المفقودون في غزة... آلاف العائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها

المفقودون في غزة... آلاف العائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها

المفقودون في غزة... آلاف العائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها


20/07/2025

منذ الاجتياح الإسرائيلي لمدينة رفح جنوب قطاع غزة في أيار (مايو) 2024، ما يزال الفلسطيني خليل عابد لا يعرف مصير ابنه "براء" (21 عامًا)، الذي فُقد خلال نزوحه وعائلته من حي الشابورة شرق رفح إلى منطقة المواصي غربًا.
يقول عابد (46 عامًا): "غادرنا سيرًا على الأقدام في ساعات الليل المتأخرة وسط ظلام دامس، دون ملابس أو أغطية، هاربين من الموت أو الاعتقال، بعد أن اقترب الجنود الإسرائيليون والدبابات من منزلنا".

منذ اجتياح رفح في مايو 2024، ما يزال الفلسطيني خليل عابد يجهل مصير ابنه براء الذي فُقد خلال النزوح غرباً.

 

ووفقًا لتقديرات المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإنّ أكثر من (13) ألف فلسطيني إمّا مفقودون تحت الركام، وإمّا مدفونون في مقابر جماعية، وإمّا تعرضوا للاختفاء القسري في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، وقد قُتل بعضهم داخل هذه المعتقلات.
وأفادت دراسة بحثية نشرتها مجلة (ذا لانسيت الطبية) أنّ عدد القتلى في غزة خلال الأشهر الـ (9) الأولى من الحرب بين إسرائيل وحماس يزيد بنحو 40% عن الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة في القطاع، فقد قدرت الدراسة عدد القتلى بنحو (64,260)، أي أكثر بـ41% من الإحصاءات الرسمية لتلك الفترة.

يقول خليل عابد: "غادرنا ليلاً سيرًا على الأقدام هاربين من الموت أو الاعتقال، وبعدها تفرّقنا، ولم أعثر على براء حتى اليوم".

 

في حين قدّرت منظمة "أنقذوا الأطفال" أنّ نحو (21) ألف طفل مفقودون وسط فوضى الحرب في غزة، والعديد منهم تحت الأنقاض، أو معتقلون، أو مدفونون في مقابر مجهولة، أو انفصلوا عن أسرهم، ويُعتقد أنّ (17) ألف طفل على الأقل هم إمّا غير مصحوبين وإمّا منفصلون عن عائلاتهم، وحوالي (4) آلاف طفل يُرجّح أنّهم تحت الأنقاض، وهناك عدد غير معروف قد يكون مدفونًا في مقابر جماعية، وسط تقارير عن اختفاء قسري لعدد غير معروف من الأطفال.
مصير مجهول 
يقول عابد: "تفرّقنا كعائلة من شدة الخوف، وفي صباح اليوم التالي تمكّنا من العثور على بعضنا البعض، لكنّ براء بقي مفقودًا، وانقطع الاتصال به حتى اليوم".
ويضيف: "بدأت رحلة جنونية للبحث عنه، وتواصلت عدة مرات مع الصليب الأحمر، وذهبت بشكل شبه يومي إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس لتفقد الجرحى والموتى في المشرحة، دون جدوى".

تقدّر منظمة "أنقذوا الأطفال" أن (21) ألف طفل مفقودون في غزة، بعضهم تحت الأنقاض، وبعضهم معتقلون أو مدفونون في مقابر مجهولة.

 

ويتابع: "ذهبت أيضًا إلى الأسواق والمخابز المزدحمة، وعلّقت إعلانات كثيرة عن فقدان ابني بالقرب منها، على أمل أن يراه أحد ويتصل بالرقم الموجود".
ويؤكد عابد: "كنت أتوقع على الأقل أن أجد معلومة بسيطة عنه، فاختفاء الإنسان أصعب من موته أو اعتقاله، فحين تكون مفقودًا، لا أحد يعلم عنك شيئًا".
ويوضح: "بعد إعلان وقف إطلاق النار في 19 كانون الثاني (يناير) 2025، انتعش لديّ الأمل بالعثور عليه، حيًا أو ميتًا، واستمر بحثي عنه لأسبوع كامل، لكن بلا نتيجة".

يؤكد خليل عابد أن اختفاء الإنسان أصعب من موته أو اعتقاله، والانتظار بلا إجابة أقسى من أيّ مصير آخر.

 

ويقول عابد بحسرة: "سماع خبر وفاته أهون عليّ من عذاب الانتظار، لا أعلم إن كان حيًا أو ميتًا، هل مزقته الكلاب، أم اعتقلته قوات الاحتلال ونقلته إلى أحد سجونها؟".
لا أثر لهم 
وقد فقدت الفلسطينية يسرى أبو الخير (39 عامًا) زوجها أحمد (41 عامًا) وابنها ياسر (19 عامًا) من حي الشيخ رضوان في غزة خلال اجتياح مجمع الشفاء الطبي في آذار (مارس) 2024، وما تزال تحاول معرفة مصيرهما حتى اليوم. 

الخبير القانوني صلاح عبد العاطي يؤكد أن الإخفاء القسري والمفقودين في غزة جرائم حرب تستوجب محاكمة قادة الاحتلال.

تقول أبو الخير: "كنا لاجئين داخل مستشفى الشفاء بعد القصف العنيف الذي طال منطقتنا، وخلال اجتياح الاحتلال المفاجئ حاصرونا، وطُلب من النساء والأطفال المغادرة، وبقي مصير زوجي وابني مجهولًا". 

وتضيف: "بعد انسحاب القوات الإسرائيلية عدت إلى المكان أبحث عن أيّ معلومة عنهما، لكن دون أيّ نتيجة، لا أعلم إن كانا قُتلا ودُفنا، أو تمّ اعتقالهما، أو نجحا في الفرار".

الدفاع المدني في غزة يؤكد وجود أكثر من (9) آلاف مفقود تحت الأنقاض، جثث البعض تحللت ولم تُنتشل بسبب الحصار.

وتوضح: "منذ اختفائهما لم يرد أيّ خبر عنهما، أعيش قلقًا دائمًا، وأريد فقط معرفة مصيرهما إن كانا قد قتلا، فأين جثتيهما؟ وإن كانا معتقلين، فأين هما؟". وقد تقدمت ببلاغات إلى كافة الجهات المعنية، وسجلت بياناتهما في الرابط الذي أطلقته وزارة الصحة بغزة، لكن دون أيّ فائدة".
وتختم أبو الخير حديثها بالقول: "كلّي أمل أن يعود زوجي وابني أحياء، نحن مدنيون، لا علاقة لنا بأيّ حركات مسلحة، ولسنا مسؤولين عن هذه الإبادة الإسرائيلية".
تكهنات كثيرة
ومنذ 4 شباط (فبراير) 2024 ما يزال مصير الشاب لؤي الخالدي (27 عامًا) مجهولًا، بعدما نزح من حي الزيتون إلى مخيم النصيرات عبر حاجز نتساريم في شارع صلاح الدين.

يقول والد لؤي: "كل الروايات متضاربة، البعض قال إنه معتقل، وآخرون قالوا إنه قُتل، والجهل بالمصير يقتلني كل يوم".

 

يقول والده رسمي الخالدي (53 عامًا): "منذ (11) شهرًا لم أدّخر وسيلة للبحث عن ابني، لكنّ الإمكانيات قليلة وعدد المفقودين كبير".
ويضيف أنّ "أحد أصدقائه الذي كان برفقته قال إنّ جنديًا إسرائيليًا على تلة رملية قرب الحاجز ناداه عبر مكبر الصوت، وطلب منه الاقتراب، ومنذ ذلك الحين لا نعرف عنه شيئًا، وهاتفه مغلق دائمًا". 
ويوضح: "تعددت الروايات حول مصيره، فبعض الأسرى المفرج عنهم من معتقل "سديه تيمان" قالوا إنّه كان هناك، وآخرون قالوا إنّه قُتل عند الحاجز، وحتى الآن لا أعلم هل هو حي أو ميت أو معتقل، وهذا السؤال يقتلني".

لؤي الخالدي فُقد عند حاجز نتساريم بعد مناداته من قبل جندي إسرائيلي، ومنذ ذلك الحين لا أثر له ولا خبر.

 

ويتابع الخالدي: "خلال بحثي التقيت بحالات مشابهة وأصعب لعائلات تبحث دون جدوى، قضية المفقودين تفجّرت بعد وقف إطلاق النار، وعادت إلى الواجهة مرة أخرى بعد عودة الحرب، والجميع ينتظر أيّ خبر عن أحبّائه".
وما يزال الخالدي متمسكًا بأمل عودة ابنه حيًا، مؤمنًا بأنّه على قيد الحياة.
مفقودون تحت أنقاض المنازل 
يقول المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل: "منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، هناك أكثر من (9) آلاف مفقود".

رغم البلاغات المتكررة إلى الجهات المعنية، ما تزال عائلات المفقودين تعيش في قلق دائم وتنتظر أيّ خبر عن أحبّائها.

 

ويضيف: "هؤلاء المفقودون ما يزالون تحت أنقاض منازلهم المدمرة، وقد تحللت جثث البعض، ولم تستطع فرق الدفاع المدني انتشالهم بسبب الحصار وقلة الإمكانيات".
 ويتابع: "سمعت فرق الدفاع المدني عدّة أصوات واستغاثات عالقين تحت الأنقاض، لكنّها لم تتمكن من إنقاذهم لعدم توفر المعدات اللازمة".
ويؤكد أنّ "عناصر الدفاع المدني قد تعرّضوا للقصف أثناء تأدية مهامهم، رغم أنّ القانون الدولي يمنحهم الحماية، وقد استُشهد (100) منهم، واعتُقل (27) عنصرًا".
جريمة حرب 
يؤكد الخبير القانوني ورئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي، أنّ "جرائم الإخفاء القسري والمفقودين تحت الأنقاض بسبب القصف الإسرائيلي الكثيف، وغياب الإمكانيات، تُعدّ جرائم حرب وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي".

يسرى أبو الخير فقدت زوجها وابنها خلال اجتياح مجمع الشفاء الطبي، ولا تعلم هل قُتلا، أم اعتُقلا، أم نجحا بالفرار.

 

وأضاف عبد العاطي: "هذه الجرائم تستوجب محاكمة قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفقًا لمبدأ الولاية القضائية العالمية".
وشدد على أنّ "السلطة الفلسطينية يجب أن تلعب دورًا فاعلًا في إحالة هذه الجرائم، وأيّ تهاون يعتبر خيانة للمفقودين وعائلاتهم".
وأوضح أنّ: "القانون الدولي الإنساني ينص على ضرورة البحث عن المفقودين، واستعادة جثثهم، وإبلاغ عائلاتهم، وتعويضهم عن الأضرار".
وأكّد عبد العاطي أنّ "طرح ملف المفقودين على المستوى الدولي سيُحرّك المجتمع الدولي للقيام بواجباته الأخلاقية والقانونية تجاه الضحايا ومحاسبة الجناة".
وكانت وزارة الصحة في غزة قد أطلقت رابطًا إلكترونيًا لعائلات المفقودين لتسجيل بياناتهم، بهدف توثيق المعلومات اللازمة ضمن سجلات الوزارة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية