
لم يتخيل المُسنّ صبحي نصر (69) عامًا، الذي نزح من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، أنّ نهاية رحلته مع الحياة ستبدأ في مقبرة، وهو ما يزال على قيد الحياة.
يقول نصر: "نجونا من الموت، فوجدنا أنفسنا نعيش فيه"، وهو يشير إلى خيمته التي نُصبت فوق قبر قديم بداخل مقبرة الشيخ شعبان وسط مدينة غزة.
نجونا من الموت فوجدنا أنفسنا نعيش فيه في خيام فوق القبور حيث لا شيء يحمينا لا جدران ولا سقف ولا حتى العالم
وأفادت وكالة الأمم المتحدة، في منشور لها عبر منصة (إكس)، بأنّ (9) من كل (10) أشخاص في غزة، التي يبلغ عدد سكانها نحو (2.3) مليون نسمة، نزحوا قسرًا.
وأضافت أنّ العائلات النازحة تبحث عن مأوى أينما تستطيع، سواء في المدارس المكتظة، أو المباني المدمرة، أو الخيام المتواضعة على الرمال، أو وسط أكوام القمامة.
وأكدت أنّ أيًّا من تلك الأماكن ليس آمنًا، ولم يعد لدى الناس مكان يذهبون إليه.
الموت يطاردهم في كل مكان
يقول نصر: "هنا لا نخاف من الموتى، بل من الطائرات، وعندما يهدأ القصف قليلًا نسمع أنين الناس في الخيام المجاورة، لا أحد ينام، لا أحد يرتاح، حتى الموتى ربما لا يرتاحون."
ويتابع: "هربنا من الموت لنجد أنفسنا وسط الأموات، فالقبور على الأقل لا تقصف، وحالنا كحال الآلاف من النازحين، لا نملك أيّ شيء، لا نملك فرشًا للنوم، ولا طعامًا كافيًا، ولا دورة مياه."
في غزة لا أحد ينام لا أحد يرتاح حتى الموتى ربما لا يرتاحون وحدها المقابر صارت المأوى الوحيد للنازحين من جحيم الحرب
ويوضح نصر: "نغتسل بمياه البحر، وغالبًا ننام جياعًا، وأحيانًا نأكل الخبز الجاف فقط، والأوضاع المعيشية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، ولا حلول في الأفق، والمعاناة تتزايد والمشهد يزداد قتامة."
ويضيف: "حتى في المقابر لم نسلم من الخطر، قبل أيام سقطت شظايا قذيفة إسرائيلية على المقبرة، أصيب طفلان كانا يلهوان بجوار أحد القبور."
ويؤكد المُسنّ الفلسطيني: "في كل مكان يقولون إنّ القبر نهاية الحياة، لكننا هنا نعيش بداياتنا الجديدة في القبور، وها نحن نُدفن أحياء في مقابر أمواتنا، بينما العالم يكتفي بالمشاهدة."
حي سكني مؤقت
داخل مقبرة الشيخ رضوان بمدينة غزة تجلس الفلسطينية حنان الجمال (42) عامًا، وهي نازحة من حي الشجاعية، بجوار قبر حديث، وتقول: لجأت وعائلتي إلى هذه المقبرة، لأنني لا أملك مكانًا آخر للعيش فيه."
وتوضح: "أعيش وعائلتي بالمقبرة منذ أكثر من (3) أشهر بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي منزلنا بالكامل، ولم يعد لدينا مأوى سوى هذه المقبرة."
هربنا من القصف لنعيش بين الأموات لأن القبور لا تُقصف وصرنا نغتسل بماء البحر ونأكل خبزًا جافًا وننتظر نهاية غير معلومة
وتضيف: "المقبرة تحولت إلى حيّ سكني مؤقت، فبين كل قبرين توجد خيمة صغيرة من القماش والنايلون، وهي لا تحمي ساكنيها من الحر ولا حتى من نظرات الخوف، في حين يعاني أطفالي من الأمراض الجلدية بسبب قلة النظافة، وعدم توفر المياه الصالحة للاستحمام."
وتؤكد الجمال: "أحرق الورق والنايلون لطهو العدس، لا يوجد غاز ولا كهرباء، لا أحد يهتم بنا، كأننا لم نعد من الأحياء."
وتتابع: "ابني الصغير يسألني كل يوم: لماذا نحن نعيش هنا؟ ولا أستطيع الرد عليه، وخلال الليل نسمع أصوات صراخ وبكاء، ليس من القبور، بل من الأطفال الذين يخافون من الظلام."
وتأمل الجمال أن تنتهي الحرب قريبًا، وتفضل العيش فوق ركام منزلها على العيش في داخل هذه المقبرة.
ظلال الموتى ملاذ للأحياء
يسرا بنات (35) عامًا، أم لـ (4) أطفال، كانت تقيم في حي الزيتون قبل أن تقصف شقتها وتحترق بالكامل، وجدت نفسها مضطرة للهرب مع أولادها سيرًا على الأقدام، حتى وصلت إلى مقبرة "تل الهوى" غرب غزة.
تقول: "لم يبقَ مكان يستوعب الناس، لا مستشفيات ولا مدارس ، فاضطررت للعيش بداخل المقبرة، ولم يعد هناك فرق بين من مات بالقصف، ومن ينتظر دوره هنا."
وتضيف: "نفتقر لأدنى مقومات الحياة، لا مياه نظيفة، ولا حمّامات، وتراكمت القمامة، وانتشرت الحشرات، وباتت الأمراض الجلدية ظاهرة تصيب غالبية الأطفال والبالغين."
المقابر لم تعد مكانًا للموتى فقط بل تحولت إلى أحياء سكنية مؤقتة حيث الأطفال ينامون بجوار القبور في خوف وصمت دائم
وتوضح بنات: "العيش بالمقابر بات واقعًا حيًّا في غزة، إنّه واقع يخبرنا بأنّ الغزي لم يعد يبحث عن الحياة الكريمة، بل فقط عن موضع آمن ينام فيه دون قصف، ولو كان هذا الموضع قبرًا."
وتتابع: "كل ليلة يسألني أولادي: من ينام تحتنا؟ هل سيخرجون من القبور؟ أحاول دومًا نزع الخوف منهم، وبث الطمأنينة في قلوبهم."
في غزة لم يعد هناك فرق بين من مات بالقصف ومن ينتظر دوره داخل خيمة بين قبرين تحت سماء مشتعلة وواقع لا يُحتمل
وتؤكد: "مع استمرار الحرب نقضي يومنا في البحث عن الطعام أو الخبز، كأننا أموات نمشي، لا نملك شيئًا، فقط نعدّ الأيام حتى تنتهي هذه الحرب أو تنتهي حياتنا."
صحة نفسية مدمرة ومعاناة يومية
ترى الإخصائية النفسية غادة الشرفا أنّ "العديد من الأطفال يعانون من نوبات هلع وقلق دائم، وأنّ عددًا كبيرًا من النساء والأطفال يعانون من اكتئاب حاد."
وتقول الشرفا: "الظروف المعيشية في المقابر تشكّل خطرًا كبيرًا على الصحة الجسدية والنفسية، ولا سيّما في غياب أيّ خدمات أساسية مثل المياه، والصرف الصحي، والكهرباء."
نحرق الورق لطهو العدس لا غاز ولا كهرباء والأطفال يبكون في الظلام ليس من الأشباح بل من الجوع والخوف والبرد والانكسار
وتضيف: "السكن بجوار المقابر أو داخلها ليس مجرد انتهاك للكرامة الإنسانية، بل هو اعتداء مباشر على الصحة النفسية، خصوصًا للأطفال والنساء."
وتوضح الشرفا: "وجود الإنسان لفترات طويلة في بيئة مليئة برموز الموت والدفن، كالمقابر المفتوحة أو محيطها، يؤدي إلى اضطرابات نفسية عميقة مثل اضطراب الكرب الحاد، ونوبات الهلع، والقلق المزمن، إضافة إلى الاكتئاب المعقد المرتبط بالبيئة".
وتشرح: "أكثر الفئات تضررًا هو الطفل الذي ينشأ في مكان يرى فيه الجنائز يوميًا، ويسمع أصوات البكاء والحزن، ويمشي بين القبور ليصل إلى خيمته، والذي سيكون لديه إدراك مشوش عن مفهوم الحياة والموت، ويفقد الإحساس بالأمان أو الانتماء، فهذه تجربة قاسية ستؤثر على نموه النفسي والعاطفي لعقود".
الطفل في المقبرة لا يرى الألعاب بل القبور لا يسمع القصص بل الصراخ ويمشي بين الأموات ليصل إلى خيمته تحت ظل الأسى
وتؤكد الشرفا: "هذه ليست بيئة مؤقتة، بل كارثة نفسية متراكمة، حين يعود الناس من هذه المقابر إلى الحياة سيحملون معهم صدمات لن تشفى بسهولة، إن شفيت أصلًا".
ومنذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 تشنّ إسرائيل بدعم أمريكي مطلق حربًا مدمرة على غزة، أسفرت عن أكثر من (58895) قتيلًا، وإصابة أكثر من (140980) فلسطينيًا، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على (10) آلاف مفقود.
وتواصل تل أبيب الحرب متجاهلة قرار مجلس الأمن الدولي بوقفها فورًا، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير لمنع أعمال الإبادة الجماعية، ولتحسين الوضع الإنساني الكارثي بغزة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_187.jpg.webp?itok=QAnixC-j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
