
تتوسع فرنسا في الإجراءات التي تواجه بها الإسلاموية على عدة مستويات، سواء كانت تشريعية أو رقابية أو سياسية أو أمنية، ولم يعد مباغتاً تعقبها للكيانات والمؤسسات التابعة لجماعة الإخوان وغيرها من تنظيمات الإسلام السياسي، بهدف تقويض نفوذها، ومنع تغلغلها في المجتمع، والحدّ من تأثيراتها المعادية لقيم "الجمهورية". وهذا التعقب الذي يتتبع خريطتها المالية يستهدف إنهاء مصادر التمويل المشبوهة وسدّ الثغرات التي وظفتها تلك القوى في عمليات تبييض أموال ودعم أنشطة إرهابية، فضلاً عن التخفي في منظمات المجتمع المدني.
صراع مفتوح مع الإسلام السياسي
من ثم، فإنّ إغلاق معهد "الفلك" في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، جاء في إطار تلك الجهود المتواصلة وضمن صراع مفتوح مع الإسلام السياسي الذي مثّل صعوده في أعقاب حرب غزة تهديداً مباشراً لـ "تماسك المجتمع الأوروبي" وفق تقارير رسمية، وهو ما حدا بعواصم غربية، كانت تتعاطى معه على مبدأ ديمقراطي يهدف إلى دمجه وعدم نبذه وفق أسس قانونية تتيح له العمل علانية، إلى الاستدارة وبناء سياسات مغايرة، والكشف عن ازدواجية الخطاب الإسلاموي والدور المشبوه التعبوي الذي يقوم به وسط الجاليات العربية والمسلمة، ومنها تعميم خطاب كراهية مؤدلج، والتخفي في مؤسسات المجتمع المدني لإدارة عمل تنظيمي بالمال والحشد داخل أوروبا وفي مناطق النزاع الإقليمية، ودعم قوى إرهابية.
إغلاق المعهد جاء بسبب ما وصفته تقارير فرنسية بوجود "انحرافات تتعلق بالترويج لخطاب إسلام سياسي قريب من الإخوان"، الأمر الذي يبعث بتهديدات للنظام العام. وهناك عدة مرتكزات للإسلاموية، ومنها الشبكة الدينية والتعليمية، حيث يمتلك التيار الإخواني في فرنسا أكثر من ( (200مسجد ومركز عبادة موزعة بشكل استراتيجي على ما يقرب من (55) مقاطعة في فرنسا. بالإضافة إلى المنظومة التعليمية الموازية، حيث يركّز هذا التيار على التعليم في أكثر من (800) مدرسة إسلامية ومؤسسة، يتلقى الطلاب فيها مناهج تتعارض مع القيم الجمهورية في فرنسا، بحسب مجلس الأمن والدفاع القومي الفرنسي برئاسة إيمانويل ماكرون.
كما أنّ القدرة على الاستقطاب بفعل عدة مرتكزات دعوية وسياسية وثقافية تُعدّ أحد التحديات، خصوصاً مع وجود ما لا يقلّ عن ( (66ألف طفل ومراهق يقعون تحت تأثير هذه الشبكات الدينية والتعليمية، وفق المجلس الفرنسي الذي يرأسه ماكرون. فضلاً عن مسألة التمويل المعقد والمشبوه من قبل جهات خارجية عبر صناديق خيرية وشبكات عقارية وشركات وهمية، مرتبطة تحديداً بدول مثل تركيا وقطر، ثم إنشاء أنظمة بيئية متكاملة تضم المساجد، والجمعيات، وما يُسمّى "متاجر الحلال"، وحتى الأنشطة الرياضية، التي تهدف إلى عزل المجتمع المسلم عن النسيج الوطني الفرنسي.
يضاف إلى ذلك، التغلغل الرقمي وخطاب المظلومية، حيث يستخدم التيار الإخواني منصات التواصل الاجتماعي عبر جيل جديد يُسمّى بـ "الدعاة المؤثرين"، الذين يدمجون في تواصلهم بين الفكر الإخواني وحتى السلفي. كما أنّ هناك (30) جمعية خيرية، بعضها متهم بتمويل حركة حماس.
استراتيجية المدى المتوسط
إذاً، الخطر الأبرز في تغلغل الإسلاموية وشبكات الإخوان بفرنسا، هو استراتيجية المدى المتوسط والطويل لتنشئة "جيل كامل يرفض الهوية الفرنسية والأوروبية" ويتقوقع على هوية أخرى، ليصبح "عدواً لبلاده التي وُلد فيها"، وفق ما يشير الكاتب السياسي المقيم في باريس شيار خليل.
يقول خليل لـ (حفريات): إنّ قرار السلطات الفرنسية إغلاق معهد "الفلك" في ضاحية أنتوني جنوب باريس لا يمكن النظر إليه بوصفه تضييقًا على الحريات، بل كخطوة منطقية ضمن مسار طويل من محاولات الدولة الفرنسية حماية نموذجها الجمهوري من الاختراق الإيديولوجي الذي تمارسه جماعات الإسلام السياسي.
فالقرار جاء بعد تحذيرات متكررة وتقارير أمنية ورقابية كشفت عن أنشطة تتجاوز الإطار الثقافي إلى خطاب سياسي ودعوي يحمل سمات الانغلاق والتحريض، وهو ما يتعارض مع القانون الفرنسي الذي يمنع تحويل المؤسسات التعليمية أو الثقافية إلى أدوات لنشر الإيديولوجيا الدينية أو الكراهية.
ويشير إلى أنّ ما فعلته باريس هو ببساطة تطبيق لمبدأ "الحصانة الصفرية" أمام الفكر المتطرف: أي أنّه لا قداسة لأيّ مركز أو جمعية أو مؤسسة إذا استُخدمت ستاراً لمشروع انفصالي أو عقائدي يهدد التعايش. ومن المهم الإشارة إلى أنّ فرنسا، التي دفعت ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب خلال السنوات الماضية، قد أدركت أنّ المعركة الفكرية لا تقلّ أهمية عن الأمنية. فالإرهاب لا يبدأ من السلاح، بل من "الكلمة والمنبر والفكرة التي تزرع الشك في الدولة وتفكك الولاء لها"، ومن هنا جاء القانون الذي يمنح السلطات صلاحيات استباقية لإغلاق المراكز المشبوهة قبل أن تتحول إلى بؤر تعبئة فكرية.
كما أنّ هذه الخطوة تُعبّر عن وعي سياسي متقدّم في فهم ظاهرة "الإسلام السياسي"، بوصفها ليست مجرد ممارسة دينية، بل هي مشروع نفوذ متكامل يسعى لبناء مجتمعات موازية. والنجاح الحقيقي لأيّ دولة ديمقراطية هو أن تضع حدوداً واضحةً بين حرية الاعتقاد وبين استغلال الدين لتقويض النظام العام.
ولذلك، فإنّ إغلاق معهد "الفلك" لا يستهدف الإسلام كدين، بل الفكر الإخواني كمنهج سياسي يتسلل عبر الشعارات الدينية إلى داخل البنى الاجتماعية، فيسحبها تدريجياً من دائرة الدولة إلى دائرة "الولاء للجماعة".
ويختتم خليل حديثه قائلاً: إنّ فرنسا، بهذا القرار، لا تُقصي أحداً، بل تُعيد ضبط العلاقة بين الدين والدولة على قاعدة المواطنة الواحدة والمساواة أمام القانون. وهي بذلك تُرسل رسالة حازمة مفادها: أنّ الحرية في الجمهورية لا تعني الفوضى، وأنّ من يريد العمل الثقافي أو الدعوي عليه أن يلتزم بالقانون لا أن يتحايل عليه. هذا الحزم هو ما تحتاجه أوروبا اليوم في وجه تصاعد الخطابات الانعزالية، لأنّ التهاون مع الفكر المتطرف هو في حقيقته تهاون مع مستقبل التعددية والعيش المشترك. ومن ثم، فإنّ قرار باريس ليس خطوة أمنية فحسب، بل هو إعلان إرادة سياسية لحماية هوية الجمهورية من التآكل البطيء باسم التسامح.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)