غزة: طوابير الجائعين مشهد متكرر لمعاناة يومية

غزة: طوابير الجائعين مشهد متكرر لمعاناة يومية

غزة: طوابير الجائعين مشهد متكرر لمعاناة يومية


30/11/2025

على الرغم من الهدوء النسبي الذي أعقب الاتفاق الأخير في غزة، إلا أنّ المشهد الإنساني في الشوارع يروي حقيقة مغايرة تماماً، طوابير طويلة تمتد أمام نقاط توزيع الخبز والمساعدات، ووجوه مرهقة تبحث عن لقمة، وأصوات أطفال تتساءل بلا إجابة واضحة: متى سنأكل؟ 

وبات سكان غزة يدركون، مع الحروب الإسرائيلية المتكررة، أنّ الاتفاقات قد توقف القصف لساعات أو أيام، لكنّها لا توقف الجوع.

وتقول الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة: إنّه على الرغم من تخفيف إسرائيل بعض القيود المفروضة على دخول الطعام إلى قطاع غزة، إلا أنّها ما تزال تفرض عوائق وعراقيل كبيرة أمام القدرة على جمع المساعدات وتوزيعها.

وتقول المنظمات: إنّ المطلوب هو دخول (600) شاحنة محملة بالبضائع يومياً إلى غزة، حتى يتمكن الناس من تلبية احتياجاتهم الأساسية، ولكن حالياً لا يُسمح إلّا بدخول نصف هذا العدد.

وكان المكتب الإعلامي الحكومي بغزة قد قال: إنّ عدد الأطفال الذين توفوا بسبب سوء التغذية وصل إلى (69) طفلاً، وبلغ عدد الوفيات في صفوف الفلسطينيين بسبب نقص الغذاء والدواء إلى (620) شخصاً منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

وأشار إلى أنّ (650) ألف طفل معرّضون للموت بسبب سوء التغذية والجوع ونقص الغذاء، وتواجه نحو 60 ألف امرأة حامل خطراً حقيقيّاً بسبب انعدام الغذاء والرعاية الصحية اللازمة.

جوع يثقل حياة سكان غزة 

في حي الزيتون شرق مدينة غزة يقف المسنّ صدقي اشتيوي منذ ساعات الصباح الأولى في طابور طويل أمام تكية خيرية لتوزيع الطعام، وبيده وعاء فارغ، للحصول على ما يسدّ رمقه هو وعائلته.

يقول اشتيوي (56 عاماً): "لا يهمني اتفاق وقف إطلاق النار كثيراً ما دام أولادي ينامون جائعين، فالحرب لم تنتهِ بعد، واليوم حصلت على كمية قليلة من الطعام، وهذا بعد انتظار (6) ساعات." 

ويضيف: "نقف في الطوابير وقتاً أكثر ممّا نقضيه في بيوتنا، فالخوف قلّ قليلاً، لكنّ الجوع ازداد، ولم يعد لدينا ما نطبخه، ولا نملك النقود لشراء احتياجاتنا الملحة. منذ أسبوع لم نرَ الخضار ولا الفاكهة، والمساعدات تصل لكنّها قليلة جداً، والناس تتدافع، وأحياناً نعود بلا شيء." 

ويوضح: "أحياناً نأكل مرة واحدة في اليوم، وأحياناً نطبخ أيّ شيء متوفر، حتى لو كان عدساً بلا ملح، فالمهم أن يشعر أبنائي بالشبع، أمّا أنا وزوجتي، فيمكننا الصبر على الجوع أكثر منهم." 

ويؤكد اشتيوي: "أكثر ما يخيفني ويوجعني حاليّاً أفراد عائلتي، كيف سأطعمهم؟ وكيف سأشرح لهم أنّ الطعام غير موجود؟ أنا عشت حروباً كثيرة، ولكن لم أرَ الناس بهذا الجوع، الكبار يتحملون، لكنّ الصغار ما ذنبهم؟".

رحلة يومية للبحث عن لقمة البقاء

الشاب تامر المحلاوي (29 عاماً)، من حي الرمال وسط مدينة غزة، وقف (4) ساعات في طابور الخبز وهو يتفقد بعينيه إن كان التوزيع يكفي الجميع اليوم أم سيعود إلى عائلته خالي اليدين.

يقول المحلاوي الذي كان يعمل نجاراً مدة (10) ساعات يوميّاً قبل الحرب الأخيرة: "أتنقل بشكل يومي بين طوابير الخبز، والطعام، والمياه، والآن أقضي (10) ساعات أبحث عن وجبة طعام ومياه الشرب." 

 ويضيف: "الاتفاق خفف القصف، لكنّه لم يخفف الجوع، فما نحصل عليه من طعام يكفينا لوجبة واحدة فقط، وبعد المغرب نبدأ نبحث عن أيّ شيء يسدّ الرمق." 

ويوضح المحلاوي: "أصعب لحظة مررت بها حين عدت إلى أولادي خالي اليدين دون طعام، وكانوا حينها نائمين، فجلست أبكي بصمت." 

ويتابع: "في السابق كنّا نخاف الموت بالقصف، الآن نخاف الموت من الجوع، فوقف إطلاق النار جيد، لكنّه لم يصل إلى بطون الجائعين." 

ويؤكد المحلاوي: "أريد فقط يوماً واحداً لا أرى فيه طابوراً، ويوماً نستيقظ فيه ونجد الطعام في بيوتنا بدلاً من الوقوف في هذه الطوابير المهينة." 

انتظار الخبز

وتحت أشعة الشمس الحارقة تقف الفلسطينية شروق أحمد في طابور طويل للحصول على الخبز، وهي تحمل طفلها الرضيع الملفوف بقطعة قماش.

تقول شروق (32 عاماً): "كل يوم أنتظر خمس ساعات، وأحياناً أكثر، ولا أعود إلى بيتي قبل أن أتأكد من أنني لن أحصل على شيء، حينها فقط أستسلم." 

وتضيف: "أستيقظ يوميّاً على صوت الجوع، لا على صوت القصف، فوقف إطلاق النار منحني هدوءاً، لكنّه كشف حجم الحاجة، والآن لا نسمع الطائرات كثيراً، لكنّني أسمع صرخات أطفالي وهم يطلبون الطعام." 

وتوضح: "أكثر ما يؤلمني أن أرى ابني الرضيع يصارع كي يرضع شيئاً ليس موجوداً، فجسدي لم يعد ينتج الحليب بسبب الجوع." 

وتؤكد: "أكذب كثيراً على أطفالي، وأقول لهم إنّ الطعام سيأتي لاحقاً، أو أنني أكلت قبلهم كي يتناولوا حصتي، وأحياناً لا أعرف بماذا أجيبهم عندما لا يتوفر أيّ طعام، فأصعب شيء عندما تقف أمام طفلك بلا إجابة." 

تحوّل السلوك تحت وطأة الجوع

يرى الإخصائي الاجتماعي د. عاطف سالم أنّه "عندما يصبح الطعام نادراً، تتبدل أولويات المجتمع بالكامل، فالطابور يتحول إلى طقس يومي لأنّه بات الوسيلة الوحيدة لضمان البقاء، وهي علامة واضحة على انهيار المنظومة الاقتصادية والاجتماعية معاً." 

ويقول: "السكان في غزة قابلون للتأقلم مع الجوع، لكنّ هذا التأقلم قسري وليس طبيعيّاً، فالجوع يدفع الناس لتعديل سلوكهم، بغضّ النظر عن احتياجاتهم الثانوية، وتكريس طاقتهم للحصول على الحد الأدنى للبقاء." 

ويضيف: "الانتظار الطويل مع الخوف من الرجوع بلا طعام يخلق قلقاً مستمراً، فيشعر الإنسان بأنّه في سباق دائم ضد الجوع، وهذا يستنزف طاقته النفسية، ويضعه في حالة إجهاد قصوى." 

ويوضح سالم: "السكان بغزة، وتحديداً الأطفال، هم الأكثر تأثراً، لأنّ إحساسهم بالأمان يرتبط بوجود الطعام، فالجوع المتكرر يسبب فقدان الثقة بالمستقبل، ويؤدي إلى اضطرابات النوم، وانخفاض التركيز، وحتى حالات اكتئاب مبكر." 

وقد ارتكبت إسرائيل، بدعم أمريكي، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 68 ألف شهيد، وأكثر من 170ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية