
يحتاج حسن البنا وتاريخ انتقاله من البحيرة إلى الإسماعيلية، ثم تأسيسه للجماعة في المدينة التي تقع على أحد جوانب الممر المائي لقناة السويس، يحتاج إلى إعادة نظر من جديد، وتفكير في الأسباب المنطقية لهذا الانتقال، والبحث عن العلاقات الأولى للمؤسس، التي كانت من أهم دوافع نشأة الإخوان.
الاتهام بالعلاقة مع يهود مصر
تمّ اتهام حسن البنا في البدايات أنّ له علاقة بالماسونية واليهود، وكان من أبرز من اتهمه بذلك هو عباس محمود العقاد، في مقال له بعنوان "الفتنة الإسرائيلية" عقب اغتيال النقراشي باشا، ذكر فيه أنّ البنا ذو أصول يهودية مغربية، وزاد في كلامه بأن اتهمه أنّه يبطن اليهودية ويتظاهر بالإسلام بغرض إحداث فتنة في المجتمع وتدمير الدول العربية خدمة لإسرائيل. محتجًّا بأنّ جده قيل إنّه من المغرب وسكن في شمشيرة بالبحيرة التي كانت مركزًا لليهود في مصر، وأنّ والده "ساعاتي"، وهي صناعة معروفة لدى اليهود في المغرب.
ويتحدث حسن البنا نفسه في كتابه "مذكرات الدعوة والداعية صفحة 74" أنّه عندما انتقل إلى الإسماعيلية في 16 أيلول (سبتمبر) 1927، سكن حينها مع زميل له في غرفة واحدة في منزل (بنسيون السيدة أم جيمي الإنجليزية)، ثم انتقل منه إلى سكن خاص عند الست "أم شالوم" سادنة الكنيس اليهودي.
لم تأخذ علاقة البنا بالسيدة أم شالوم، وباليهود المصريين في ذلك الوقت مجالًا كبيرًا من البحث، إذ تجاوزها الباحثون إلى أنّه كان له خطبة قال فيها إنّ اليهود وطنهم الأصلي هو فلسطين وليس أيّ مكان آخر، ثم إلى علاقة سيد قطب وأنّه بدأ طريقه مع الجماعة ماسونيًّا، ففي 23 نيسان (أبريل) 1943 نشر مقالاً في صحيفة (التاج المصري)، وهي صحيفة "ماسونية" بعنوان: "لماذا صرت ماسونيًاً؟".
ركّز الباحثون على علاقة البنا ببريطانيا، التي كانت كبيرة وواضحة، ففي كتاب "رهينة في قبضة الخميني" الصادر عام 1981 لمؤلفه الكاتب الأمريكي روبرت دفيس، طرح في طياته ثلاثة أجزاء مهمة عن جماعة الإخوان، أبرزها "الإخوان المسلمون: مكيدة بريطانيا ضد الإسلام"، كاشفًا كيف اعتمدت لندن على دعم الطوائف والجماعات الدينية بهدف التصدي للأفكار التنويرية والعلمية النهضوية وإحلال الفكر الأصولي المتطرف الذي يرفض الحداثة.
وكان التبرع الذي أعطاه الإنجليز للبنا، ومقداره (500) جنيه، قد أخذ حظًا كبيرًا من التناول، وقد سعى وأتباعه لجمع التبرعات إبّان إقامته في الإسماعيلية لإنشاء مسجد يحتوي على مقر للجماعة، وبحسب ما جاء في مذكراته (مذكرات الدعوة والداعية) لم تكن النقود التي جمعوها كافية لإكمال المشروع، وصدف حينها أن مرّ أحد الماركيزات الإنجليز، وكان يرافقه سكرتيره "مسيو بلوم"، أمام المبنى المذكور، وطلب معلومات موجزة عنه وعن القائمين على المشروع، ثم أرسل أحد موظفيه إلى البنا في مقر عمله بالمدرسة الأميرية ليدعوه لمقابلته في مكتبه، وساعتها أعطاه التبرع.
وقد أوردت وثيقة مكتوبة بخط يد عبد الرحمن السندي، أحد مؤسسي النظام الخاص أو "الجناح المسلح" داخل الجماعة، وتم تدوينها في تشرين الأول (أكتوبر) 1948، أنّ لقاءً جمع بين حسن البنا وأليستر كراولي والسندي بأحد الفنادق في مدينة الإسكندرية، وأنّ كراولي "أبدى حبًا شديدًا للبنا، وتحدث عن دور الإخوان المهم في هذه المرحلة"، وأنّ كراولي هو الشخص الذي تبرع لتأسيس الجماعة، بـ (20) ألف جنيه وسيارة، إلا أنّ مؤسس الجماعة رفض السيارة وحصل على المبلغ، الذي أسهم به في بناء مسجد ومقرّ للإخوان.
قضية فلسطين في الطريق
وظلت علاقة البنا والإخوان بشكل عام بالقضية المركزية للعرب، وهي فلسطين، هي سند الجماعة لتبعد عن نفسها الشبهات، خاصة أنّها كانت من ضمن الجيوش العربية التي قاتلت في عام 1948، إلا أننا من زاوية ثانية يمكننا أن نلحظ وبسهولة أنّ الجماعة استغلت فلسطين لجمع التبرعات ولحشد الجماهير وتجنيدهم، دون أن تعارض بريطانيا بشكل قاطع. يقول محمود عبد الحليم في كتابه (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ): "إنّ النقود التي كنّا نجمعها لفلسطين من المساجد والمقاهي والبارات، لم يكن القصد من جمعها إعانة إخواننا المجاهدين الفلسطينيين فهم كانوا من هذه الناحية في غير حاجة إليها".
وبالفعل حشدت الجماعة لحرب 48 وللقتال، وكان كلّ ما تمكّنت من جمعه من المتطوعين من الإخوان ومن مؤيّديهم، (229) عنصرًا، بحسب إحصاءات جامعة الدول العربية، وكانوا تحت قيادة أحمد عبد العزيز، ثم وصلوا إلى (798) عضوًا، رغم أنّ الجناح السرّي بقيادة عبد الرحمن السندي كان عدده بالآلاف. يقول كامل الشريف في كتابه "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين": "كانت أول معركة يشترك فيها الإخوان "كفار ديروم"، وهي وإن كانت صغيرة الحجم إلا أنّها كانت محصنة، في صباح 14 نيسان (أبريل) 1948، ففشلت المحاولة، وفهموا أنّهم لن ينجحوا إلا في حرب العصابات، دون التعرض للمستعمرات"، وبعدها قررت الجماعة التراجع والعودة النهائية.
وكانت أعمال الجماعة دافعًا كبيرًا لهجرة عدد كبير من الجاليات اليهودية إلى فلسطين، على سبيل المثال، المنظمة الصهيونية التي كانت في هذه الفترة تسعى لتهجير الأقليات اليهودية من العالم العربي إلى فلسطين، وأسهمت الجماعة في هذه العملية باليمن، إذ إنّ الإمام يحيى بن حميد، حاكم اليمن في ذلك الوقت منع الطائفة اليهودية التي كانت تقدّر بـ (55) ألف يهودي من الهجرة، لكنّ الإخوان قاموا باغتياله في شباط (فبراير) 1948 تحت مزاعم الثورة، ممّا أسهم في هجرتهم جميعًا.
وظلت الجماعة فيما بعد نشأة إسرائيل تتاجر بالقضية، وترفع شعار الجهاد "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، حيث تجمع الملايين من النقابات، والمعارض، والرحلات، ومن اللقاءات الدينية، ثمّ تستخدمها في نشاطاتها الدعوية والاقتصادية، رغم أنّ أولويّاتها الوصول إلى الحكم وليس تحرير الأرض، وهذا ما كانوا يقولونه في الغرف المغلقة، وهذا ما كشفه الرئيس الفلسطيني "أبو مازن" في حديثه عن الجماعة خلال تولي الحكم في مصر، بأنّ الرئيس السابق محمد مرسي عرض عليهم الحصول على قطعة من سيناء وهم رفضوا، مشيرًا إلى أنّ هذا مشروع إسرائيلي أطلق عليه اسم "جيورا آيلاند" بهدف تصفية القضية الفلسطينية تمامًا، وكانت المفاجأة أنّ مرسي قال له: "وإنت مالك إنت؟ هتاخد أرض وتوسّع غزة".
وتكشف وثيقة عرضها القيادي في الجماعة، عصام تليمة، السرّ وراء تأسيس حركة حماس، وأنّ ذلك جاء من مجموعة إخوانية اعتراضًا على موقف الجماعة من الجهاد في فلسطين، والقرار الذي صدر بمنع اشتراك أيّ عضو في الجماعة في أيّ عمل مسلح ضد إسرائيل، وهو قرار صدر في سنة 1968م.
ومن بنود الوثيقة الكاشفة ما ورد حول القول (إنّ الجهاد فريضة إسلامية واجبة علينا) فهو قول صحيح وسليم، ولكنّه لا يؤخذ على إطلاقه، إذ إنّه يمكن أن تنشب حرب شاملة بيننا وبين عدونا لردّه عن بلادنا ولتحطيم قوته وإبادتها، وأمّا ثاني الأمرين، فهو أنّ العدو قد تغلب على جيوشنا واحتل جزءًا من بلادنا، كما هو واقع فلسطين الآن، فإذا خرجت الجيوش الرسمية من المعركة، والتفت الناس إلى جماعتنا يطالبونها بتحرير الجزء المغتصب متحملين عبء المعركة وحدنا، فإنّ الأمر في هذه الحالة يحتاج إلى دراسة وبحث موضوعي للقضية من جميع جوانبها، فلا بدّ أن نحدد ما المطلوب منا أن نعمله؟ وما طبيعة الميدان الذي سنتحرك فيه؟ وما طبيعة العدو الذي نواجهه؟ وهل نملك من الإمكانات ما يحقق الهدف من أعمالنا؟ ثم ما النتائج العكسية التي قد يجرّها هذا العمل؟
وورد في الوثيقة أسباب اتخاذ الإخوان قرار عدم حمل السلاح ضد إسرائيل، في الوقت الذي يطالبون فيه الأنظمة بالمواجهة واقتحام الحدود، وهي: إنّ طبيعة عدونا تختلف عن طبيعة الاستعمار الذي عرفناه في أيّ قطر من أقطارنا، فهو ليس جيش احتلال فقط بل تتمّ مساعدته من الدول الكبرى في العالم على اختلاف مذاهبها، والعمليات التخريبية المحدودة ضده لن تجعله يرحل عن بلادنا، وثانياً إنّ عدونا في فلسطين لا يخشى الرأي العام العالمي، ولا يشعر بالمسؤولية الدولية، ذلك لأنّه تمكن بعد جهد دائب على مر السنين من جعل الرأي العام العالمي أداة طيعة في يده، يوفر له الحماية والتأييد بدلًا من الوقوف في وجه مطامعه، وثالثاً إنّ الدول العربية المحيطة بإسرائيل دول ضعيفة ولا تستطيع الصمود أمام العدو لأكثر من ساعات محدودة، وهذا أمر معروف للجميع، والعمل المتسرع يعطي العدو مبررات اجتياح أراضٍ جديدة، وإنّ الذين يطالبوننا بالعمل المسلح الآن يريدون منا أن نستنفد قوتنا داخل فلسطين.
الخلاصة أنّ هذه الوقفات مع علاقة البنا بوجه خاص والجماعة بشكل عام تحتاج إلى مزيد من البحث والتحري، لأنّ ذلك سيفسّر لنا كثيرًا من القرارات والأفعال التي يتخذها الإخوان، مثل حصار السفارات العربية وترك الإسرائيلية.













![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/df7b21c6-2c34-41f6-818c-b305e51aae4b.png.webp?itok=z8QoLTX3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B4%D9%82_3_0_1_0_0_0_2.jpg.webp?itok=q3WAf0sR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=xC3mf9Aj)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)