النفايات تحيط بالخيام في غزة... والنازحون يدفعون الثمن

النفايات تحيط بالخيام في غزة... والنازحون يدفعون الثمن

النفايات تحيط بالخيام في غزة... والنازحون يدفعون الثمن


كاتب ومترجم فلسطيني‎
24/11/2025

يواجه النازحون في مختلف مناطق قطاع غزة أزمات متتالية، ولم يعد فصل الصيف والشتاء من أبرز الأزمات التي تواجه النازحين الذين يعيشون داخل خيام هشة، فقد انضاف إليها أكوام النفايات التي تحيط بمخيماتهم، والتي تشكّل أزمة خطيرة على النازحين الذين يعانون من انبعاث روائح كريهة وانتشار القوارض والجرذان، إلى جانب تفشي الأمراض الجلدية بين الأطفال، نتيجة الحشرات التي تنقل العدوى والأمراض.

وتُشكّل مكبّات النفايات العشوائية معضلة وتحديات بيئية وصحية كبيرة على المواطنين، فهناك أكثر من نصف مليون طن من النفايات تتكدّس داخل المناطق المأهولة بالنازحين في مدينة غزة ومحيطها، وتحاصر هذه النفايات المواطنين من كافة الاتجاهات، بعد رفض الاحتلال الإسرائيلي نقلها إلى المناطق المخصصة لها والبعيدة عن المناطق السكانية.

وحذّرت بلدية غزة ووكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" من تفشي الأمراض المُعدية، نتيجة تكدّس النفايات داخل مدينة غزة، ومنع الاحتلال الإسرائيلي ترحيلها إلى المكبّات الرئيسية شرق مدينة غزة، يضاف إلى ذلك تسرب مياه الصرف الصحي بين خيام النازحين، في مقابل ذلك أفادت بلدية غزة بوجود (170) ألف طن من النفايات داخل عمق المدينة، حيث لجأت البلدية إلى تجميع النفايات في المساحات الفارغة داخل الأحياء والمدن، نظراً لصعوبة الوصول إلى الأماكن المخصصة، عدا عن تدمير أكثر من 80% من آليات البلدية.

خيارات محدودة

وبعد عودة النازحين إلى مدينة غزة وجدوا بيوتهم قد دُمّرت بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، ونتيجة لذلك سارع المواطنون إلى إنشاء خيام في المساحات الفارغة، التي تستخدمها فرق النظافة لتجميع النفايات بسبب صعوبة توفير أماكن بديلة، حيث تحوّل كثير من المساحات إلى مخيمات تحيط بها مكاره صحية، وسط تجاهل الاحتلال لنداءات الاستغاثة التي يطلقها المواطنون والمؤسسات الحقوقية.

▶◀

 النازح ياسين محمود "لم يجد مكاناً يقيم عليه خيمته ليحمي عائلته من الشتاء والبرد، ومع ضيق الخيارات أمامه، نصب خيمة بالقرب من تجمع للنفايات في منطقة المقدسي غرب مدينة غزة، وعندما بدأ بزرع أوتاد خيمته، توافد عدد كبير من النازحين لإنشاء خيام بجانبه، ليتحول المكان غير المؤهل للعيش إلى مخيم يضم عشرات العائلات المشردة في بيئة غير آمنة."   

يقول في حديثه لـ (حفريات) والحسرة تملأ قلبه: لم "أتوقع في يوم من الأيام أن أعيش في مثل هذه الظروف التي لا يمكن للحيوانات أن تقبل بها، فلجأت إلى العيش في هذه الظروف لعدم توفر بديل أفضل، ولا أعلم كم سأقضي من عمري على هذه الحال، خاصة أنّ المعطيات لا تبشر بقرب إعمار غزة، في ظل استمرار الاحتلال في خروقاته والتوعد بالعودة إلى الحرب."  

ولفت إلى أنّه "يتمنّى الموت في كل لحظة يعيشها داخل الخيمة التي لا تقيه حرارة الصيف ولا برد الشتاء، فهو لا يطيق الجلوس داخل الخيمة خلال ساعات النهار، نتيجة الحرارة المرتفعة والذباب الذي يزعجه والروائح الكريهة المنبعثة من أكوام النفايات، بالإضافة إلى أنّ انتشار الجرذان والبعوض ليلاً يؤرّق نوم عائلته."  

حياة على الهامش

بجانب خيمة النازح محمود، أجبرت الأرملة أم باسل، وهي سيدة فقدت زوجها بداية الحرب وظلت مشردة من مركز إيواء إلى آخر، على نصب خيمة مهترئة من الأخشاب وقطع القماش البالية على مقربة من تجمع للنفايات في المنطقة نفسها، وكانت تعيش داخل مركز إيواء تابع لـ "لأونروا"، لكنّ الاحتلال قصف جميع مراكز الإيواء وكرّس معاناة النازحين وشرّدهم.

وتشير في حديثها لـ (حفريات) إلى أنّها "بحثت عن مكان أفضل ولم تجد، وخوفها على بقاء أطفالها مشردين في الشوارع، أجبرت على البقاء في هذا المكان، وتذرف الدموع من عيون السيدة التي لا تجد وصفاً للواقع الذي تعيشه، وهي لا تعرف مصيرها وسط تجاهل كافة الجهات المسؤولة، وتعمّد الاحتلال الإسرائيلي وصول سكان غزة إلى هذا الواقع المرير، أملاً في دفعهم نحو الهجرة وترك غزة." 

وتوضح أنّ "أطفالها يعانون من أمراض جلدية مُعدية وخطيرة، نتيجة البيئة الخطرة والملوثة التي يعيشون فيها، ولا يوجد بديل أفضل، وتظهر على أجساد أطفالها بقع حمراء لها رؤوس مدببة، ولم تجد علاجاً فعّالاً لحالة أطفالها المرضية، لعدم توفر الأدوية وانهيار المنظومة الصحية في غزة بشكل كامل."  

واقع مؤلم

يقول الطبيب فراس حجازي: "هناك توافد كبير في أعداد المصابين بأمراض جلدية وتنفسية خطيرة غالبيتهم من النازحين من المخيمات القريبة من تجمع النفايات، حيث يعيش هؤلاء في ظروف بيئية صعبة ويتشاركون دورات المياه وتحيط بهم القاذورات من جميع الاتجاهات."    

ويضيف في حديثه لـ (حفريات) أنّ "مخيمات النازحين في كافة أماكن تواجدها داخل قطاع غزة تفتقر لأدنى مقومات السلامة والنظافة، حيث تخرج كميات كبيرة يومياً من القمامة من داخل تلك المخيمات، ويتم تجميعها بجانبها بسبب عدم قدرة البلديات على نقل النفايات بعيداً لعدم توفر مركبات نقل وشحّ الوقود المشغل لها، وبالتالي يذهب المواطنون نحو تلك المكبّات للبحث عن قطع النايلون والقماش والبلاستيك، وذلك لاستخدامها في إشعال النار وطهو الطعام."   

▶◀

ويوضح أنّ "استمرار هذا الوضع يعني أنّ آلاف الحالات النازحة لا تهدد فقط بالقصف والتهجير، بل أيضاً ببيئة ملوثة تهدد الصحة والسلامة، وحتى لو توقفت الحرب، فهذا لا يعني أنّ الخطر قد زال عن السكان، بل أنّ تبعات الحرب البيئية تؤثر على السكان والنازحين وتهدد حياتهم، فهناك أكثر من (70) ألف حالة مصابة بالتهاب الكبد الوبائي بحاجة للسفر إلى الخارج لتلقّي العلاج، والاحتلال يمنع المرضى من الخروج."   

في سياق ذلك يقول مدير الإعلام في بلدية غزة حسني مهنا: "تعاني بلدية غزة من نقص كبير وحادٍّ في المُعدّات والآليات، وقد تسببت الحرب في تدمير البنية التحتية وتدمير مسارات جمع النفايات، وهو ما أدى إلى تعطيل خدمات النظافة وتكدّسها داخل الأحياء المأهولة بالسكان بشكل مؤقت."   

وبيّن في حديثه لـ (حفريات) أنّ "الضغط السكاني المتزايد والتهجير الداخلي الكبير، وزيادة عدد النازحين المقيمين داخل المخيمات المؤقتة، زاد من كمية النفايات التي تخرج من داخل المخيمات، وبالتالي هناك صعوبة كبيرة في معالجتها ونقلها إلى أماكن بعيدة."   

ولفت إلى أنّ "طواقم عمل البلدية تعمل في ظروف صعبة وخطيرة، فقد دمّر الاحتلال عدداً كبيراً من المُعدّات، ويمنع الوصول إلى المكبّ الرئيسي في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة، لذلك توجّهنا في البلدية لإنشاء مكبّات بديلة ومؤقتة داخل المساحات الفارغة في غزة، وللأسف هذه المساحات تم تقسيمها ما بين مخيمات للنازحين ومكبّات مؤقتة للنفايات، ولا يوجد أيّ خيارات أخرى في ظل الواقع الصعب الذي تمرّ به غزة." 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية