
لعل من الضروري الاشتباك مع جملة المعطيات المربكة، التي يشهدها إقليم بلوشستان الواقع في جنوب غرب باكستان، بامتداد جغرافي واسع داخل إيران وأفغانستان، في ضوء المزايحة العسكرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتغير حركة الميليشيات المسلحة والعناصر الإرهابية من تخوم إيران الغربية (العراق وسوريا ولبنان) إلى محيطها الجغرافي الشرقي (باكستان وأفغانستان).
ويشهد الإقليم الذي يُعدّ أكبر أقاليم باكستان مساحةً وأقلها سكانًا، منذ تأسيس دولة باكستان، سلسلة من الاضطرابات والنزعات الانفصالية، حيث يشعر البلوش، وهم المجموعة العرقية الرئيسية في الإقليم، بالاضطهاد السياسي، والاستغلال الاقتصادي. تاريخيًا، كانت بلوشستان قبل الاستعمار البريطاني عبارة عن دويلات قبلية، وعند استقلال الهند البريطانية وقيام باكستان ضُمّت أراضي البلوش إلى باكستان في العام 1948.
إقليم بلوشستان يعيش صراعًا مزمنًا بين حكومة مركزية لا تعرف الرحمة، وحركات تمرد قومية تطالب بالتحرير منذ عقود طويلة.
ومنذ الاستقلال شهد الإقليم عدة هبّات واضطرابات مسلحة، قامت بها قبائل البلوش ضدّ الحكومة المركزية، للمطالبة بمزيد من الحكم الذاتي أو الاستقلال التام. وأبرز تلك الثورات تلك التي جرت في أعوام: 1948، 1958، 1962، وكانت أعنفها على الإطلاق انتفاضة العام 1973، التي قمعتها الحكومة الباكستانية عسكريًا.
واستمر الصراع في بلوشستان بأشكال مختلفة، وصولًا إلى أوائل الألفية الجديدة، حيث تجددت المقاومة المسلحة في العام 2003 بقيادة جماعات متمردة تبنت علنًا هدف استقلال بلوشستان. ومن أبرز هذه الجماعات جيش تحرير بلوشستان (BLA)، وجبهة تحرير بلوشستان (BLF)، وجيش الجمهورية البلوشية (BRA) وغيرها.
يشعر البلوش، وهم السكان الأصليون للإقليم، بأنهم مستَغَلّون اقتصاديًا ومضطهدون سياسيًا، في صراع يتجدد كل عقد بثوب جديد.
وقامت هذه الميليشيات بشن هجمات ضدّ قوات الأمن الباكستانية والمنشآت الحكومية، وكذلك استهدفت مشاريع البنية التحتية الكبرى، بداعي أنّها تخدم الغرباء وليس السكان المحليين، وخاصة مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) وميناء جوادر.
وصعّد المسلحون البلوش عملياتهم في السنوات الأخيرة، مستهدفين مشاريع صينية وعناصر الجيش الباكستاني، بما في ذلك استخدام تكتيكات نوعية كسلسلة التفجيرات المتتابعة، وشن عمليات انتحارية ضدّ أهداف أمنية.
وشهد عام 2024 وحده (302) هجوم مسلح تبنتها فصائل بلوشية، من بينها تفجير محطة قطارات كويته (عاصمة الإقليم) الذي قتل فيه (26) شخصًا.
جماعات التمرد البلوشية، وعلى رأسها جيش تحرير بلوشستان، تستهدف مشاريع الدولة، لا سيما مشروع الممر الاقتصادي الصيني وميناء جوادر.
ودفعت استراتيجية الأرض المحروقة التي اتبعتها القوات الباكستانية ـ من اعتقالات واسعة وإخفاء قسري للكثير من الناشطين البلوش (يقدّرون بالآلاف) ـ إلى تأجيج المشاعر القومية البلوشية، وأشارت تقارير حقوقية عديدة إلى انتهاكات جسيمة تعرّض لها المدنيون البلوش، من قتل وتعذيب وتهجير، في محاولات لإخماد التمرد. وفي المقابل تسببت هجمات المسلحين البلوش في سقوط ضحايا من قوات الأمن ومن المدنيين (خاصة من عمال مشاريع الطرق والطاقة)، الأمر الذي زاد من عزلة الإقليم اقتصاديًا. وبوجه عام، يمكن وصف الوضع في بلوشستان بأنّه حرب منخفضة الشدة، لكنّها طويلة الأمد، بين دولة مصممة على الحفاظ على وحدة أراضيها بالاستخدام المفرط للقوة، وحركة تمرد قومية تقاتل من أجل التحرير.
ظهور تنظيم داعش - خراسان في بلوشستان
في خضم هذا المشهد المضطرب، برز متغير جديد خلال العقد الأخير، تمثّل في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مسرح الأحداث في المنطقة، ومحاولته إيجاد موطئ قدم في باكستان وأفغانستان، بعد سقوط "خلافة" داعش في العراق وسوريا.
اتجهت أنظار قادة التنظيم نحو خراسان (وهو الاسم التاريخي لمنطقة أفغانستان /آسيا الوسطى) لتكون ساحة بديلة؛ وبالفعل تأسس فرع داعش في خراسان (يُعرف اختصارًا بـISKP أي ولاية خراسان لتنظيم الدولة) منذ العام 2015، مستقطبًا مقاتلين متشددين من باكستان وأفغانستان. وخاض داعش خراسان مواجهات دامية مع حركة طالبان الأفغانية ومع قوات الأمن الباكستانية في آنٍ واحد.
تحركات الجماعة الإسلامية تهدف إلى تحويل الحراك الشعبي من مشروع قومي انفصالي إلى خطاب إسلامي وحدوي يخدم مصالحها الحزبية.
ونفّذ هذا الفرع عمليات إرهابية مروعة، أبرزها استهداف أقليات دينية (الشيعة الهزارة) في كويته، وتفجيرات انتحارية في كابل ومدن باكستانية أخرى، حيث دخلت منطقة بلوشستان الباكستانية ضمن نطاق نشاط داعش-خراسان لعدة أسباب: أوّلها طبيعة المنطقة الحدودية (تجاور أفغانستان وإيران)، ممّا يجعلها ملاذًا للمسلحين الفارين، ثانيها الطبيعة الجغرافية الوعرة (جبال ومغاور) التي تصلح كمخابئ ومعسكرات تدريب، بعيدًا عن أعين القوات الحكومية، ثالثها حالة الفراغ الأمني النسبي الناتج عن انشغال الجيش الباكستاني بمواجهة التمرد البلوشي.
ظهرت في الأعوام 2016–2018 تقارير استخباراتية تفيد بأنّ عناصر داعش بدأت تتسلل إلى إقليم بلوشستان، وتقيم خلايا لها، خاصة في المناطق الشمالية والشمالية الغربية للإقليم (مناطق الحدود مع أفغانستان)، وتركز وجود التنظيم المبكر في مدينتي مستونغ وكويته وضواحيهما.
الجماعة الإسلامية في بلوشستان تحاول استغلال الغضب الشعبي لكسب النفوذ السياسي، دون أن تؤيد المطالب القومية أو الاستقلال.
قام تنظيم داعش بعدة عمليات نوعية هناك، مثل: هجوم مستونغ الانتحاري 2018 الذي استهدف تجمعًا انتخابيًا وخلّف حوالي (149) قتيلًا (تبنّاه داعش). كذلك هاجم التنظيم مستشفى كويته العسكري في 2016، وغيرها من الهجمات التي أوقعت عشرات الضحايا. ومع سقوط كابل بيد طالبان في آب (أغسطس) 2021، اشتدت حرب داعش خراسان ضدّ طالبان في أفغانستان، وبدأ مقاتلو التنظيم يتعرضون لضغط وملاحقة غير مسبوقة هناك، فوجدوا في بلوشستان ملاذًا أقرب وآمن نسبيًا للتجمّع وإعادة التنظيم. وتشير تقارير عديدة صادرة عن طالبان الأفغانية إلى أنّ "فلول داعش" الفارّين تمركزوا في مناطق باكستانية محاذية، أبرزها مستونغ في بلوشستان وولايات وزيرستان وخيبر بختونخواه.
وأكد ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان في أيلول (سبتمبر) 2024 أنّ "عناصر من داعش تعبر من قواعدها في مستونغ إلى داخل أفغانستان لشن هجمات". وزعم أنّ هؤلاء يتلقون دعمًا من جهات استخبارية باكستانية.
كما أكدت طالبان أنّها اعتقلت عناصر من داعش يحملون جنسيات أجنبية (من آسيا الوسطى وغيرها)، كانوا قد دخلوا أفغانستان من الأراضي الباكستانية عبر بلوشستان. وكل ذلك يكشف أنّ تنظيم داعش-خراسان جعل من بعض مناطق بلوشستان قاعدة خلفية له، ينطلق منها ويختبئ فيها كلما ضُيّق الخناق عليه في أفغانستان.
وفي باكستان، ظلّ الأمر معقدًا، فعلى الرغم من مشاركة الجيش الباكستاني في عمليات ضدّ خلايا داعش، إلّا أنّ مراقبين لم يستبعدوا وجود "لعبة مزدوجة" لدى بعض دوائر الاستخبارات هناك؛ حيث يُستغل وجود داعش لضرب أعداء داخليين آخرين. ويدور الحديث هنا تحديدًا حول استخدام داعش كأداة للضغط على طالبان من جهة، وضدّ المسلحين البلوش من جهة أخرى.
المواجهة بين داعش- خراسان والمتمردين البلوش
في آذار (مارس) الفائت هاجمت مجموعة مسلحة من المتمردين البلوش "جيش تحرير بلوشستان (BLA)" معسكرًا لداعش في منطقة مستونغ الجبلية ببلوشستان. ودار قتال شرس استمر (3) أيام، وانتهى بمقتل معظم عناصر داعش المحاصَرين بعد نفاد ذخيرتهم. وقُدّر عدد قتلى داعش في تلك المعركة بنحو (30) عنصرًا، بينهم قياديون أجانب، بينما انسحب البلوش بعد أن تكبدوا أيضًا خسائر لم يُعلن عنها.
مقاتلو البلوش يتهمون داعش بأنّه أداة في يد الدولة لضرب حركة التمرد، ويؤكدون أنهم سيواصلون الدفاع عن شعبهم مهما كان الثمن.
هذه المواجهة المباشرة غير المسبوقة دفعت ولاية خراسان إلى إعلان الحرب على البلوش، ففي 25 أيّار (مايو) الفائت نشرت مؤسسة "العزائم" الإعلامية التابعة لداعش-خراسان، مقطع فيديو بعنوان: "حادثة مستونغ ومؤامرة المشركين" مدته (36) دقيقة باللغة البشتونية، اعترف فيه التنظيم بسقوط ضحايا له في مستونغ، وأعلن المتحدث باسم داعش في الفيديو "إلغاء سياسة عدم الاعتداء السابقة تجاه جماعات البلوش، وإعلان الحرب ضد كل من سمّاهم مشركين وكفارًا وعملاء، ومن بينهم مقاتلو BLA وBLF". وتوعد التنظيم البلوش بالثأر، محذرًا أنّه "ستحلّ أيامٌ عصيبة دموية" عليهم قريبًا. كما اتهمهم صراحة بأنّهم "خونة وعملاء لأمريكا والهند"، وقال: إنّ هجومهم "لاقى هوى لدى أعداء الإسلام". وأطلق المتحدث تهديدًا خطيرًا للمدنيين البلوش أيضًا، عندما حذرهم من حضور أيّ تجمعات أو مظاهرات تنظمها الفصائل البلوشية، واصفًا تلك التجمعات بأنّها "أهداف مشروعة قادمة"، ممّا يعني نية التنظيم استهداف التظاهرات الشعبية أو الفعاليات البلوشية بعمليات تفجيرية.
هذه التصريحات مثلت تحولًا نوعيًا في مشهد الصراع في بلوشستان؛ فتنظيم داعش الذي كان سابقًا يحصر عملياته ضدّ الدولة أو الطوائف الدينية، خاصّة الشيعة، بات الآن يصنف القوميين الانفصاليين البلوش أعداءً مباشرين له.
من جهتها، نقلت صحيفة (ذا بلوشستان بوست) ـ إحدى المنصات الإعلامية البلوشية ـ مضمون إعلان داعش مرفقًا بتحليل يقول: "إنّ داعش فتح جبهة جديدة بالتوازي مع الجيش الباكستاني ضدّ المتمردين البلوش". وأشارت إلى أنّ داعش ادّعى أنّه كان يتجنب قتال البلوش سابقًا، التزامًا بنوع من "عدم اعتداء متبادل"، لكنّه الآن لم يعد ملزمًا بهذا الاتفاق. ورجح محللون أن يكون سبب اندلاع القتال بين الطرفين، هو صراع مصالح في المناطق الجبلية، فربما حاول البلوش منع تمدد داعش في مناطقهم التقليدية، أو خشي تنظيم داعش من اكتشاف معسكراته السرّية فوقعت المواجهة. من زاوية أخرى علّق المتحدث باسم طالبان الأفغانية على مقطع الفيديو، قائلاً: إنّ "هذا الفيديو دليل على وجود قواعد عسكرية نشطة لداعش في مستونغ"، وإنّ داعش "أصبح في جبهة واحدة مع القوات الباكستانية، ضدّ القوميين البلوش". بمعنى آخر، ترى طالبان أنّ باكستان ربما تغض الطرف، إن لم تكن تساعد في وجود تنظيم داعش في بلوشستان؛ بهدف استخدامه ضد المتمردين البلوش وحركة طالبان الأفغانية.
وواقع الأمر، فإنّ بعض التقارير الإعلامية الباكستانية نفسها لم تستبعد وجود تفاهمات ضمنية بين الجيش الباكستاني ومسلحي داعش-خراسان، تقوم على عدم استهداف داعش للداخل الباكستاني، مقابل السماح له بالنشاط في بعض المناطق النائية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التنظيم ادّعى أيضًا في الفيديو أنّ لديه معسكرات تدريب في جبال بلوشستان منذ فترة، وهو أمر كانت الحكومة الباكستانية تنفيه باستمرار. لكنّ كثرة التقارير ـ من طالبان ومن صحفيين مستقلين ـ ترجح صحته. فإقليم بلوشستان ذو مساحة شاسعة وتضاريس وعرة، والوجود الحكومي يتركز في المدن الكبرى، ممّا أتاح لفلول داعش الاختباء هناك.
ويبدو أنّ مستونغ تحديدًا تحولت إلى بؤرة ساخنة؛ فهي منطقة ذات موقع استراتيجي، حيث تقع على طريق كويته-كراتشي الدولي، بالقرب من حدود أفغانستان. كما أنّها معقل تقليدي لبعض الجماعات المتشددة المحلية، وبالتالي لم تكن مستونغ اختيارًا اعتباطيًا لداعش.
تعقد الوضع الأمني
بعد نشر فيديو "العزائم"، ارتفع مستوى التأهب الأمني في بلوشستان، وأعلنت قوات الجيش والشرطة الباكستانية أنّها ستتعامل بحزم مع أيّ تهديد إرهابي جديد، وأطلقت بالفعل عمليات تمشيط واسعة في مستونغ ومحيطها. وادّعت الاستخبارات الباكستانية أنّها قتلت عددًا من عناصر داعش الهاربين من المعركة أثناء ملاحقتهم في الجبال.
بالمقابل، ردت جماعات التمرد البلوشية ـ وفي مقدمتها BLA ـ بتحدي التنظيم الإرهابي، وأصدر جيش تحرير بلوشستان بيانًا نفي فيه مزاعم داعش عن كون الهجوم تمّ إرضاءً لأطراف أجنبية، مؤكدًا أنّ "مقاتلي البلوش هاجموا أوكار داعش دفاعًا عن أرضهم وشعبهم". وتوعد البيان أيّ طرف ـ سواء كان داعش أو غيره ـ بالقضاء عليه إن تجرأ على استهداف البلوش المدنيين.
على الأرض، ازدادت وتيرة الاشتباكات الغامضة؛ فقد شهد شهر حزيران (يونيو) الفائت حوادث إطلاق نار متفرقة في مناطق قريبة من مستونغ، يُرجح أنّها اشتباكات بين فلول داعش والبلوش. كما وقعت عدة انفجارات صغيرة في كويته، في مؤشر على بدء عمليات داعش الانتقامية.
هذا، وقد تمّ تشديد الحراسة حول تجمعات اللاجئين الأفغان في كويته وغيرها، خوفًا من تسلل انتحاريين دواعش بينهم، بينما أصبح البلوش بين نارين: نار الدولة وقمعها المستمر، ونار داعش وتهديداته الإرهابية. وعبّر الكثير من النشطاء البلوش عن قلقهم من أن تستغل الحكومة تهديدات داعش لتبرير قمع الإقليم. إذ بات بإمكان السلطات تدشين حملات اعتقال وحصار مناطق البلوش لمطاردة داعش، وربما تستهدف المعارضين السياسيين أيضًا.
وكانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت نداءات عدة في آذار (مارس) ونيسان (أبريل) الفائتين، حول وجود "قمع متواصل للنشطاء البلوش، وحوادث قتل لمتظاهرين سلميين برصاص الأمن".
الجماعة الإسلامية تدخل على خط الأزمة
ضمن مشهد الفوضى هذا، دخلت الجماعة الإسلامية (الذراع السياسية للإخوان) على خط الأزمة في بلوشستان، محاولة اقتناص فرصة السخط الشعبي في الإقليم لتحقيق مكاسب سياسية.
وينظر بعض المراقبين إلى تحركات الجماعة في الإقليم على أنّها انتهازية سياسيّة، حيث تسعى لإظهار التعاطف مع مظالم البلوش لكسب شعبية، دون تبنّي مطالبهم القومية بشكل حقيقي. ويعتبر مولانا هداية الرحمن بلوش، أمير الجماعة الإسلامية في بلوشستان، وزعيم حركة "حقّ دو" (المطالبة بالحقوق)، مثالًا لتلك الانتهازية الإخوانية، حيث قاد منذ العام 2021 احتجاجات كبيرة خصوصًا في مدينة جوادر الساحلية مطالبًا بحقوق الصيادين وإنهاء استغلال الموارد من الغرباء، ورفعت حركته شعارات مثل: "أعطوا جوادر حقها"، وطالبت بإيقاف الصيد من قبل سفن الصيد الضخمة التي تأتي من خارج الإقليم وتستنزف الثروة السمكية. كما طالب بإزالة الكثير من نقاط التفتيش الأمنية، التابعة للجيش، وتسهيل حركة التجارة الحدودية مع إيران.
يتهم بعض المراقبين الجيش الباكستاني بلعب لعبة مزدوجة، باستغلال وجود داعش للضغط على طالبان من جهة، والبلوش من جهة أخرى.
وبالفعل نجح هداية الرحمن في حشد الآلاف في مسيرات واعتصامات، استمرت أسابيع في جوادر نهاية العام 2021. ومع ازدياد شعبيته، انتُخب عضوًا في برلمان إقليم بلوشستان، عن دائرة جوادر عام 2022، في تطور غير مسبوق للجماعة الإسلامية هناك.
ويرى مراقبون أنّ الجماعة الإسلامية تستغل الدين لركوب موجة الغضب الشعبي؛ ذلك أنّ الجماعة تاريخيًا لا تؤمن بالقومية العرقية، ولا تؤيد انفصال بلوشستان، إنّما تريد بسط نفوذها الإسلاموي على الحراك الاجتماعي هناك. بمعنى أنّ الجماعة دخلت الساحة لتوجيه الاحتجاجات لصالح خطاب إسلامي وحدوي، بدلاً من الخطاب القومي الانفصالي، وربما تنجح بذلك في تفريق وحدة الصف البلوشي.
كما تحاول الجماعة الاستفادة من ضعف الأحزاب القومية، بسبب التضييق الأمني، لتملأ الفراغ السياسي في الإقليم، لكنّها في النهاية لا تدعم حق تقرير المصير للبلوش، وإنّما تسعى باستمرار إلى مساومة الحكومة المركزية على إصلاحات محدودة. وتطرح الجماعة الإسلامية نفسها كوسيط بين الدولة والانفصاليين، وتؤكد على وحدة باكستان مع الاعتراف بخصوصية البلوش وضرورة إنصافهم. ففي تصريح شهير عام 2022 قال مولانا عبد الحق هاشمي، أمير الجماعة السابق في بلوشستان: "الحكام الانتهازيون دمروا بلوشستان، ويجب إنفاق موارد الإقليم على أهله". وانتقد علانيةً فساد السلطات وقمعها ممّا دفع الشباب لحمل السلاح. هذا الخطاب كسب تعاطف الكثيرين، لأنّه لامس هموم البلوش الحقيقية بلغة يفهمونها.
بعد معركة مستونغ الدامية، أعلن تنظيم داعش رسميًا الحرب على المتمردين البلوش واعتبر تجمعاتهم أهدافًا مشروعة لعملياته القادمة.
ويمكن ملاحظة ازدواجية الجماعة الإسلامية؛ فهي من جهة تشارك في حكومات ائتلافية مركزية أحيانًا وتدعم الجيش في قضايا أخرى كالحرب ضد الهند، ومن جهة أخرى تذرف الدموع على البلوش. وبالتالي يساور الشك نفوس بعض البلوش في مدى التزام الجماعة فعلاً بتحقيق مطالبهم. ويتساءلون: هل ستصمد الجماعة إلى جانبهم إن وصلت إلى تسوية مع الحكومة المركزية أم سوف تتخلى عنهم؟
ومع دخول داعش في مضمار الصراع في الإقليم، ربما تجد الجماعة الإسلامية في ذلك فرصة جديدة للظهور بمظهر المدافع عن بلوشستان ضدّ الإرهاب. فقد أصدرت الجماعة بيانات تدين تهديدات داعش وتصفها بأنّها "مؤامرة لزرع الفتنة في صفوف الأمة"، ودعت الحكومة إلى حماية البلوش، ونظمت احتجاجات رمزية تندد بداعش في كويته، شارك فيها كوادرها رافعين المصاحف. هذه التحركات تكسب الجماعة مزيدًا من الشعبية بين عوام البلوش الذين يخشون إرهاب داعش، وهي كذلك تخدم السردية الرسمية التي تساوي بين المتمردين البلوش والإرهابيين، ممّا قد يضع الجماعة في صف الحكومة من جديد بحجة مكافحة الإرهاب.
وعليه، يبدو المشهد في بلوشستان اليوم شديد التعقيد، في ظل وجود تمرّد قومي عمره عقود، يزداد شراسةً وتنظيمًا، ودولة مركزية تستنزفها التحديات الأمنية والاقتصادية، وتبحث عن أيّ وسيلة لإخماد التمرد، وظهور تنظيم داعش دموي الذي وجد ساحة جديدة، يسعى تجاه التغلغل فيها، بينما تحاول الجماعة الإسلامية، كعادة الإخوان، اللعب على كل الحبال لجني مكاسب سياسية مرحلية، ومحصلة كل هذا يدفع ثمنها البلوش وحدهم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=FeYSSO0T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)