الإخوان في تونس: استراتيجية الظل بعد الحظر واستهداف النفوذ السياسي والمالي

الإخوان في تونس: استراتيجية الظل بعد الحظر واستهداف النفوذ السياسي والمالي

الإخوان في تونس: استراتيجية الظل بعد الحظر واستهداف النفوذ السياسي والمالي


29/06/2025

منذ الإعلان عن الإجراءات الاستثنائية في تونس في صيف 2021، دخلت حركة النهضة، التي تمثل الامتداد الأبرز لتنظيم الإخوان المسلمين في البلاد، مرحلة من التراجع غير المسبوق سياسياً وتنظيمياً. ومع تجميد البرلمان ثم حله لاحقاً، وفقدان النفوذ التنفيذي والتشريعي، بدأت ملامح صراع جديد عنوانه الحفاظ على الحضور عبر أدوات موازية وتحركات في الظل.

ورغم توالي الملاحقات القضائية بحق قيادات النهضة، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي، المتهم في ملفات تتعلق بالتآمر على أمن الدولة وتبييض الأموال، لم تختف مؤشرات محاولات إعادة التموقع. وقد لجأت الحركة إلى تعبئة أنصارها عبر خطاب المظلومية، والاستنجاد بحلفاء إقليميين ودوليين بهدف الضغط على السلطات التونسية.

في المقابل، تعتبر السلطة أن هذا التنظيم يتحمل مسؤولية الأزمات السياسية والاجتماعية التي عاشتها تونس خلال العقد الماضي، مؤكدة أن استهداف نفوذه المالي والتنظيمي ليس إجراءً ظرفياً بل جزء من خطة إعادة بناء المؤسسات وتحصينها ضد التوظيف السياسي للدين.

شبكات النفوذ الموازي: من الجمعيات الخيرية إلى الإعلام الرقمي

وتجمع أغلب الدراسات المنجزة حول التنظيم الإخواني في تونس على أن استراتيجية النهضة ترتكز، خلال المرحلة الراهنة، على تنشيط شبكة الجمعيات التنموية والخيرية التي تأسست خلال فترة ما بعد 2011.

 وقد شمل ذلك جمعيات مثل نماء تونس التي جمدت السلطات أرصدتها في 2022 بعد الاشتباه في تلقيها تحويلات خارجية مرتبطة بتمويل مشروع الإسلام السياسي، وفق ما نشرته جريدة الشروق التونسية.

لجأت الحركة إلى تعبئة أنصارها عبر خطاب المظلومية والاستنجاد بحلفاء إقليميين ودوليين بهدف الضغط على السلطات التونسية

وبحسب تقرير صادر عن صحيفة العرب اللندنية في شباط / فبراير الماضي، فإن الأجهزة القضائية والمالية وسعت نطاق التحقيقات على عشرات الجمعيات التي تلقت تمويلاً من مؤسسات مقرها في الدوحة وإسطنبول، مشيرة إلى أن بعضها مارس نشاطاً سياسياً مقنّعاً تحت غطاء العمل الخيري. ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية قولها إن السلطات وضعت قرابة 80 جمعية على قائمة المراقبة المالية، وفرضت قيوداً على تعاملاتها البنكية.

في موازاة ذلك، كثفت حركة النهضة استثمارها في الفضاء الرقمي، بتفعيل صفحات على فيسبوك، إضافة إلى مواقع إلكترونية تصدر محتوىً يتبنى خطاب المظلومية، ويركز على اتهام السلطات بتصفية خصومها سياسياً. وأشارت دراسة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن هذا الإعلام البديل بات “الواجهة الأساسية للحركة بعد انهيار حضورها المؤسسي”.

تفكك القيادات وصراع الأجنحة بين الداخل والخارج

ومع اشتداد الضغوط القضائية وتوالي الإجراءات الزجرية، واجهت النهضة حالة تفكك قيادي وصراع بين جناحين أساسيين: الأول داخلي يمثله قياديون يبحثون عن التهدئة وتخفيف الضغط عبر تقديم تنازلات، والثاني خارجي يرتبط بقيادات مقيمة في تركيا وبريطانيا، ويضغط لعدم تقديم أي تنازل في مواجهة السلطة.

كثفت حركة النهضة استثمارها في الفضاء الرقمي بتفعيل صفحات على فيسبوك إضافة إلى مواقع إلكترونية تصدر محتوىً يتبنى خطاب المظلومية ويركز على اتهام السلطات بتصفية خصومها سياسياً

في السياق، نشرت جريدة العرب اللندنية في تقرير لها أن الاجتماعات الأخيرة للمكتب التنفيذي شهدت تبادل اتهامات مباشرة بين قيادات وازنة، من بينها اتهام شخصيات بارزة بالتورط في ملفات فساد مالي خلال فترة حكم الترويكا. وذكر المصدر نفسه أن بعض القيادات الوسطى فضلت مغادرة الحركة أو تجميد نشاطها التنظيمي، على غرار لطفي زيتون، الذي أعلن في وقت مبكر عن قطيعته مع النهضة.

على المستوى الخارجي، كثفت قيادات النهضة الاتصالات بمنظمات حقوقية ودبلوماسيين أوروبيين، مستندة إلى تقارير مثل تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش حول “تراجع مناخ الحريات”، كما دعت شخصيات محسوبة على الحركة البرلمان الأوروبي للتدخل والضغط على الحكومة التونسية، وهي تحركات اعتبرها مقربون من قصر قرطاج محاولة للالتفاف على الإرادة الشعبية.

الرهان على عودة الاحتجاجات الاجتماعية وتغذية السخط الشعبي

وفي ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تشهدها تونس، تواصل الحركة انتهاج تكتيك استغلال حالة الغضب الاجتماعي لتحريك الشارع. ويعتقد مراقبون أن النهضة تراهن على موجة احتجاجات تعتقد أنها تضعف شرعية الرئيس قيس سعيد، وتسمح بفتح باب العودة التدريجية إلى الساحة السياسية.

وقد تحدث الناشط اليساري حمة الهمامي في تصريح لجريدة "الشروق" التونسية، قائلاً: “الإخوان في تونس يتقنون اللعب على وتر الضحية كلما ضاق الخناق على نفوذهم”. وهو ما بدا جلياً في توقيت إصدار بيانات تطالب بإطلاق سراح الغنوشي تزامناً مع تحركات مطلبية عمالية واحتجاجات على غلاء الأسعار.

النهضة تراهن على موجة احتجاجات تعتقد أنها تضعف شرعية الرئيس قيس سعيد وتسمح بفتح باب العودة التدريجية إلى الساحة السياسية

ورغم نفي الحركة أي علاقة تنظيمية بهذه الاحتجاجات، لاحظ مراقبون تقاطعات واضحة بين مطالب اجتماعية مشروعة وخطاب تعبوي تبثه المنصات الرقمية التابعة للنهضة. وقال تقرير صحيفة العرب اللندنية إن بعض المسيرات شهدت رفع شعارات تطالب “برحيل السلطة الجديدة”، وهو ما يثير شبهات حول توظيف الاحتجاجات كورقة ضغط سياسية.

في السياق نفسه، يرى المحلل السياسي التونسي نزار بن حسين أن جزءًا من قواعد النهضة أصبح يعيش حالة “انتظار سلبي”، أي الترقب دون الانخراط الفعلي في العمل الميداني أو الاحتجاجي، انتظارًا لمتغيرات قد تعيد التوازن داخل المشهد السياسي. وأوضح في تصريح لموقع "ميدل إيست آي" أن هذه الحالة تجعل من الصعب قياس مدى قدرة الحركة على استعادة المبادرة، خاصة في ظل تشتت ولاءات القواعد وخيبة أمل شريحة واسعة من الشباب الذين انفضوا عن النهضة بعد تجربة الحكم.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية