إخوان اليمن ونهج الفوضى... (تعز) نموذج لفشل المشروع الإخواني

إخوان اليمن ونهج الفوضى... (تعز) نموذج لفشل المشروع الإخواني

إخوان اليمن ونهج الفوضى... (تعز) نموذج لفشل المشروع الإخواني


23/10/2025

تشهد محافظة تعز اليمنية موجة جديدة من الانفلات الأمني الخطير، بعد حادثة مسلحة وقعت داخل مدرسة حكومية في مديرية جبل حبشي، ممّا أعاد إلى الواجهة الاتهامات الموجهة إلى حزب الإصلاح، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، بالوقوف وراء حالة الفوضى التي تضرب المدينة منذ أعوام.

ففي حادثة أثارت غضباً واسعاً، اقتحم مسلحون يقودهم المطلوب أمنيّاً هدام السوائي مدرسة مصعب بن عمير أثناء الدوام الرسمي، وأطلقوا النار داخل فصولها وساحاتها بشكل عشوائي، ممّا أدى إلى إصابة عدد من الأطفال وإصابة بعض المعلمين بحالات هلع شديدة. ووصف شهود العيان المشهد بالفوضوي والمروّع، إذ عمّت حالة من الذعر بين مئات الطلاب الذين حاولوا الاحتماء داخل الفصول أو الهروب من النوافذ.

انهيار أمني متفاقم

الحادثة لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق سلسلة من الاعتداءات والانفلاتات الأمنية التي تشهدها مناطق سيطرة حزب الإصلاح، حيث تتكرر الحوادث المسلحة وعمليات التصفية بشكل شبه يومي دون أن تتمكن السلطات المحلية من فرض النظام أو محاسبة المتورطين. ويرى مراقبون أنّ ما حدث في جبل حبشي ليس سوى انعكاس مباشر لتدهور المنظومة الأمنية، في ظل ما يصفه السكان بسيطرة الحكم الحزبي على مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.

مصادر محلية تحدثت لموقع (الخلاصة نت) أكدت أنّ المهاجمين ينتمون إلى تشكيلات مسلحة تدين بالولاء لقيادات نافذة في حزب الإصلاح، وأنّ تحركاتهم تتم بتغطية غير معلنة من شخصيات داخل المحور العسكري بتعز. وتشير هذه المصادر إلى أنّ الأجهزة الأمنية فقدت السيطرة على مناطق واسعة بسبب تضارب الأوامر وتعدد مراكز النفوذ داخل السلطة المحلية.

في أعقاب الحادث تصاعد الغضب الشعبي في مديرية جبل حبشي، حيث خرجت أصوات من الأهالي تتهم صراحةً قائد المحور العسكري في تعز، خالد فاضل، بالتقاعس عن ملاحقة الجناة وحماية المطلوبين المقربين منه. واعتبر المحتجون أنّ استمرار التغطية على المطلوبين يمثل تواطؤاً رسمياً يسهم في تكريس الفوضى، خاصة أنّ فاضل سبق أن وُجهت إليه اتهامات بالتستر على شقيقه فاروق فاضل المتورط في جريمة قتل المواطن محمد الراشدي.

ويؤكد مواطنون من أبناء المنطقة أنّ الجهات الأمنية لم تتحرك إلا بعد ضغوط واسعة من الأهالي ومنظمات محلية، حيث جرى تنفيذ حملة محدودة أسفرت عن اعتقال ثلاثة من المشاركين في الاعتداء، بينما ما يزال المتهم الرئيسي هارباً برفقة عدد من معاونيه. ووفقاً لمصادر أمنية فإنّ تلك الحملات غالباً ما تتوقف عند حدود شكلية، دون المساس بالمحركين الحقيقيين وراء أعمال العنف.

حزب الإصلاح في دائرة الاتهام

تربط تقارير حقوقية بين تصاعد الفوضى في تعز وبين النفوذ الذي يمارسه حزب الإصلاح داخل مؤسسات الدولة، لا سيّما في الجانب الأمني والعسكري. وتقول مصادر محلية إنّ الحزب استغل موقعه داخل السلطة الشرعية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يخدم مصالحه التنظيمية، وهو ما أدى إلى تفريغ المؤسسات من مضمونها المهني وتحويلها إلى أدوات بيد قيادات حزبية.

ويرى محللون أنّ هذه السيطرة خلقت بيئة مثالية لتنامي الجريمة والانفلات، خصوصاً في المديريات الريفية التي أصبحت ملاذاً آمناً للمطلوبين والمسلحين الخارجين عن القانون. كما أنّ تعيين شخصيات محسوبة على الحزب في مواقع حساسة داخل الأجهزة الأمنية أسهم في تعطيل عمليات المحاسبة والملاحقة، وهو ما شجّع على تكرار الجرائم من دون رادع فعلي.

الشارع في تعز لم يعد يحتمل، وفق تعبير عدد من الناشطين، استمرار هذه الفوضى التي تحوّلت إلى ظاهرة يومية تهدد حياة المدنيين. وتداولت صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لأطفال أصيبوا في الهجوم الأخير، وسط موجة من الغضب والاستنكار الشعبي. وطالب المواطنون بفرض هيبة الدولة وإنهاء سيطرة الحزب على القرار الأمني، مؤكدين أنّ السكوت عن هذه الممارسات بات يمثل تهديداً وجودياً للنسيج الاجتماعي والأمن المحلي.

في المقابل، اكتفى مسؤولو حزب الإصلاح ببيانات عامة تتحدث عن رفض العنف، دون الإشارة إلى خلفيات الحادثة أو اتخاذ خطوات ملموسة لمحاسبة المنتمين إلى الحزب المتورطين في الأحداث. ويرى مراقبون أنّ هذا الصمت يُعبّر عن محاولة لاحتواء الأزمة وتجنب انكشاف حجم الاختراق داخل الأجهزة الرسمية.

تراجع حاد في شعبية الإخوان

تاريخياً، تُعدّ محافظة تعز من أهم المعاقل السياسية والفكرية لحزب الإصلاح، غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحولات كبيرة، مع تراجع شعبية الحزب بسبب ما اعتبره السكان فشلاً في إدارة الملفات الأمنية والخدمية. ومع تصاعد الصراع المسلح داخل المدينة، باتت المحافظة نموذجاً للفوضى التي تنتجها الحروب الإيديولوجية عندما تُغلّب المصالح التنظيمية على المصلحة العامة.

ويرى الباحث اليمني عبد الرحمن الشيباني أنّ ما يحدث في تعز يمثل نتيجة طبيعية لهيمنة فصيل سياسي على أجهزة الدولة، مشيراً إلى أنّ حزب الإصلاح استثمر في حالة الحرب لإحكام قبضته على مؤسسات الأمن، لكنّه لم ينجح في تحويل هذا النفوذ إلى استقرار فعلي أو خدمات ملموسة. ويضيف الشيباني أنّ الأحداث الأخيرة كشفت فشل المشروع الإخواني في إدارة المناطق التي يسيطر عليها، وأظهرت أنّ أولوياته تتركز على حماية كوادره لا حماية المواطنين.

وحتى الآن لم يصدر عن الحكومة اليمنية أو وزارة الداخلية بيان واضح يوضح ملابسات الحادثة أو يحدد المسؤوليات. هذا الغياب الرسمي زاد من حدة الشكوك حول مدى قدرة الدولة على بسط نفوذها في تعز، خاصة في ظل ما يُعرف بازدواجية القرار الأمني بين السلطة المحلية والمحور العسكري الذي يتحكم به حزب الإصلاح فعلياً.

ويُحذّر خبراء أمنيون من أنّ استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى فقدان الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وهو ما قد يفتح الباب أمام جماعات أخرى لملء الفراغ، سواء كانت ذات طابع ديني متشدد أو مصالح اقتصادية مافيوية.

في ضوء التطورات الأخيرة تزايدت الدعوات المحلية والدولية لإعادة النظر في هيكلة الأجهزة الأمنية بمحافظة تعز، وفصلها عن أيّ نفوذ حزبي. وأكدت منظمات مجتمع مدني أنّ استمرار الأوضاع الحالية ينذر بمزيد من الانقسامات والاقتتال الداخلي، مطالبةً بإنشاء لجان محايدة تشرف على التحقيق في الحوادث الأخيرة وتقديم الجناة للعدالة.

ودعا الناشطون إلى تدخل رئاسي مباشر لإقالة القيادات العسكرية المتهمة بالتواطؤ أو التقصير، معتبرين أنّ أيّ تسوية سياسية مستقبلية في اليمن لن تكون ذات معنى ما لم يُحسم ملف الفوضى في تعز، التي تمثل رمزاً للمأساة الإنسانية الناتجة عن استغلال الدين في الصراع السياسي.

وتجمع المؤشرات على أنّ ما تشهده تعز اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة لسياسات حزب الإصلاح، الذي فشل في تحقيق الأمن والتنمية في المناطق التي سيطر عليها منذ سنوات. فبينما ترفع قياداته شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، يعيش المواطنون في واقع يومي من الفوضى والسلاح والعنف.

ويخلص محللون إلى أنّ حادثة مدرسة مصعب بن عمير ليست مجرد اعتداء فردي، بل تمثل تجسيداً لفشل مشروع سياسي استخدم الدين كغطاء، وفقد السيطرة على أتباعه، تاركاً خلفه مجتمعاً مفككاً ومؤسسات متهالكة. ويبدو أنّ هذه الأزمة مرشحة للتفاقم ما لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية لفصل الأجهزة الأمنية عن النفوذ الحزبي، ووضع حدّ لسياسات التغطية والتبرير التي أصبحت سمة متكررة في إدارة حزب الإصلاح للمشهد في تعز.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية