قصة الإسلاميين في تركيا.. أردوغان في مواجهة غولن

تركيا

قصة الإسلاميين في تركيا.. أردوغان في مواجهة غولن

مشاهدة

20/05/2020

اختارت حركة فتح الله غولن الاتجاه نحو العمل في الدعوة والوعظ والتعليم، وفضّلت ذلك على الخوض في الصراعات السياسية، لتتبع بذلك ما ذهب إليه المعلم الأوّل لغولن، سعيد النورسي، والذي رأى أنّ في السياسة مشغلة عن الدعوة والتربية، ولكن ذلك لم يحُل دون أن تدخل الحركة دنيا السياسة من أبواب أخرى.
التأسيس
ترتبط "حركة الخدمة" باسم مؤسسها، فتح الله غولن، والذي كان عند تأسيسها شاباً منشغلاً في الإمامة والوعظ والدعوة؛ حيث تلقى تعليماً دينياً منذ صغره، إضافة إلى تعلّمه الفلسفة واطّلاعه على الثقافة الغربية الحديثة، وأثناء دراسته تعرف على "رسائل النور" لـ "بديع الزمان سعيد النورسي" وتأثر بها كثيراً، حتى صار واحداً من أعضاء الجماعة النورسية.

بدأ النشاط الدعوي لغولن خلال الستينيات مع تعيينه إماماً في مدينة "أدرنة"، غرب تركيا، ومن ثم تنقله بين الجوامع في مدن غرب الأناضول. وفي العام 1971 جاءت الخطوة الأبرز مع تأسيسه الجماعة التي ستعرف لاحقاً بـ "حركة حزمت" بالتركية، أو "حركة الخدمة" بالعربية، أو كما اشتهرت أيضاً بـ "جماعة غولن".

اطلع غولن في صغره على رسائل سعيد النورسي وتأثر بها حتى غدا من أتباعه

أعوذ بالله من الشيطان والسياسة!
منذ نشأتها، اتجهت الجماعة بنشاطها إلى المجالات الدعوية والتعليمية والوعظية، ولم تبدِ اهتماماً بالشأن السياسي المباشر. ولم يأتِ هذا التوجه من فراغ؛ فقد كان غولن على قناعة بأنه لا داعي لإحداث تغيير على المستوى السياسي، وبينما كان الإسلاميون خلال السبعينيات وبعد الثورة الإسلامية في إيران منشغلين بالحديث عن تشييد الدولة الإسلامية، كان غولن ينظر بإيجابية إلى نظام الجمهورية، الذي كان غاية في العلمانية والبعد عن الدين عند الإسلاميين في تركيا، ويدعون إلى تغييره واستعادة الخلافة. وكان غولن يعتبر بأنّ له أصلاً قرآنياً؛ فهو عنده عبارة عن شكل لإدارة الحكم يملك فيه الشعب حق الانتخاب والشورى.

اقرأ أيضاً: هل تحتضن ألمانيا حركة فتح الله غولن؟

كما أنّ غولن اختلف منذ زمن مبكر مع دعاوى تحكيم الشريعة، معتبراً أن غالبية أحكام الدين هي أحكام تتعلق بإيمان الفرد وشؤونه الخاصة ولا علاقة لها بوجود دولة تتبناها وتقوم بفرضها على المواطنين.
وهكذا، كانت أعضاء الجماعة يكررون مقولة النورسي الشهيرة: "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة!".

اشتغلت جماعة غولن منذ تأسيسها بالدعوة والتعليم

انقلاب 1980.. مرحلة التمكين
جاء انقلاب الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) العام 1980 برداً وسلاماً على الإسلاميين في تركيا، فقد أنهى عهد القمع والاضطهاد، وأطلق لهم اليد في العمل على المستوى العام.
أيّد غولن الانقلاب وامتدح قياداته العسكرية، وفي العام 1982 قامت جماعة غولن بافتتاح أول مدرسة تابعة لها، لتكون بمثابة الحجر الأول في صرح ضخم سيبنيه غولن وجماعته خلال العقود اللاحقة.
الخلاف مع تيار أربكان.. الإسلام العالمي مقابل الإسلام التركي
ظهرت بوادر الخلافات منذ تلك الفترة بين الجماعة وحركة الإسلام السياسي التي كان يمثلها  تيار نجم الدين أربكان، والتي كانت قد أسست العام 1983 حزب الرفاه، ومن ذلك أنّ الحركة الإسلامية انشغلت في صراعات متعلقة بالهوية، فكانت تعارض بشدة القرار بمنع ارتداء الحجاب في الجامعات، في حين اختلف غولن معها واعتبر بأن الحجاب ليس من أصول الإسلام أساساً، ودعا الطالبات للالتحاق بالجامعات.

تؤمن حركة الخدمة بالتحرك ضمن الإطار القومي التركي في تركيا وخارجها ولا تقع منطقة "الشرق الأوسط" ضمن أولوياتها

وبينما كان أربكان وتياره منشغلين بمشاريع الاتحاد مع العالم الإسلامي، والتقارب مع مختلف القوميات والشعوب الإسلامية، كان غولن يركز على مسلمي تركيا، إضافة إلى امتدادات العرق التركي، من القوقاز وحتى آسيا الوسطى وغرب الصين، وسيظهر أثر هذا التوجه بشكلٍ أكبر لاحقاً في خلافه مع سياسات حزب العدالة والتنمية الخارجية.
وكان غولن قد تحدث ذات مرة في حوار متلفز العام 1999 عن دور مدارس جماعته في نشر الثقافة التركية بأوزباكستان، ما تسبب حينها بأزمة دبلوماسية بين البلدين، انتهت بإغلاق أوزباكستان المدارس التابعة لحركة الخدمة. كما حصلت أزمة مشابهة العام 2007 في روسيا، حينما تم إغلاق جميع مدارس الحركة في جمهورية "تتارستان" التي تنتشر فيها القومية التركية.
في مواجهة "الرفاه"
عندما جاء الانقلاب العسكري العام 1997 على حكومة حزب الرفاه، بعد عامين على انتخابها، ومن ثم قرار حلّ الحزب العام 1998، لم تُبدِ حركة الخدمة أيّ انحياز أو تعاطف مع "الرفاه"، واتجهت إلى التقارب من النظام الجديد، لتتسع بذلك الهوة ما بين التيارين.
ولكن الحكم العسكري كان متشككاً في كل من يحمل انتماء إسلامياً، ففي العام 1999 وبعد تصريحات تلفزيونية تحدث فيها غولن عن إستراتيجية الحركة الدعوية، القائمة على التغلغل الناعم في مؤسسات الدولة دون اللجوء إلى الصدام المباشر، تم توجيه عدد من الاتهامات لغولن وحركته، وبدأ التضييق يزداد، وهنا بادر غولن إلى مغادرة البلاد العام 1999 إلى بنسلفانيا في الولايات المتحدة، حين خرج متعللاً بالمرض والبحث عن العلاج، ليبقى هناك حتى هذه الساعة.

كشف غولن عام 1999 عن إستراتيجية الحركة في التغلغل الناعم في مؤسسات الدولة

"العدالة والتنمية" في الحكم
بعد وصول حزب "العدالة والتنمية" بقيادة رجب طيب أردوغان إلى الحكم العام 2002، أبدى غولن بدايةً ترحيباً بهذا النجاح الذي رأى فيه فرصة مفيدة لحركته بعد أن كان الحكم العسكري قد شرع بالتضييق عليها.
ولكن الخلافات بينهما سرعان ما عادت إلى السطح، وكان جانب من هذه الخلافات متأتياً من السياسة الخارجية التي انتهجها أردوغان وداود أوغلو، والتي عرفت بـ "العثمانية الجديدة"، ومضمونها الاتجاه نحو إعادة بناء النفوذ التركي في مناطق سيطرة الدول العثمانية سابقاً، وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط؛ فقد رأى غولن بأن في هذا دخول في مستنقع الشرق الأوسط ولن يعود على تركيا إلا بالمشاكل، كما أن حركة الخدمة تؤمن بالتحرك ضمن الإطار القومي التركي، في تركيا وخارجها، ولا تقع منطقة الشرق الأوسط ضمن أولوياتها.

لا يعطي غولن أولوية للصراع مع إسرائيل ويرى أن الدخول فيه يُبعد تركيا عن تحالفاتها مع القوى الغربية

وكان من ضمن ما اختلف فيه غولن مع حكومة "العدالة والتنمية"، الخلاف الذي نشب مع إسرائيل على خلفية حادثة سفينة مرمرة، حيث لا يعطي غولن أولوية للصراع مع إسرائيل ويرى أن الدخول فيه يُبعد تركيا عن تحالفاتها مع القوى الغربية ويقربها من روسيا وإيران.
وقد بلغ الخلاف ذروته بعد انطلاق أحداث "الربيع العربي" أواخر العام 2010، وما تلا ذلك من تدخلات ومغامرات خاضتها حكومة العدالة والتنمية في بلدان "الربيع العربي".

اختلف غولن مع سياسات "العثمانية الجديدة" التي تبناها "العدالة والتنمية"

إمبراطورية الخدمة
عبر أعوام متتالية كانت حركة الخدمة تتوسع تدريجياً على مختلف المستويات، وبعد حوالي 35 عاماً من تأسيسها، وصل عدد المدارس والمؤسسات التعليمية التابعة لها في تركيا إلى 1000، وفي الخارج وصل إلى نحو 2000 منشرة في 100 دولة حول العالم.

كما قامت الحركة بامتلاك وبناء شبكة إعلامية ضخمة من محطات تلفزيونية، وإذاعات راديو، ودور نشر، وصحف، ومجلات دورية. ومن أشهرها صحيفة "زمان" إحدى الصحف التركية الأكثر انتشاراً.
إضافة إلى ذلك، تهتم الحركة بامتلاك وتأسيس الشركات التجارية، والتي تعتمد عليها لتوفير التمويل الذاتي، وقد وصل عدد المؤسسات المالية التي تمتلكها الحركة إلى نحو تسعة آلاف شركة منتشرة العالم، يقدر رأسمالها مجتمعة بنحو 150 مليار دولار، إضافة إلى امتلاك الحركة بنك آسيا، أكبر بنك إسلامي في تركيا.
الصِدام.. اتهامات الفساد
لم يقتصر توسع وانتشار الحركة على مجالات التعليم والإعلام والاقتصاد فقط، وإنما كانت الحركة تتوغل وتنتشر في الأوساط الرسمية، من الدوائر الحكومية، إلى مؤسسات القضاء، والمؤسسات الأمنية.

كان غولن ينظر بإيجابية إلى نظام الجمهورية الذي كان غاية في العلمانية والبعد عن الدين عند الإسلاميين في تركيا

وفي العام 2012 بدأ الصراع مع الحكومة ينتقل إلى مستوى جديد؛ ففي ذلك العام تم استدعاء مدير الاستخبارات المركزية "هاكان فيدان"، المقرب من أردوغان وعضو "العدالة والتنمية"، والتحقيق معه بتهمة عقد لقاء سري مع ممثلين عن حزب "العمال" الكردستاني الذي تصنفه تركيا "حزباً إرهابياً"، وقام بالتحقيق وكلاء نيابة مقربين من حركة غولن.

استشعر أردوغان الخطر وأدرك مدى تمدد الجماعة في أجهزة الدولة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2014، جاء القرار الحاسم مع إصدار الحكومة التركية قراراً يقضي بإغلاق المدارس التحضيرية التابعة للحركة، وهو ما رأت فيه "الخدمة" استهدافاً مباشراً لقواعدها. وجاء رد الحركة مباشرة بعد شهر، عندما كشف قضاة مقربين من الحركة عن قضية فساد كبرى داخل الحكومة التركية، طالت مقربين من أردوغان بينهم ابنه.

وفي 17 كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، قامت الشرطة التركية بتنفيذ حملة اعتقالات واسعة طالت رجال أعمال ومسؤولين كبار في الحكومة التركية.

أردوغان مع فيدان

الكيان الموازي
في المقابل، بادرت الحكومة التركية إلى اتهام الحركة بأنها كيان موازٍ، متهمةً إياها بالتغلغل في القضاء والشرطة، وفي كانون الثاني (يناير) 2014 قامت محكمة الصلح الجزائية بإصدار قرار بإلقاء القبض على فتح الله غولن، مع توجيه تهمة "قيادة منظمة إجرامية، تبين أنها قامت بإنشاء تنظيم في مجالات الإعلام والاقتصاد، وأجهزة الدولة، بصورة مخالفة للقوانين والأنظمة".
محاولة الانقلاب و.. "التطهير"
وفي 15 تموز (يوليو) 2016 جاء الحدث الفاصل، مع وقوع محاولة الانقلاب، التي بادر أردوغان باتهام غولن وحركته بتدبيرها، لتبدأ بعد ذلك حملة واسعة من الاعتقالات بحق كل من ينتمي للخدمة، بالتزامن مع إغلاق كافة المؤسسات التابعة للحركة، إلى حد أن تمّ وصف العملية بـ "التطهير"، وقد بادرت الدول الغربية إلى إدانة هذه الحملة واعتبرت أنّها تحمل طابع أنظمة الحكم الدكتاتوري.

بادر أردوغان باتهام حركة غولن بتدبير محاولة الانقلاب

وهكذا، فإنّ حركة غولن، التي تعوذت من السياسة، واتجهت للتعليم والدعوة، لم تكن قد تركت السياسة بالكامل، بقدر ما اختارت الولوج إليها من طريق أخرى، فتركت الصِدام المباشر وفضلّت التمدد التدريجي الناعم، ولكن، وبعدما اشتد عودها، بادرت السلطة الحاكمة بالصِدام معها.

الصفحة الرئيسية