مُغادَرة منطقة الخطر: مُحاولات التّهدئة الإقليمية، وتداعيات استمرار التصعيد الإيراني-الإسرائيلي

مُغادَرة منطقة الخطر: مُحاولات التّهدئة الإقليمية، وتداعيات استمرار التصعيد الإيراني-الإسرائيلي

مُغادَرة منطقة الخطر: مُحاولات التّهدئة الإقليمية، وتداعيات استمرار التصعيد الإيراني-الإسرائيلي


08/11/2025

ما ارتقت مُحاولات الوساطة الجارية بين إيران والولايات المتحدة - حتى الآن - إلى المستوى الذي يمكِنُ معه الحديث عن إمكانية عودة الجانبين إلى طاولة المفاوضات. وعلى الرغم من تراجُع أهميّة الملفات الخلافية الأسياسية بين إيران والولايات المتحدة وتأثيرها، لا تزال القوى الإقليمية والدولية تبحث عن سبلٍ لاستئناف المفاوضات بينهما، بما يُفضي إلى فضّ الخلافات، والتوصُّل إلى توافقات جديدة. وبنفس الوتيرة تقريباً، لا تزال محاولات التهدئة، وخفْض التصعيد بين إيران وإسرائيل، غير قادرة على إبعاد شبح عودة الحرب بينهما بشكل كامل. وتبدو الفجوة بين الجانبين أوسع من أنْ يمكن جسرها بالوساطة، حتى إذا كانت قادمة من روسيا التي تُشير الأنباء إلى أنّها بذلت جهوداً في خلال الأسابيع الماضية لسدّ هذه الفجوة، عبر نقل رسائل بين إيران وإسرائيل؛ ما قد ينعكس إيجاباً على المشهد الإقليمي العام.

 

الوساطات الإقليمية في مواجهة خيارات التصعيد

في سياق محاولات الوساطة، أظهرت أطراف إقليمية، منها: قطر، والعراق رغبة في التحوُّل إلى جسور لنقل الرسائل، ورأب الصّدع بين إيران والولايات المتحدة، من دون أنْ يترك ذلك حتى الآن أثراً يُذكَر في الجدار السميك العازل بين طهران وواشنطن. ناهيك بحالة التوتُّر التي تعانيها العلاقات الإيرانية - الأوروبية، والتي تُوِّجت بعودة العقوبات الدولية على إيران بعد تفعيل الثلاثي الأوروبي آلية الزناد (سناب باك) الخاصة بالملف النووي الإيراني.

 

وتجري محاولات الوساطة الإقليمية والدولية في خضمّ تصعيد سياسيّ متواصل، وتهديدات مُتبادلة من الجانبين الإيراني والإسرائيلي؛ إذْ تؤكد تل أبيب بشكل مُتكرّر، وعلى لسان كبار مسؤوليها، ومنهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنّ الحرب لم تنتهِ مع إيران بعدُ، وأنّ عين إسرائيل لا تزال على طهران، وعلى الخطر القادم منها، فيما يؤكّدُ قادةٌ أمنيُّون إسرائيليون أنّ نهاية الحرب في غزة سوف تُتيح لصُنّاع القرار في إسرائيل فرصةً للتركيز على الجبهة الإيرانية

ولا تقفُ بوادرُ التّصعيد الإقليمي على المواقف والتهديدات اللفظية؛ إذْ يستمرّ هذا التصعيد السياسي، وسط استعداداتٍ ميدانيّةٍ حثيثةٍ من الجانبين تحضيراً للمعركة المُحتملة. وتتواردُ أنباءٌ حول نقل معدّات عسكرية من عدّة مصادر إلى إسرائيل التي أعلنت أنّها رصدت نحو 33 مليار دولار لموازنتها العسكرية للعام المقبل، وهو ما يشكل نحو 9% من إنتاجها المحلي.

 

ولا تبدو الأمور مختلفة على الجانب الإيراني؛ ففي حين وصفَ القائد الإيراني الأعلى علي خامنئي فكرة القضاء على البرنامج النووي الإيراني عبر الهجمات التي جرت في حرب الاثني عشر يوماً بأنّها مُجرّد أوهام، فإن القادة العسكريين في إيران يواصلون عمليّات استعراض الأسلحة، واختبارها، وتتواردُ أنباءٌ غير مؤكدة عن استلام إيران شحنات جديدة من الأسلحة الروسية والصينية. وعرضت إيران في خلال الأسابيع الماضية صوراً لمدن صاروخية جديدة، مُخبّأة تحت الأرض، واختبرت صواريخ باليستية جديدة. لكنّ الأنباء الأكثر أهميّةً حول استعدادات طهران العسكرية للمواجهة، كانت تلك المتعلقة بتزوُّد طهران بأسراب من طائرات "ميغ 29" المحدثة من روسيا، واستلامها شحنات كبيرة من المواد اللازمة لصنع الوقود الصلب من الصين، غداة تفعيل "آلية الزناد".

 

وتدفع كُلّ تلك المؤشرات إلى الاعتقاد بأنّ المواجهة العسكرية التالية في منطقة الشرق الأوسط باتت على الأبواب. وليس من المستبعَد أنْ تُشعلها ضربة استباقيّة من جانب إسرائيل للقضاء على الاستعدادات الإيرانية في المجال النووي، أو المجال الصاروخي، أو الدفاع الجوي. إذْ لا تبدو إسرائيل على استعداد لقبول عودة حالة "توازن التهديد" أو "توازن الرعب" مع إيران إطلاقاً، وهي تريدُ ضمان بقاء حالة التفوُّق الرّاهنة في التوازنات الإقليمية إلى أمدٍ بعيد.

التداعيات الاقتصادية لاستمرار التصعيد

تتجاوزُ انعكاسات حالة التصعيد الراهنة المستوى الداخلي؛ الإيراني والإسرائيلي، لتمتدّ إلى مُختلف دول المنطقة، بما فيها دول منطقة الخليج التي تتعارض خططها الاقتصادية الطموحة، وبرامجها التنمويّة طويلة الأمد، مع حالة عدم الاستقرار القائمة حاليّاً في المنطقة. ولعلّ الوعي بالآثار الاقتصادية السّلبية المترتّبة على استمرار الوضع الرّاهن، هو أحدُ المحرّكات الرئيسة لجهود الوساطة الإقليمية المبذولة، ناهيك بتأثير المخاطر الأمنية المحتملة. 

 

على المستوى الداخلي الإيراني، فإنّ الوضع الرّاهن الذي يتمثل في حالة "لا حرب ولا سلام" ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني المتدهور، والذي يبدو بحاجة ماسة إلى تدفُّق استثمارات دولية، تعيدُ له التوازن المطلوب بين الطلب والإنتاج. ولا تقتصرُ آثار حالة "لا حرب ولا سلام" على إبعاد رؤوس الأموال التي يُمكن أنْ تُفكّر في الوفود إلى إيران، بل إنّها تعمل أيضاً على تسريع وتيرة هروب رؤوس الأموال من الاقتصاد الإيراني، بعد أنْ كانت الأرقام تُؤكّد تنامي هذه الظاهرة بشكلٍ مُتزايدٍ مُنذ عدّة أعوام. وعلى الصعيد الاقتصادي نفسه، فإنّ الوضع الرّاهن، أدّى إلى عودة أرقام التضخُّم إلى مُستويات تقارب المُعدّلات القياسيّة التي كانت قد بلغتها في عهد حكومة الرئيس حسن روحاني بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وتطبيق الرئيس ترمب حملة "الضغوط القصوى" الأمريكية على إيران في ولايته الأولى.

وتُظهِرُ أرقامٌ رسمية أنّ التضخم بلغ في الشهر الإيراني السابع (أكتوبر 2025) نحو 48%، بينما بلغ تضخم المواد الغذائية نحو 64.3%، وسط احتمال بأن يبلغ 90% مع نهاية العام الإيراني في مارس المقبل. وإذا كانت موجة الغلاء الناجمة عن حملة "الضغوط القصوى" قد أدّت في عهد الرئيس روحاني إلى موجات مُتتالية من الاضطرابات الشعبيّة في إيران، فإنّ المُراقبين يحذّرون اليوم، من أنْ تتحوّل حالة "لا حرب ولا سلام" التي يمرّ بها الاقتصاد الإيراني إلى موجاتٍ جديدة من الاضطرابات.

 

ولا شكّ أنّ أيّة اضطرابات اجتماعية أو أمنية واسعة النطاق في إيران، من شأنها أنْ تضيف أعباءً جديدة على عاتق الاقتصادات الإقليمية، وبخاصّة الاقتصادات الخليجية التي يظلُّ استمرار حالة ازدهارها رهناً باستقرارٍ إقليميٍّ وافٍ بالغرض. وفي حال حدوث مواجهة عسكرية جديدة بين إيران وإسرائيل، ستكون الاقتصادات الخليجية مُتضررةً  من عدّة أوجه؛ سواءً من طريق أثر هذه المواجهة في أمن الطاقة، وأمن الشحن البحري التجاري، أو من طريق التأثير السّلبي الذي تتركه المواجهة على حركة رؤوس الأموال من الاقتصادات الخليجية، وإليها، نتيجةً للتصعيد العسكري، وذلك من طريق انخفاض نسبة توافُد رؤوس الأموال إلى تلك الاقتصادات الجاذبة للاستثمارات الخارجية. هذا فضلاً عن الأثر السّلبي الذي تتركُه المواجهة العسكرية على تصنيف الاقتصادات الإقليمية عموماً من حيث: درجة الاستقرار، وقابليّة التنبؤ. وهو ما سينعكسُ سلباً على تكاليف الشحن البحري، خاصّة إذا ترافق ذلك مع تقلُّبات في أسعار النفط والطاقة. 

 

وحتى إنّ لم تحدث حربٌ بين إيران وإسرائيل/الولايات المتحدة فإنّ استمرار حالة "لا حرب ولا سلام" التي تعيشها المنطقة، تؤثّر سلباً في الاقتصادات الإقليمية. وعلى المديين المتوسط والبعيد، تفعل وضعية "لا حرب ولا سلام" نفس ما تفعله المواجهة العسكرية المحتدمة، مع الأخذ بالحسبان أنّ الآثار التي يتركها البقاء لفترة طويلة في هذه الحالة، ستَحمِلُ تداعياتٍ أعمق من تلك التي تتركُها حالة الحرب المؤقتة؛ إذْ ستكون التأثيرات بُنيويّة، بحيث قد تعمل على إخراج الاقتصادات الإقليمية من دائرة الوجهات الاستثماراية المُفضّلة عالميّاً، ولو لفترةٍ من الزمن.

جدوى الوساطات في ظلّ اتّساع الهُوّة

في ضوء عدّة اعتبارات، من ضمنها المواجهة العسكرية الإيرانية-الإسرائيلية/الأمريكية التي جرت مُؤخراً، وأدّت إلى سقوط مئات القتلى، وعَدُّ كُلٌّ من الجانبين المعسكر الآخر تهديداً وجوديّاً، والقضاء على طاولة المفاوضات النووية، يمكنُ القول: إنّ الهوة شاسعة بين المعسكرين، بحيثُ لا يمكن لأيّة وساطة إقليمية أنْ تتمكّن من جَسْرها بسهولة. وحتى مُجرّد عودة الأطراف إلى المفاوضات، باتَ هدفاً لا يمكنُ تحقيقه بسرعةٍ وسهولة، وذلك لأنّ الجانب الأمريكي/الغربي/الإسرائيلي يريدُ أنْ تكون المفاوضات شاملةً، وأنْ تتضمّن البرنامج الإيراني للصواريخ، فيما تريدُ لها إيران أنْ تقتصر على البرنامج النووي الذي تعدُّه الأطراف الأخرى مُنتهياً. 

 

لكنّ الثمار المُنتظرة من جهود الوساطة - في حال قُدّرَ لها النجاح كُليّاً أو جزئيّاً - كبيرةٌ ومثيرة للاهتمام؛ إذ يمكنُ أنْ تعود بالنّفع على الأطراف الإقليمية التي لا تتضرّر من الحرب فحسب، وإنما تتضرر أيضاً من حالة "لا حرب ولا سلام". إذْ يمكن على الأقلّ، توقُّع التوصُّل إلى تسويات مُؤقتة تؤدّي إلى "خفض التّصعيد"، وإبعاد "شبح الحرب" الذي لا يمكنُ أنْ يكون مُفيداً لأحد، بما في ذلك، الجانب الإسرائيلي الذي يُعاني هو الآخر من تباطؤ النموّ، وتراجُع الاستثمارات. وفي هذا الإطار، ينبغي فهم جدوى الوساطات التي تبذلها روسيا، لوضع حدٍّ للتصعيد المتبادل بين إيران وإسرائيل، من طريق نقل الرسائل بين الجانبين. ويبدو أنّ الجانب الإيراني لا يريد إغلاق هذه النافذة التي يُمكن أنْ تبعده من حالة "لا حرب ولا سلام". ومن أجل ذلك فإن النّظام الإيراني أوفد الأمين العام لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني"؛ علي لاريجاني، إلى موسكو، للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، ووجوه سياسية أخرى، وسط تقارير عن دورٍ روسيٍّ في نقل رسائل بين طهران وتل أبيب. كما يبدو أنّ إيران وإسرائيل تُرحّبان بالمُبادرة الروسيّة لنقل الرسائل بينهما، وتحرصان على إبقاء هذه النافذة مفتوحة، ربّما بسبب التّداعيات السّلبيّة التي يتركها استمرار حالة "لا حرب ولا سلام" على اقتصادات البلدين. لكنّ إيران تبدو أكثر حرصاً من الجانب الإسرائيلي على إنجاح جهود "خفض التصعيد"، وإنجاح الوساطات الإقليمية، نتيجةَ الآثار القويّة المُحتملة للوضع الرّاهن على المجتمع الإيراني، والمشهد السياسي الداخلي.

 

وليس من المستبعد أنْ تعمل الدوافع/المخاوف الاقتصادية الإقليمية، على توفير دعم إقليمي للوساطة الروسيّة، لكي تتطوّر من مستوى "نقل الرسائل" إلى تقديم المبادرات، وتحقيق التسويات، حتى وإنْ كانت مُبادرات وتسويات جزئيّة، ومرحليّة، فالمنطقة تتطلّع إلى مغادرة "الصفيح الساخن". وإذا كان تحقيقُ السّلام والاستقرار الدائم لا يزالُ هدفاً بعيد المنال فإنّ  "خفض التصعيد" والرُّجوع عن مسار الحرب، يُشكّل هدفاً قيّماً، ومُمكِناً في الوقت ذاته.

مركز الإمارات للسياسات




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية