عمر بوسعيدة لـ (حفريات): تحالف التشكيلات المسلحة والدوائر الدينية المؤدلجة يهدد مستقبل الدولة الليبية

عمر بوسعيدة لـ (حفريات): تحالف التشكيلات المسلحة والدوائر الدينية المؤدلجة يهدد مستقبل الدولة الليبية

عمر بوسعيدة لـ (حفريات): تحالف التشكيلات المسلحة والدوائر الدينية المؤدلجة يهدد مستقبل الدولة الليبية


09/11/2025

أجرى الحوار: رامي شفيق

في ظلّ التطوّرات المتسارعة التي تشهدها ليبيا سياسياً واقتصادياً، وتعدّد القرارات والملفات المطروحة على طاولة النقاش، التقت (حفريات) بالكاتب والمحلل السياسي عمر بوسعيدة لقراءة المشهد الراهن في ليبيا، سواء من خلال قرارات مجلس النواب الأخيرة الخاصة بتجريم اكتناز الأموال خارج المصارف، أو في سياق تأجيل ملف المناصب السيادية، إلى جانب الاشتباك مع مسار أداء البعثة الأممية، ومستقبل شرعية المؤسسات السياسية والتشريعية في البلاد، فضلاً عن رؤيته لسيولة الأوضاع الميدانية في العاصمة ومدن الغرب الليبي، ودور تيارات الإسلام السياسي في تعطيل مسارات الحل.

إلى ذلك، أكّد الكاتب والمحلل السياسي عمر بوسعيدة في حواره مع (حفريات) أنّ قرار مجلس النواب، ومقرّه شرق ليبيا، بالموافقة على مقترح الحكومة بتجريم اكتناز الأموال خارج المصارف، يحمل أبعاداً مزدوجةً اقتصاديةً وسياسيةً، موضّحاً أنّه يهدف إلى تحريك السيولة الراكدة ودعم الاستقرار النقدي، إلى جانب كونه رسالة سياسية تعكس جدّية الدولة في محاربة الفساد وغسيل الأموال بعد ضبط شبكات تهريب الأموال في الخارج.

وفي سياق حديثه، اعتبر بوسعيدة أنّ تأجيل ملف المناصب السيادية يعكس "حسابات دقيقة لتوازن القوى" أكثر من كونه خلافاً داخلياً، مشيراً إلى أنّ القرار جاء لتجنّب انقسامات جديدة في ظلّ غياب التوافق بين مجلسي النواب والدولة.

أمّا بشأن التحركات الأممية، فقد رأى أنّ مقاربة المبعوثة الأممية "هنا تيته" لم تُحقّق اختراقاً حقيقياً في الأزمة الليبية، واصفاً دور البعثة بكونه "باهتاً ومتردداً"، ويكتفي بإدارة الأزمة بدل حلّها.

وأكّد بوسعيدة أنّ تجديد الشرعية لكلّ المؤسسات التشريعية هو "المدخل الحقيقي لأيّ حلّ مستدام"، داعياً إلى انتخابات حرّة تُعيد الثقة بين المواطن والدولة، ووصف دعم رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لمحمد تكالة بأنّه "محاولة لإعادة تدوير التحالفات لا لإحياء الشرعية".

وفي الشقّ الأمني، حذّر بوسعيدة من تداخل الدين بالسلاح في الغرب الليبي، معتبراً أنّ ارتباط بعض التشكيلات المسلحة بـ "دوائر دينية مؤدلجة" زاد من هشاشة المشهد وأفقد الدولة سيطرتها. واتّهم أحزاب الإسلام السياسي داخل المجلس الأعلى للدولة بأنّها باتت "الفاعل الأبرز في تعطيل التسوية السياسية"، لأنّها "تتحرك بمنطق المكاسب لا بمنطق الوطن".

 

نص الحوار:

من الناحية الاقتصادية والسياسية، كيف يمكن فهم خلفيات ودوافع قرار مجلس النواب بالموافقة على مقترح الحكومة الليبية تجريم اكتناز الأموال خارج المصارف التجارية؟ أم أنّه يأتي في سياق ضبط السوق المصرفي، خاصة بعد القبض على شبكة تهريب الأموال في تركيا؟

ـ في الحقيقة الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تأتي على محورين رئيسيين  اقتصادي وسياسي، على النحو التالي:  

اقتصادياً، يأتي القرار في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تحريك السيولة الراكدة التي يحتفظ بها التجار والأفراد خارج المصارف، والتي تُقدَّر بمليارات الدنانير، ممّا يُفقد الاقتصاد الليبي قدرته على آليات التمويل والاستثمار.

ممّا يعني أنّ  دخول هذه الأموال إلى المحفظة المصرفية سوف يُسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي، وتسهيل حركة الائتمان، ودعم الاستقرار النقدي عبر تقليص الفجوة بين الكتلة النقدية الفعلية والمتداولة داخل النظام البنكي.

أمّا سياسياً، فإنّ هذه الخطوة تُعدّ رسالة واضحة على جدية الدولة في محاربة الفساد وغسيل الأموال، خصوصاً بعد ضبط شبكات تهريب الأموال في الخارج (ومنها تركيا)، وهو ما يعكس رغبة الحكومة والبرلمان في تجفيف منابع التهريب وتعزيز السيادة المالية لليبيا.

وينبغي التأكيد على أنّ  القرار يحمل  دلالة على تحول في فلسفة إدارة المال العام نحو الشفافية والانضباط المؤسسي، في ظل سعي المؤسسات الفاعلة في الشرق لإعادة بناء جوانبها الاقتصادية بشكل متكامل ومستدام.

في سياق آخر، كيف يمكن تفسير تأجيل ملف إعادة تشكيل المناصب السيادية في هذا التوقيت؟

ـ إنّ تأجيل ملف إعادة تشكيل المناصب السيادية في هذا التوقيت لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد السياسي العام في ليبيا، فهو ليس مجرد تأجيل إداري، بل هو انعكاس لحسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى داخل المؤسسات، ومحاولة لعدم فتح ملفات خلافية في مرحلة تتطلب قدراً من التهدئة السياسية.

إنّ الملف في جوهره يرتبط بتوزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ولذلك فإنّ أيّ خطوة غير محسوبة قد تُفجّر صراعاً جديداً بين الأطراف.

 من هنا جاء تأجيل ملف المناصب السيادية كقرار واقعي يهدف لتجنب وقوع  انقسام أعمق، خاصة في ظل غياب توافق حقيقي بين مجلسي النواب والدولة حول معايير الاختيار وآليات التنفيذ.

إلى أيّ حدٍّ يمكن فهم هذا التأجيل، كونه يدلل على خلافات سياسية داخل مجلس النواب؟

ـ أمّا القول إنّ التأجيل دليل على خلافات داخل مجلس النواب، فهو توصيف جزئي للحقيقة؛ فالمجلس شأنه شأن أيّ مؤسسة سياسية يعكس تعدد التوجهات والرؤى والتوجهات والمصالح، وبالتالي يمكن وصفه باختلاف في التقدير السياسي حول التوقيت والآليات، وليس  خلافاً حول المبدأ ذاته.

ما تقديركم لتحركات المبعوثة الأممية "هنا تيته"، ومدى نجاح المقاربة الأممية الخاصة بها في فضّ الانسداد السياسي للأزمة في ليييا؟

ـ في الحقيقة، لا يمكننا الحديث عن نجاح حقيقي يُذكر لتحركات المبعوثة الأممية "هنا تيته" حتى الآن، بل يمكن القول إنّ مقاربتها للمشهد الليبي لم تُحدث أيّ اختراق حقيقي في جدار الأزمة السياسية.

يمكن ملاحظة أنّها، منذ توليها مهامها، ما زالت تتحرك في إطار اللقاءات البروتوكولية والمشاورات الشكلية، دون أن تصيغ بوضوح خارطة طريق محددة أو تضع  آليات تنفيذية قابلة للقياس.

الانطباع السائد لدى معظم الفاعلين السياسيين أنّ المبعوثة تكرر النهج نفسه الذي اتبعه من سبقها، القائم على الموازنة بين الأطراف الفاعلة دون حسم أو وضوح، ممّا جعل دور البعثة الأممية يبدو باهتاً ومتردداً، وكأنّها تكتفي بإدارة الأزمة لا بحلّها.

إضافة إلى ذلك، فإنّ انعدام التنسيق الحقيقي بين المبعوثة والأجسام الليبية الفاعلة، فضلاً عن غياب موقف دولي موحّد داعم لجهودها، جعل مقاربتها محاصرة ومحدودة التأثير. بل يمكن القول إنّ بعض تحركاتها أسهمت ـ بشكل غير مباشرـ في إطالة أمد الانسداد السياسي بدل المساعدة في تجاوزه.

هل ترى أنّ مسارات الحل في ليبيا ينبغي أن تعرف تجديد الشرعية لكافة المؤسسات في ليبيا مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة؟

ـ لا يمكن الحديث عن حل شامل ومستدام للأزمة الليبية دون المرور عبر تجديد الشرعية لكافة المؤسسات التشريعية، وفي مقدمتها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. فهذه المؤسسات، مهما كانت شرعيتها الدستورية أو السياسية في بداياتها، فقد استُهلكت بفعل الزمن وفقدت الكثير من زخمها الشعبي وقدرتها على تمثيل إرادة الليبيين، بعد مضي سنوات من الانقسام والتجاذبات التي عطلت مسارات الإصلاح وأفرغت العملية السياسية من مضمونها.

إنّ تجديد الشرعية لا يعني بالضرورة الدخول في فراغ سياسي، بل يعني إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وإتاحة الفرصة لجيل جديد من القيادات الوطنية ليعبّر عن طموحات الليبيين في الاستقرار والتنمية، عبر انتخابات حرة وشفافة وتحت إشراف أممي ومحلي يضمن النزاهة والمنافسة العادلة.

لقد أثبتت التجربة أنّ أيّ مسار سياسي يبنى على مؤسسات منتهية الصلاحية أو فاقدة للقبول الشعبي هو مسار هشّ ومؤقت، كون الشرعية الشعبية هي الركيزة الوحيدة القادرة على تحصين القرارات السيادية وضمان تنفيذها دون اعتراض أو انقسام.

وبالتالي، فإنّ تجديد الشرعية هو استحقاق وطني، يمثل العتبة الرئيسية نحو توحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وفتح الطريق أمام دولة مستقرة ذات سيادة يحكمها القانون، لا التوافقات المؤقتة ولا المصالح الضيقة.

إلى أيّ حدٍ يبدو ترجيح عبد الحميد الدبيبة لشخصية محمد تكالة في منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة حافزاً نحو إعادة شرعية المجلس من جديد؟

ـ من وجهة نظري ، دعم عبد الحميد الدبيبة لشخصية محمد تكالة في منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة لا يمكن اعتباره بأيّ شكل من الأشكال خطوة نحو إعادة الشرعية للمجلس، بل العكس تمامًا، فهو يُنظر إليه على نطاق واسع كمحاولة لإطالة عمر التحالفات الوظيفية داخل المشهد السياسي القائم، وإعادة تدوير الوجوه نفسها التي فقدت ثقة الشارع منذ سنوات.

فالمجلس الأعلى للدولة، بشكله الحالي، فقد جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية والشعبية نتيجة تعطّله عن أداء دوره الحقيقي في دعم المسار الدستوري وتغليب المصلحة الوطنية على الصراعات الشخصية. وبالتالي، فإنّ دعم تكالة أو غيره من الشخصيات المحسوبة على الدائرة السياسية نفسها للدبيبة، لن يغير من واقع المجلس شيئاً، بل سيفرض مزيداً من التبعية والارتهان للحكومة التنفيذية في طرابلس.

كما أنّ خطوة الدبيبة هذه تُقرأ في نظر كثيرين على أنّها محاولة للسيطرة غير المباشرة على المجلس الأعلى للدولة عبر الدفع بوجوه موالية أو منسجمة مع خطه السياسي، خصوصاً في ظل فشل حكومته في تحقيق اختراقات حقيقية في الملفات السيادية، مثل توحيد المؤسسات أو إجراء الانتخابات.

وبناءً على ذلك، فإنّ الحديث عن هذا التموضع يبدو طرحاً غير واقعي، لأنّ المشكلة في أصلها ليست في الأسماء، بل في منظومة سياسية فقدت مصداقيتها وأدوات التجديد الذاتي.

إنّ الشرعية الحقيقية تتطلب تغيير النهج، لا تبديل الكراسي.

التدهور الأمني في الغرب الليبي يثير قلق وريبة المجتمع الاقليمي والدولي من قدرة الفاعلين المحليين على بسط الاستقرار في العاصمة... إلى أيّ حدٍ ترى أنّ علاقة التشكيلات المسلحة بتنظيم دار الإفتاء هي عامل محفز نحو الفوضى والريبة؟

ـ هذا استدراك مهم، وفي محلّه، فالتدهور الأمني في الغرب الليبي لم يعد مجرد أحداث متفرقة، بل هو مؤشر واضح على هشاشة منظومة السيطرة وغياب المرجعية الموحدة. 

إنّ علاقة بعض التشكيلات المسلحة بدوائر دينية مؤدلجة، مثل تلك المرتبطة بتنظيم دار الإفتاء، زادت من تعقيد المشهد، وأدخلت الصراع في مسارات فكرية وعقائدية بدل أن يظل في إطار أمني بحت.

هذه الارتباطات خلقت بيئة خصبة للفوضى، حيث تُستغل الفتاوى والمواقف الدينية لتبرير تحركات مسلحة أو فرض نفوذ على حساب مؤسسات الدولة، ممّا يثير قلق المجتمعين الإقليمي والدولي بشأن قدرة القوى المحلية على فرض الاستقرار في العاصمة وضواحيها.

باختصار، استمرار هذا التداخل بين الدين والسلاح يجعل من الصعب الحديث عن أيّ مشروع استقرار حقيقي في ظل غياب قرار سياسي وأمني مركزي يضع حدّاً لهذه الازدواجية الخطيرة.

كيف تبدو أحزاب الإسلام السياسي داخل هيئة المجلس الأعلى للدولة معطلة للحلول السياسية؟

ـ بكل وضوح، أحزاب الإسلام السياسي داخل المجلس الأعلى للدولة أصبحت اليوم أحد أبرز أسباب الجمود السياسي القائم. فبدل أن تكون شريكاً في الدفع نحو التسوية، تحوّلت إلى كتلة معرقلة تعمل على إجهاض أيّ مبادرة لا تخدم مصالحها التنظيمية أو الحزبية الضيقة.

هذه المكونات تنظر إلى المشهد بمنطق المكاسب لا بمنطق الوطن، فهي لا تتحرك إلا عندما تضمن بقاء نفوذها داخل المؤسسات، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل المناصب السيادية، والقوانين الانتخابية، أو حتى الترتيبات الأمنية. كلما اقترب الليبيون من نقطة اتفاق، نجد هذه الأطراف تعود إلى تفجير الخلافات من جديد بحجج واهية وشعارات دينية وسياسية فقدت مصداقيتها.

لقد تحوّل المجلس الأعلى للدولة في كثير من الأحيان إلى أداة ضغط بيد تيارات الإسلام السياسي، تستخدمه كورقة وظيفية لابتزاز الأطراف الأخرى أو لتمديد حالة الفوضى القائمة. وهذا ليس خافياً على أحد، فكل محاولات تقريب وجهات النظر باءت بالفشل عند أوّل اعتراض من هذه الجماعات.

في النهاية، يمكن القول إنّ تيارات الإسلام السياسي داخل المجلس لا تُعبّر عن إرادة وطنية بقدر ما تمثل مشروعاً فكرياً ضيق الأفق، يسعى للهيمنة لا للإصلاح، ويعيش اليوم مأزقاً حقيقياً بين سقوطه الأخلاقي والسياسي وفقدانه لثقة الشارع الليبي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية