بين الثورة والدولة الوطنية... تحولات المزاج العام في مصر

بين الثورة والدولة الوطنية... تحولات المزاج العام في مصر

بين الثورة والدولة الوطنية... تحولات المزاج العام في مصر


18/11/2025

أحدثت ثورة كانون الثاني (يناير) 2011م تحولات عميقة في المجتمع المصري على كل المستويات؛ السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، ومن بين أبرز تلك التحولات ما يمكن تسميته "الحالة الثورية" التي خلقتها الثورة، حيث أصبح خيار الثورة مطروحًا بقوة كأحد مسارات التغيير، وأصبحت حالة الغضب والتمرد والحراك الشعبي الناتج عن الثورة مستمرة حتى بعد مرور سنوات على وقوعها.

وعلى الرغم من أنّ تلك الأحداث أفرزت تغييرات إيجابية، إلا أنّها أفرزت كذلك آثارًا وتداعيات سلبية، وأحدثت تطورات تسببت في خلق شعور بالخوف لدى شريحة من المجتمع من استمرار هذه "الحالة الثورية"، وأسهمت بالتالي في تعزيز اتجاه شعبي يتمسك بالدولة الوطنية وبأولوية الحفاظ عليها، ويرضى بالتغيير الجزئي المتدرج بديلًا عن التغيير الجذري الشامل.

وكلا المسارين، مسار الثورة ومسار التمسك بالدولة الوطنية، له عوامل تعززه وتدفع نحو التمسك به، لكنّ السؤال الذي نطرحه هو: أيّ المسارين من الممكن أن يترجح على الآخر في المستقبل القريب؟

عوامل استمرار الحالة الثورية

تحدث الثورات الاجتماعية والسياسية عندما تصل الأمور في المجتمع إلى طريق مسدود، وتتفاقم الأزمات والمشكلات بشكل يصعب معه الإصلاح عبر الأدوات والوسائل التقليدية، حينها تنفجر الأوضاع بشكل مفاجئ ومتسارع، بعد مرحلة طويلة من الصبر والغضب ومحاولات التغيير الجزئي.

ولا شك أنّ المجتمع المصري، في المرحلة الحالية، يواجه العديد من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تتسبب في شعور الأفراد من كل الطبقات والفئات الاجتماعية بالمعاناة والرغبة في الإصلاح وتحسين الأوضاع، وتُعدّ الأزمات الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع الأسعار وعدم استقرارها وخروجها عن إطار الرقابة الحكومية، وانخفاض الدعم الحكومي للكهرباء والطاقة، من أكثر المشكلات التي يعاني منها الأفراد وتتسبب في إثارة غضبهم، بجانب مشكلات أخرى منها غياب بعض السلع الضرورية مثل الأدوية، وانخفاض الرواتب، ووجود مشكلات في بعض الخدمات الحكومية الرئيسية مثل التعليم والصحة، وكذلك تضييق المجال العام وتراجع فرص المشاركة السياسية، إلى غير ذلك من أزمات ومشكلات يعاني منها المجتمع وتزيد من حالة السخط الشعبي. 

وهذه الحالة يعمل على توظيفها واستثمارها التيار الإسلامي المعارض المتمثل في جماعة الإخوان، خاصة حركة "ميدان" التي تمثل في جزء منها جبهة المكتب العام، بجانب بعض الإسلاميين من تيارات أخرى الذين يُشكّلون ما يُسمّى بـ "التيار الإسلامي الثوري", ويعمل هذا التيار بشكل مستمر على توظيف كل حدث أو أزمة من أجل زيادة حالة السخط الشعبي، أملًا في أن ينتج عنها انفجار يتم تطويره إلى حراك ثوري، يترتب عليه تغيير في النظام يسمح لهذا التيار بالعودة إلى المشهد مرة أخرى، معتمدًا بدرجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي في الانتشار وتكوين رأي عام مساند له.

وفي ظل وجود هذه الأزمات وهذا التوظيف من جانب التيار الإسلامي الثوري يبرز سؤال جوهري: هل يكون الخيار الثوري هو الأقرب للتحقق في مصر في المستقبل القريب؟ 

مسار الثورة ومسار الدولة 

على الرغم من كل الأزمات التي يعيشها الفرد في المجتمع المصري، ورغبته المشروعة في التغيير وتحسين أوضاعه المعيشية، إلا أنّ مرور نحو (15) عامًا على أحداث الربيع العربي، كان كافيًا بدرجة معقولة في تغير نظرة شريحة واسعة من المجتمع إلى التغيير عبر المسار الثوري، فقد أصبح كثيرون يميلون إلى التغيير الجزئي المتدرج الذي يضمن بقاء دولة وطنية مستقرة قادرة على توفير مقومات الحياة الأساسية، وعلى تجنيبهم مخاطر التعرض لشبح الفوضى أو الاحتلال أو التفكك، وبالطبع لا يُعبّر هذا الاتجاه عن جميع المصريين، لكنّه اتجاه يمثل شريحة تتسع بمرور الوقت ومع استمرار ظهور حقائق جديدة في الواقع.

ومن العوامل التي تعزز هذه المسار؛ أوّلًا تفكك وانهيار عدد من دول الربيع العربي وتحولها إلى ساحة من الفوضى والصراع الطائفي والعرقي والمذهبي، ثانيًا تجربة الإخوان في الحكم في مصر، والحضور المتزايد للتيار الديني بعد الثورة، كان له دور في الكشف عن العيوب البنيوية التي تتسم بها الجماعة وباقي مكونات التيار الديني، حيث كان من عوامل انتشار وتأثير هذا التيار قبل الثورة، وأيضًا من عوامل قدرته على تحقيق العديد من المكتسبات السياسية بعد الثورة، هو أنّه كان يُقدّم نفسه كبديل للأنظمة الحاكمة وللتيارات السياسية الأخرى، فقد كان التيار الديني يُقدّم نفسه على أنّه الحق في مواجهة الباطل، وأنّه يمثل الإسلام بكل ما فيه من قيم ومبادئ إنسانية تضمن للناس العدل والحرية والمساواة، مقابل أنظمة حاكمة يصفها بأنّها مستبدة ولا تطبق الشريعة، وتيارات وأحزاب سياسية يصفها بأنّها تنطلق من إيديولوجيات مخالفة للإسلام، وعندما تعرّض التيار الديني بعد الثورة لاختبار الحكم والسياسة؛ ظهر الكثير من عيوبه، وأصبحت فكرة البديل التي كان يطرحها وتحقق له القبول الشعبي والمكتسبات السياسية محل شك، والأهم من ذلك أنّه بدا عاجزًا عن إدارة الدولة، بل أصبح عاجزًا عن تقدير قيمة وأهمية الدولة ومتطلبات الأمن القومي، بسبب طبيعة إيديولوجيته المتجاوزة لحدود الدولة الوطنية، ممّا يجعل الحفاظ على هذه الدولة ليس من أولوياته.  

وقد ازدادت القناعة بعدم صلاحية التيار الديني كبديل رسوخًا مع التجربة الإسلامية في الحكم داخل سوريا مؤخرًا، حيث كشفت ممارسات النخبة الحاكمة الجديدة عن العديد من العيوب، سواء فيما يتعلق بمعاملة الأقليات، أو فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل والتنسيق معها في عدد من الملفات، واحتلالها لجزء من الأراضي السورية، أو فيما يتعلق بالعلاقة مع أمريكا التي كانت هذه النخبة تصفها حتى وقت قريب بـ "الشيطان الأكبر"؛ الأمر الذي يؤكد أنّ هذا التيار الديني لا يصلح كبديل للأنظمة الحاكمة، لأنّه يشترك معها في بعض العيوب، ويعيد إنتاج بعض الممارسات التي كان ينتقدها فيها من قبل، بل إنّ تلك الأنظمة تتميز عليه بإدراكها قيمة الدولة ومفهوم الأمن القومي، بينما لا يرى التيار الديني في الدول الوطنية سوى أنّها بنى استعمارية يجب تفكيكها من أجل مشروع هلامي اسمه "الدولة الإسلامية الكبرى". 

ثالثًا من العوامل التي تعزز مسار التمسك بالدولة الوطنية مقابل المسار الثوري بعض المنجزات التي تحسب للدولة المصرية في الفترة الأخيرة، منها الموقف الحاسم الرافض لتهجير مواطني قطاع غزة إلى سيناء، وتحدي الرغبة الأمريكية في ذلك، والمساهمة في وقف الحرب في غزة، والدور البارز في إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، أيضًا الإنجاز المصري فيما يتعلق بالاهتمام بالحضارة المصرية القديمة، والذي برز في افتتاح المتحف المصري الكبير الذي لقي اهتمامًا واحتفاءً شعبيًا ظهر بوضوح من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كذلك إنشاء العديد من المشروعات والمدن الجديدة، والتخلص من الأماكن العشوائية واستبدالها بمناطق جديدة وتغيير نمط الحياة فيها. 

هذه العوامل زادت من الاتجاه الذي يميل نحو التمسك بالدولة الوطنية والحفاظ عليها، مقابل اتجاه آخر يسعى إلى التغيير الثوري بكل ما يمثله من مغامرة وعشوائية وغموض.

مهمة الإخوان الصعبة

منذ دخول جماعة الإخوان، ومعها باقي مكونات التيار الإسلامي الثوري في صراع مع الدولة في العام 2013م، وهي تسعى بكل الطرق إلى إعادة الأوضاع لما كانت عليه قبل ذلك التاريخ أو حتى قبل 2011م، حيث السماح لها بالعمل وفق ضوابط وحدود معينة، لكنّها في النهاية كان تمتلك المساحة والفرصة الكافية للانتشار وتكوين القواعد التنظيمية والشعبية وتحقيق بعض المكتسبات السياسية. 

لكن في ظل هذه المتغيرات والتحول في المزاج العام المصري أصبحت مهمة الجماعة صعبة في إقناع المصريين بضرورة التغيير عبر المسار الثوري الذي تدعو إليه بشكل مستمر، باعتباره المسار الوحيد المناسب للحالة المصرية من وجهة نظرها.

وهذا ما يجعلنا نخرج بنتيجة؛ وهي أنّ ثمّة علاقة عكسية بين استقرار الأوضاع في مصر، وتحسين الأداء الحكومي في الملفات الداخلية والخارجية المختلفة، وإجراء الإصلاحات الضرورية وتحسين المعيشة، وبين قدرة الجماعة على إقناع المجتمع بالمسار الثوري؛ الأمر الذي يضع على الدولة المصرية مسؤولية كبيرة، فبجانب المواجهة الأمنية للتهديد الذي تمثله الجماعة والتيار الإسلامي الثوري، توجد مواجهة من نوع آخر تتمثل في ضرورة الإصلاح الذاتي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية