الإخوان المسلمون في بلجيكا... بين الاختراق الناعم والمواجهة السياسية

الإخوان المسلمون في بلجيكا... بين الاختراق الناعم والمواجهة السياسية

الإخوان المسلمون في بلجيكا... بين الاختراق الناعم والمواجهة السياسية


18/09/2025

بات خطر جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا موضع نقاش متصاعد، وسط تنامي القلق من قدرتها على التغلغل في المؤسسات المدنية، واستغلال القوانين التي تكفل الحريات الفردية والجماعية لتوسيع نفوذها. وفي بلجيكا تحديداً يطفو هذا النقاش إلى السطح بشكل دوري، بحكم حساسية البلاد كونها مقر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وما تحمله من رمزية سياسية وأمنية. 

في هذا السياق، أثار إعلان حزب "الحركة الإصلاحية" (MR) عن تنظيم مؤتمر بعنوان: "الإخوان المسلمون: خطر على بلجيكا" ضجة واسعة، باعتباره أول محاولة حزبية بارزة لتناول الموضوع بشكل مباشر على الساحة السياسية البلجيكية.

غير أنّ النقاش لا يقتصر على الفعاليات السياسية وحدها، بل يحظى أيضاً بعمق أكاديمي، كما تكشف دراسة حديثة أصدرها مركز (تريندز) للبحوث بعنوان: "التجربة البلجيكية في التعاطي مع جماعة الإخوان المسلمين" للباحث الدكتور إبراهيم ليتوس، المدير العام للأكاديمية الأوروبية للتنمية والبحث (EDARA).

 تقدّم الدراسة قراءة معمقة لآليات اختراق الجماعة للمجتمع البلجيكي، وكيفية توظيفها للنصوص الدستورية والقانونية لشرعنة وجودها، وتطرح تساؤلات حول جدوى السياسات الحالية في الحد من هذا النفوذ.

الإخوان واستغلال الحريات الدستورية في بلجيكا

تشير دراسة الدكتور إبراهيم ليتوس إلى أنّ جماعة الإخوان المسلمين، كسائر الحركات الإسلاموية، غالباً ما تبحث عن المشروعية السياسية والقانونية داخل الدول الأوروبية عبر استغلال الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور.

 

من أبرز مخرجات الدراسة أنّ الإخوان يواجهون الخطاب السياسي العلماني في بلجيكا وأوروبا عبر تأسيس "رؤى منغلقة وذات طابع شمولي"، تقوم على فكرة الحق المطلق مقابل الباطل. هذا الطرح يجعل الجماعة على تناقض جوهري مع قيم التعددية والديمقراطية التي تقوم عليها المجتمعات الأوروبية.

 

 ففي بلجيكا تنص المادة (26) من الدستور على حرية التجمع، وتنص المادة (27) على حرية تكوين الجمعيات. وتعتبر هذه المواد أرضية مثالية للجماعة لتأسيس الجمعيات والمراكز التي تُسوّق من خلالها لأفكارها وتبني شبكات نفوذها.

وبحسب الدراسة، فإنّ الإخوان لا يقدّمون أنفسهم كـ "تنظيم"، بقدر ما يحرصون على الظهور كـ "حركة اجتماعية"، وهو ما يمنحهم مساحة للمناورة بين العمل الدعوي، والأنشطة الثقافية، والخدمات الاجتماعية. هذه الاستراتيجية تمنحهم القدرة على التغلغل التدريجي في النسيج البلجيكي، خاصة بين أبناء الجاليات المسلمة الباحثين عن هوية أو انتماء في مجتمع متعدد الثقافات.

من الاعتراف إلى التسلل... مسارات الاختراق

يوضح ليتوس أنّ الجماعات الإسلاموية، ومنها الإخوان، تسلك في أوروبا مساراً طويلاً ومعقداً بين البحث عن الاعتراف القانوني والسياسي وبين التسلل إلى مؤسسات المجتمع. فالبداية غالباً ما تكون بتأسيس جمعيات خيرية أو ثقافية، ثم الانتقال إلى بناء شبكات نفوذ اقتصادية وتعليمية، وصولاً إلى محاولات التأثير على الساحة السياسية المحلية.

وتشير الدراسة إلى أنّ هذه الجماعات تتحسس باستمرار المسارات التي تتيح لها إيجاد "موطئ قدم آمن" داخل أوروبا، وهو ما يجعلها قادرة على التكيف مع الضغوط السياسية أو الأمنية. ففي حال اشتدت الرقابة، تلجأ إلى خطاب أكثر اعتدالاً، وإن فُتح المجال أمامها، فإنّها توسع من حضورها السياسي والاجتماعي.

هذا السلوك "البراغماتي" هو ما يجعل مراقبة الجماعة أكثر صعوبة، إذ تتحرك ضمن المناطق الرمادية، حيث يصعب إثبات ارتباط مباشر بين أنشطتها "المدنية" وأهدافها الإيديولوجية.

التحدي للخطاب العلماني الأوروبي

من أبرز مخرجات الدراسة أنّ الإخوان يواجهون الخطاب السياسي العلماني في بلجيكا وأوروبا عبر تأسيس "رؤى منغلقة وذات طابع شمولي"، تقوم على فكرة الحق المطلق مقابل الباطل. هذا الطرح يجعل الجماعة على تناقض جوهري مع قيم التعددية والديمقراطية التي تقوم عليها المجتمعات الأوروبية.

 

إذا كانت فرنسا قد اتخذت خطوات صارمة عبر قانون مكافحة "الانفصالية الإسلامية"، وألمانيا تراقب نحو (1450) عضواً مرتبطاً بالإخوان، فإنّ بلجيكا ما تزال في طور البحث عن استراتيجية واضحة. ومن هنا تبرز أهمية المزج بين البُعد السياسي الذي يمثله مؤتمر حزب MR، والبُعد الأكاديمي الذي تعكسه دراسة مركز (تريندز)، لبلورة رؤية أكثر شمولاً لمواجهة هذا التحدي.

 

ويرى ليتوس أنّ هذه الإشكالية لم تعد مجرد قضية "مزج بين الدين والسياسة"، بل أصبحت حالة أعمق من "تسييس الدين" و"تديين السياسة". ففي حين ينظر الغرب إلى الدين كعنصر روحي أو ثقافي، تحوّله الجماعات الإسلاموية إلى مشروع سياسي بديل، ممّا يفتح الباب أمام توترات داخلية ومخاوف أمنية.

المؤتمر السياسي... كسر حاجز الصمت

في هذا المناخ جاء إعلان حزب "الحركة الإصلاحية" عن تنظيم مؤتمر حول خطر الإخوان ليشكّل منعطفاً في النقاش البلجيكي. ورغم الضغوط التي مورست لإلغاء المؤتمر، أصر الحزب بقيادة جورج-لويس بوشي على المضي قُدماً، بل نقل الفعالية إلى قاعة أكبر، وأدخل شخصيات أكاديمية وصحفية بارزة مثل الباحثة الفرنسية فلورنس بيرجو بلاكليه والصحفي محمد سيفاوي.

المؤتمر لم يكن مجرد حدث حزبي، بل حمل رسالة أوسع بأنّ النخب السياسية البلجيكية لم تعد راغبة في ترك هذا الملف حكراً على النقاشات الأمنية أو الأكاديمية، وإنّما تسعى إلى طرحه أمام الرأي العام كقضية مرتبطة مباشرة بأمن المجتمع وقيمه العلمانية.

بلجيكا في قلب المعادلة الأوروبية

أهمية الملف تتجاوز حدود بلجيكا باعتبارها مقر مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وأيّ اختراق إخواني في البلاد يمكن أن تكون له تداعيات إقليمية، خاصة في ظل تنامي ظاهرة "المجتمعات الموازية" في بعض المدن الأوروبية.

وإذا كانت فرنسا قد اتخذت خطوات صارمة عبر قانون مكافحة "الانفصالية الإسلامية"، وألمانيا تراقب نحو (1450) عضواً مرتبطاً بالإخوان، فإنّ بلجيكا ما تزال في طور البحث عن استراتيجية واضحة. ومن هنا تبرز أهمية المزج بين البُعد السياسي الذي يمثله مؤتمر حزب MR، والبُعد الأكاديمي الذي تعكسه دراسة مركز (تريندز)، لبلورة رؤية أكثر شمولاً لمواجهة هذا التحدي.

بين الاندماج والتغلغل... معضلة أوروبية

تلفت دراسة ليتوس إلى أنّ الإخوان يتبنّون خطاباً مزدوجاً تجاه فكرة الاندماج: فمن جهة يسعون لتقديم أنفسهم كجزء من النسيج الأوروبي، ومن جهة أخرى يصرون على الحفاظ على هوية موازية تعزز نفوذهم الداخلي. هذه المفارقة تجعل من الصعب على الحكومات الأوروبية التمييز بين الاندماج الحقيقي وبين التغلغل الإيديولوجي.

وفي هذا السياق يقترح بعض الباحثين تعزيز آليات الشفافية في التمويل، وتشديد الرقابة على الجمعيات الدينية، مع تعزيز قيم المواطنة والاندماج التي تقوم على الولاء للدولة والقانون، لا للجماعة أو المرجعية الإيديولوجية.

ويمثل خطر الإخوان المسلمين في بلجيكا تحدياً مُركّباً يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين السياسي والأمني والأكاديمي. فبينما تكشف دراسة الدكتور إبراهيم ليتوس عن كيفية استغلال الجماعة للثغرات القانونية والدستورية، يسعى حزب "الحركة الإصلاحية" إلى كسر حاجز الصمت السياسي عبر طرح الملف على الرأي العام.

وبين هذين المسارين، يظل التحدي الأكبر أمام بلجيكا وأوروبا عموماً هو إيجاد التوازن بين حماية الحريات التي تقوم عليها المجتمعات الغربية، وبين منع استغلالها لتقويض هذه القيم نفسها. فإذا كان الإخوان قد نجحوا في التسلل عبر خطاب "الاعتدال"، فإنّ المواجهة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأنّ الخطر ليس وهمياً، بل هو مشروع ممنهج يسعى لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية