علي الشرفاء يحيي فريضة التفكير ويحاكم الأوصياء... فهل يستجيب المجتمع؟

علي الشرفاء يحيي فريضة التفكير ويحاكم الأوصياء... فهل يستجيب المجتمع؟

علي الشرفاء يحيي فريضة التفكير ويحاكم الأوصياء... فهل يستجيب المجتمع؟


24/02/2025

اطلعت على دراسة مهمة للمجدد العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي بعنوان "الخطاب الإلهي نور للإنسانية"، أورد في مقدمتها الآيات القرآنية العديدة عظيمة الأثر في النفس والتي تحتل قمة التشريف عندما يخاطب الله الإنسان بكلام معجز مذهل في مشهد كوني قلّ نظيره، يحثه فيها على التعقل والتفكر والتدبر في آياته ودقيق وجميل صنعه.

فهمت من المقدمة الضافية أنّ السير تحت سطوة وساطة أو من نصبوا أنفسهم ليكونوا أوصياء تحت زعم أنّهم يملكون ما لا يملك غيرهم من العلم بالدين يتناقض مع مناشدة القرآن الحكيم من أوله إلى آخره العقل وطلبه الاحتكام إليه وتحفيزه للتأمل والبحث، ليستدل الإنسان ببديع الصنع على الصانع، ولكي يتعلم ويطور نفسه ويبتكر وينتفع بما خلق الله وبما أودعه في الكون من قوى وأسرار.

أرى من منطلق هذه الرؤية والدراسة التي أدعو كل مسلم وكل عربي إلى قراءتها أنّ السبب الرئيسي في الحال التي وصلت إليها المجتمعات العربية على المستوى الثقافي والفكري والاجتماعي راجع إلى ترك العلم بأمور الدين وتفصيلاته لفئة من الناس؛ حيث كونت طبقات وتنظيمات وجماعات وفئات تحتكر فهماً خاصاً للدين، وتفرض تصوراتها الخاصة على المجموع، على الرغم من أنّ الدين قضية تخص الجميع.

ليس من المنطقي استمرار الوكالة مع وجود خلل كبير لا يستطيع أحد أن ينكره، ولا مفر من التصحيح وأن يعود الإنسان العربي والمسلم إلى التفكير من جديد.

يقول المفكر علي الشرفاء في هذا السياق: "الآيات تؤكد دعوة الله للناس جميعاً بأن يتفكروا فيما خلق، وأن يتفاعلوا مع آياته ليستنبطوا بأنفسهم حقائق الكون والحياة، وألّا تُرتهن عقولهم لأقوال مجهولة وروايات مسطورة وأساطير مدسوسة، لا تتفق مع العقل والمنطق"، ممّا يعني ضرورة العودة إلى العقل والتفكير وعدم الارتهان لمن يزعمون أنّهم شيوخ الإسلام والحفاظ... إلخ.

يدفع لهذا التحول المصيري أسباب عديدة مهمة: الأوّل أننا صرنا أمام ملايين العقول الاتكالية المعطَّلة غير القادرة على عمل شيء أو ترك شيء أو اتخاذ قرار إلا بتوجيه من فقيه ومفتٍ، وهذا معناه أنّ العقل الجمعي توقف عن النشاط واكتفى بما يقدر البعض على حفظه واستذكاره من مرويات غالبيتها مزور ومدسوس، ليجمد المجموع العربي والمسلم على وضع في منتهى البؤس، ظاهره التدين الخادع وباطنه الجمود والتكلس.

السبب الثاني هو تعطيل العقل العربي المسلم، والارتهان لحفاظ وصكوك غفران إسلامية بدل المراكز الحضارية بين الشرق والغرب؛ لأنّه لما كان العقل العربي يعمل بكفاءته القصوى كنا في القمة والمقدمة أثناء ظلام الأوروبيين تحت وطأة جمود الفكر الكنسي وصكوك غفرانهم.

الحاصل الآن هو العكس مع تحرك الأوروبيين إلى المدنية والتحضر والثراء المعرفي والحضاري، حيث أخذوا ما انصرف عنه المسلمون وأهملوه، والنتيجة أننا تأخرنا كثيراً جداً، واكتفينا بمقولة تخديرية وُصفت من البعض مثل الشيخ طنطاوي جوهري وغيره حتى لا نشعر بالنقص ونحن نتابع التقدم الهائل للأوروبيين مفادها أنّ ما توصلوا إليه في الغرب من نهضة وتقدم مذكور في كتبنا المقدسة.

السبب الثالث أنّ هذا أساساً يتناقض مع الفهم الصحيح للإسلام؛ فآيات القرآن أكدت أنّ الإنسان يخلق أفعاله ويمتلك إرادة حرة، وهو قادر على إدراك الأشياء والحقائق ومعرفة الخير والشر والحق والباطل والحسن والقبيح.

لذلك قال المفكر علي الشرفاء: "تؤكد الآيات الكريمة أنّ الله يخاطب العقول داعياً عباده إلى التفكر في رسالته وما تضمنته من آيات تنير للعقول طريق الحياة، وتهديهم الصراط المستقيم، وتدعوهم إلى ما يصلحهم ويعينهم في الدنيا والآخرة".

بعد أن أتمّ الله الدين اكتملت بالآيات رسالة الله وخطابه الإلهي للناس، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "اليوم أكملتُ لكم دينكَم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً"، إذن رضي الله لنا اتّباع الإسلام ديناً ومحمداً صلى الله عله وسلم نبياً ورسولاً، نتبع شريعة الله التي حددها للمسلمين في كتاب كريم معجز ليكون منهج حياة للإنسان ومرجعاً وحيداً لجميع تشريعاتنا، لتعلو الفضيلة والأخلاق والأمن والرفاهية والبرّ والرحمة والعدل والمحبة بين البشر، وبذلك اكتملت الرسالة، وعلى الإنسان التلقي والتدبر والعمل ليتحرر من عبودية الأصنام وأشباه الأصنام.

أنبأ الله أنّ المسلمين سينقلبون على أعقابهم بعد وفاة الرسول "أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، ومن مظاهر الانقلاب خلط الدين بالسياسة واتباع المرويات الشاذة والإسرائيليات المدسوسة التي تتناقض مع الآيات التي تم تركها فتفرقت الأمة وانقسمت، وامتزجت المصالح الدنيوية بالأهواء وحبّ السلطة، واستحوذ عليهم الشيطان، ولم يجعلوا كتاب الله دليلهم، واتبعوا الأهواء فتفرقت بهم السبل. 

في هذا المناخ كانت قوى الشر متربصة بالإسلام ومستنفرة للهجوم عليه، فحاولت بشتى الطرق اغتيال رسالته -رسالة المحبة والعدل والحرية والسلام-، فوظفوا شياطين مفكرين وابتدعوا روايات وأخباراً ملفقة، ودسوا إسرائيليات مزورة بالآلاف ونسبوا الكثير منها إلى الرسول، وزعموا أنّها مروية عن الصحابة، وتكونت مذاهب من زعامات دينية اتخذت من الروايات مصادر لمساعدة الخلفاء في تمكين سلطتهم وحماية ملكهم، ونصبوا أنفسهم أوصياء ووكلاء عن الخالق على الأرض، يحكمون على البعض بالنار ويمنحون آخرين الجنة، كما حصل لاحقاً في روما في القرن الثاني عشر الميلادي.

ساد هذا النمط الآن من خلال فئات وطبقات ومجموعات من حفاظ الروايات، ومن مشاهداتي الخاصة أجد غالبية خطب الجمعة التي أحضرها في مساجد كثيرة ومناطق مختلفة في مصر الروايات غالبة على الآيات في الخطبة، ونادراً ما يستشهدون بالقرآن، وغالبيتها روايات إسرائيلية مدسوسة متناقضة مع القرآن ومبادئ الإسلام.

برهن ذلك وغيره على أنّ غالبيتهم بدلاً من أن يتبعوا نهج الرسول، وبدلاً من أن يتلوا على الناس آيات الله وقرآنه بسلاسة ووضوح، عقّدوا العلوم الدينية ووضعوها في قوالب غامضة مبهمة، وأظهروا صعوبة استيعابها، والزعم بأنّ فهم الدين والعلم به يتطلب حفظ آلاف المتون وسلاسل السند.

القصد هنا ليس تفهيم الناس، وإنّما القصد تجهيلهم وإبقاؤهم بحاجة دائمة لفئات الحفاظ  الذين يتصرفون باستعلاء عجيب، ويعتبرون أنّ المتلقين "عوام"، وأنّهم وحدهم هم الجهابذة والحفاظ والرواة وأمراء المؤمنين في الحديث، وأحبار الأمّة ومرشدوها.

نحن الآن أمام حالة كاشفة ومعادلة تتشكل من عدة أطراف؛ الطرف الأول شيوخ دين وحفظة روايات وإسرائيليات مدسوسة تحولوا إلى أوصياء على الإسلام يحاربون أيّ أحد يتجرأ على التفكير وتشغيل العقل بطريقة مستقلة، وهو ما أمر به الله في كتابه بإقامة فريضة التفكير، كي يبدع العقل المسلم والعربي ويبتكر ويتحرر من الوصاية والوساطة.

هذا الطرف بالطبع عناصره خائفون على مراكزهم ومكانتهم وامتيازاتهم، وهؤلاء  يصح فيهم قول الله: "ألم تر إلى الذين أوتُوا نصيباً من الكتاب يُدعَون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريقٌ منهم وهم مُعرِضُون".    

الطرف الثاني يتشكل من ملايين المسلمين والعرب الذين لا يفهمون بالضبط ماذا يجري، وماذا جرى، وما هي أصول وجذور الصراع وخلفياته، نتيجة تجهيلهم وإلغاء عقولهم، ولذلك ما تزال الغالبية منحازة لاستمرار الوصاية وصكوك الغفران الإسلامية والوكالة والجلوس كالتنابلة متلقين وممصمصين الشفاه أمام من يروون خرافات وأساطير ومرويات وإسرائيليات مدسوسة.

الطرف الثالث مجددون يتمتعون مع العلم والفهم والخبرة بالجرأة والشجاعة المتناهية، وفي مقدمتهم المجدد العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي، لأنّهم قرروا خوض المعركة المصيرية التاريخية التي جبُن الكثيرون وتراجعوا وخافوا من خوضها، خوفاً من أن تطالهم سهام المتشددين الأصوليين والجماعات التكفيرية.

هؤلاء المجددون يقومون بمهمة مصيرية من شأنها صناعة تحول هائل في تاريخ العرب والمسلمين؛ حيث يشرحون للناس (الذين تسميهم الجماعات السلفية "العوام" تقليلاً من شأنهم) حقيقة هذه العلوم، ويزيلون الغموض، ويفكون الطلاسم، ويوضحون مقاصد الدين العليا، ويكشفون عن كيفية وزمن حدوث التشوه والخلل مع القرون التي تلت وفاة الرسول عبر إنتاج ووضع آلاف الأحاديث والمرويات التي تناقض القرآن وتضر بسمعة الإسلام، وهذا هو ما يجعل الطرف الثاني بالمعادلة، وهو المجتمع والملايين من الناس، مشاركين للمرة الأولى في الصراع الثقافي والفكري المصيري المحتدم منذ قرون. 

الطرف الثالث من المعادلة، وهم المفكرون والمجددون الذين يخوضون نضالاً حقيقيّاً ومصيريّاً في عمر الأمّة، مثل المفكر الكبير علي الشرفاء، يفككون المشهد، ويوضحون المقدس وغير المقدس، ويكشفون الإشكالات المبهمة التي كانت تُوظف من مُجترّي الأساطير والإسرائيليات المدسوسة المكذوبة على الرسول كمسوغ لفرض أحكام الغلو والتطرف وتأسيس جماعات الإرهاب والتكفير وضخ الصراعات الطائفية في جسد الأمة المنهك والترويج لمفاهيم أضرت بالإسلام والمجتمعات والأوطان، والسؤال هنا: هل يستجيب المجتمع وغالبية الناس للمجددين ويعملون عقولهم ويقيمون ما أمر الله به من فريضة التفكير؟

حاكم المفكر العربي علي الشرفاء الطرف الأول من المعادلة محاكمة ومساءلة تاريخية دقيقة، أرجو أن يعود إليها ويقرأها كل من قرأ مقالي هذا في الدراسة المذكورة (الخطاب الإلهي نور للإنسانية)، والتي يقول فيها:

"فليحرر الإنسان عقله للتفكر في كتاب الله ليطلق عقله بكل الحرية للتدبر في كتاب الله ويحيا حياته بما أمر الله له من كرامة ليعيش هانئاً مطمئناً برعاية الخالق له، يحفظ له صحته ويعينه على تأمين رزقه، يعامل الناس بالمحبة والتراحم يساعد فقيرهم ويعين المظلوم ويزور مريضهم وينشر السلام أينما حل وأينما رحل، يشارك مجتمعه السراء والضراء، فإذا ما اتبع ما أنزل الله للناس من آيات كريمة وتدبر في مراد الله منها للإنسان، فإنّ محصلة تفكيره ستعينه على اتباع منهج الله في الحياة، الذي يحقق له الأمن النفسي ويبقى متصلاً بنور الآيات الكريمة تضيء له حياته وتمنحه السعادة والتفاؤل والأمل، وترتقي بأخلاق القرآن وفضائله المجتمعات الإنسانية، ليسودها السلام والعدل والرحمة، قال تعالى: "اتّبعوا ما أُنزِل إليكم من ربِّكم ولا تتّبعوا من دُونه أولياء قليلاً ما تذكَّرون".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية