخيرًا بعد صدور عدة أبحاث أوروبية رصدت تصاعدًا ملحوظًا في العمليات الدعائية الرقمية للجماعة، خاصة عبر منصات تلغرام ويوتيوب، واعتبرت أن الجماعة تبني "بنية إعلامية موازية" تتجاوز حدود الدولة وتعمل بمنطق الشبكات السرية.
هذه الدراسات منحت الموضوع مكانته التحليلية، وأكدت أن العالم العربي يشهد موجة جديدة من التأثير الإيديولوجي غير المرئي، تقوده جماعة فقدت حضورها الواقعي لكنها تسعى لتعويضه بقوة عبر الفضاء الإلكتروني.
من إعلام الهجرة إلى الإعلام اللامكاني
بدأت ملامح التحول الإعلامي لدى الإخوان منذ منتصف العقد الماضي، حين بدأت دول عربية عدة في تفكيك شبكات الإعلام المرتبطة بالتنظيم، سواء من خلال إغلاق القنوات الفضائية أو التضييق على مكاتب الإنتاج أو مراقبة التدفقات المالية.
ومع تراجع "إعلام الهجرة" — الذي كان يدار من إسطنبول ولندن والدوحة — وجدت الجماعة نفسها أمام فراغ إعلامي يهدد قدرتها على إدارة الخطاب والتحريض السياسي، فانتقلت تدريجيًا إلى إنشاء منصات لا تحمل هوية مباشرة، ولا ترتبط باسم الجماعة، لكنها تعمل لحسابها عبر محتوى موجه ومكثف يستهدف الجمهور العربي.
هذا الإعلام الجديد تحوّل إلى إعلام "لامكاني"، بمعنى أنه لا يتخذ من دولة معينة مقرًا، ولا يعتمد على مؤسسات لها وجود قانوني، بل يتم تشغيله من أماكن متفرقة عبر أفراد يعيشون في أوروبا أو تركيا أو حتى في شمال أفريقيا، مستخدمين شبكة من الخوادم الأجنبية ووسائل إخفاء الهوية.
وهكذا أصبح من الصعب على أي دولة تحديد مصدر المحتوى أو الجهة المسؤولة عنه، ما منح الجماعة مساحة واسعة للعمل بعيدًا عن الضغط والمساءلة، وأتاح لها إعادة بناء صورتها الدعائية دون أن تتحمّل كلفة الظهور العلني.
وتعتمد الجماعة في هذا النموذج الجديد على بنية موزعة، بحيث لا توجد منصة رئيسية يمكن ضربها أو إيقافها، بل عشرات الصفحات والقنوات الصغيرة التي تتكامل معًا لتشكل شبكة واحدة.
كل قناة لها قناة ظلّ، وكل صفحة لها شبكات إعادة نشر تعمل تلقائيًا، وكل مادة دعائية يمكن أن تنتشر في دقائق عبر بوتات مصممة خصيصًا لمضاعفة الوصول. وهذا النمط — المستورد من تجارب جماعات متطرفة وشبكات تضليل أجنبية — يجعل إعلام الإخوان أكثر مرونة من أي وقت مضى.
مصانع التضليل وصناعة الرواية البديلة
لم يعد الإعلام الإخواني يعتمد على الخطب الطويلة أو البرامج الحوارية التقليدية، بل تبنى بالكامل نموذج "المحتوى السريع والقصير" القادر على الانتشار في دقائق، وهو ما جعل الجماعة تبني غرف إنتاج صغيرة تشبه في عملها وحدات صناعة المحتوى لدى الأحزاب الغربية، لكنها تعمل في العلن بالنسبة لتلك الأحزاب وفي الخفاء بالنسبة للإخوان.
تقوم هذه الغرف بإنتاج فيديوهات قصيرة، وبرامج صوتية، ومقاطع تحليلية تُصوَّر في أماكن مجهولة، ثم تُوزّع عبر قنوات متعددة دون الإشارة إلى الجهة المنتجة.
في قلب هذه المنظومة يقف ما يمكن تسميته بـ"التضليل البنيوي"، وهو نموذج يستند إلى بناء رواية كاملة وموازية للأحداث، وليس مجرد تزييف معلومات أو ترويج شائعات.
يتم إعداد هذه الرواية مسبقًا وفق تصور واحد: أن الأنظمة العربية التي واجهت الإخوان فاسدة أو قمعية، وأن الجماعة هي الضحية التاريخية، وأن الشعوب تُعاني لأنها تخلّت عن "الشرعية" التي كان يمثلها التنظيم. هذه الخطوط العامة يتم إسقاطها على أي حدث سياسي أو اقتصادي في المنطقة، مع تحوير التفاصيل بما يخدم الفكرة الأساسية.
وتبرز خطورة هذه المنصات في قدرتها على التأثير في بلدان عديدة في وقت واحد، إذ يتم استهداف تونس بحملة، ومصر بأخرى، والسودان بثالثة، وذلك عبر محتوى يُصنَع بطريقة متقنة تعتمد على مشاهد مفبركة أحيانًا أو سياقات مبتورة أو شهادات مجهولة الهوية.
كما تستفيد الجماعة من أدوات الذكاء الاصطناعي لإخفاء مصادر الصوت والصورة، بما يجعل تحديد مصدر المقطع أمرًا بالغ الصعوبة. وهكذا تتحول هذه المصانع إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي العام وصناعة رأي بديل يمكن أن يؤثر في الانتخابات والاحتجاجات ويعيد تمكين الجماعة من الخلف.
التمويل الخفي وبناء اقتصاد إعلامي موازٍ
التوسع في المنابر الرقمية السوداء يحتاج إلى تمويل، وهو ما دفع الجماعة إلى خلق اقتصاد إعلامي موازٍ يعتمد على شبكات خارج الرقابة التقليدية.
أحد أهم مصادر هذا التمويل هو العملات المشفرة، حيث بدأت الجماعة تستخدم منصات مثل بيتكوين وإيثيريوم لنقل الأموال بين عناصرها دون المرور بالقنوات المصرفية. هذه الطريقة توفر درجة عالية من السرية، وتتيح للجماعة تمويل الحملات الرقمية، ودفع تكاليف الإنتاج والبث، واستئجار خوادم أجنبية دون ترك أثر واضح.
إلى جانب ذلك، تعتمد الجماعة على الإعلانات الرقمية المموّلة، إذ تشتري معرّفات أجنبية للوصول إلى جماهير واسعة، مستفيدة من ضعف مراقبة المحتوى العربي على المنصات العالمية.
كما تستفيد من شركات واجهة مقرّها في أوروبا، تتلقى تمويلات من جمعيات تُقدَّم على أنها "تنموية" أو "ثقافية"، لكنها تعمل فعليًا كغطاء لتمويل المحتوى السياسي. هذه الجمعيات تُستخدم تحديدًا في ألمانيا وبريطانيا وهولندا، وهي دول توجد فيها شبكات إخوانية قوية تاريخيًا.
وتخشى أجهزة الأمن في شمال أفريقيا من هذا النمط الجديد، لأنه يجعل الجماعة قادرة على التأثير في المشهد السياسي دون أن تمتلك حزبًا أو مكتبًا علنيًا أو قناة إعلامية رسمية.
فالرأي العام يُعاد تشكيله عبر محتوى غير قابل للتتبع، والاحتجاجات يمكن تغذيتها عبر حملة منظمة من الخارج، والانتخابات يمكن التأثير فيها عبر موجات تضليل تُقدَّم على أنها رأي مستقل أو تحليل إعلامي.
هذا التهديد يجعل المنابر الرقمية السوداء أخطر امتداد حديث لجماعة الإخوان منذ تأسيسها، لأنها تمنح التنظيم قدرة سياسية دون بنية سياسية، وسلاحًا دعائيًا دون أن يحمل تكلفة المواجهة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_10_2.jpg.webp?itok=IJzNphMU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

