كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟

أحمد بان's picture
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
3115
عدد القراءات

2018-07-11

"ويحكم.. كلكم يبكي فمن سرق المصحف؟"، طرح مالك بن دينار هذا السؤال على المصلين في المسجد، عقب موعظة جليلة أبكت الناس خشوعاً وتأثّراً، فلما فرغ من صلاته، بحث عن مصحفه فلم يجده، فبادرهم بالسؤال الذي ظلّ مشرعاً في وجه مجتمعاتنا، التي ترتفع أصواتها بالصلاة والدعاء ومظاهر العبادة دون أن تنعكس على سلوكها.

كدأب كل عام ترتفع في رمضان أصوات مكبرات صوات مساجدنا في كلّ حواضر العالم الإسلامي بتلاوة القرآن وإقامة صلوات التراويح، التي يرتفع فيها النشيج والبكاء في طقس متكرر، دون أن تترك أثراً دائماً في النفوس بعد انقضاء الشهر الكريم، أو حتى أثناءه كما تشهد بذلك مظاهر عديدة، تشي بتلك الازدواجية حيث كلام الليل يمحوه النهار.

ترتفع وتيرة العبادات النشيج والبكاء في طقس متكرر دون أن تترك أثراً فاعلاً في النفوس

لماذا يبدو البون شاسعاً بين صوت الشعائر وفعل الضمائر في واقعنا؟ لماذا نحتفي بالقاصر من العبادات وننفر من المتعدي منها؟

تجد ولعاً لدى هذا المسلم الموسر في الذهاب للعمرة تلو الأخرى، والحج تلو الآخر، مبالغاً في النفقة، بينما تجده مقتّراً على عمّاله، جباراً في معاملته لهم، يقسو عليهم في شروط العمل، لا يجد غضاضة في التهرب من الضرائب، أو التأمين على موظفيه، أو أداء حقوقهم، لكنه يبالغ في نفقاته التي يراها طريقاً حصرياً لرضا الله عز وجل.

اقرأ أيضاً: من منع بلالاً من الأذان؟!

باب واحد تجده مولعاً به، متجهاً نحوه بكُلّيته، ملتفتاً عن غيره من دروب الخير الأخرى، فلا إنفاق على طلبة علم، ولا إعانة أرملة، أو الأداء عن معسر، أو توفير فرصة عمل لمستحق لها، أو إنشاء معهد للتدريب على المهن بالمجان، أو غيرها من أبواب عمارة الأرض التي ترضي الله، عز وجل، وتسعد خلقه، وتخفف عنهم هجير حياة لا ترحم الضعفاء.

لماذا يبدو البون شاسعاً بين صوت الشعائر وفعل الضمائر في واقعنا؟

لا شكّ لديّ في أن تصوّر كثير الناس عن الدين قاصر، تبقى فيه منطقة الشعائر بابهم الأثير لنيل رضوان الله، عز وجل، رغم أنّ العبادات في ديننا نوعان؛ عبادة قاصرة تقتصر على نفع صاحبها، وإن بقي لها أثر غير مباشر في إصلاح عقله ووجدانه، وسوقه نحو نفع الخلق عبر أبواب عبادة أخرى هي العبادة "المتعدية"، التي يتعدى نفعها صاحبها إلى غيره.

اقرأ أيضاً: على من تقع مسؤوليّة التجديد الدّيني؟

أركان الإسلام خمسة؛ تبدأ بشهادة التوحيد التي تنفع صاحبها، وتفتح له أبواب الإسلام، ثم تأتي الصلاة التي قد تبدو عبادة قاصرة، لكنها في الجوهر ليست كذلك؛ لأنّ ثمرتها ردع صاحبها إتيان الفحشاء والمنكر، لذا حفظ لنا الأثر قوله، صلى الله عليه وسلم: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"، أما الصوم؛ تلك العبادة التي يظنّ بعض المسلمين أنها قاصرة؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قال: "كلّ عملِ ابن آدمَ لَهُ إِلاّ الصّومَ فإنّهُ لِي وأنا أَجزي به"، ليست كذلك، فهو محطة إعداد سنوي أرادها الله تعالى لخلقه، ليستقيموا على أمره، بامتناعهم الطوعي الحرّ، ليس عن الحرام فحسب؛ بل عن الحلال من الطعام والشراب والشهوة، تدريب إلهي يحظى فيه العبد بدعم إلهي، بتصفيد الشياطين للتدرب على ترك الحلال سبيلاً إلى ترك الحرام في غيره من الأيام.

العبادات القاصرة تقتصر على نفع صاحبها والمتعدية يتعدى نفعها صاحبها إلى غيره

هي عبادة متعدية؛ لأنّه من المفترض أن تخلق في نهاية الشهر شخصاً آخر إذا انتفع بهدي السماء، شخصاً أثمرت التقوى في قلبه شعوراً بمعيّة الله وسعياً لمرضاته، ينعكس على سلوكه، لتجده شخصاً متصالحاً مع الكون، سلْماً مع خلق الله، كالسيل أينما حلّ نفع، يمشي على الأرض هوناً، يساعد الخلق في شؤونهم بابتسامة لا تفارق محيّاه، متجلداً دوماً لا يتبرم بمعونة الخلق، متوخّياً رضا مولاه.

اقرأ أيضاً: هل استخدم "داعش" سلاح الرعب اقتداء بالنبي عليه السلام؟!

ثم تأتى الزكاة التي هي عبادة متعدية بامتياز، لتعيد السلام لنفوس أفراد المجتمع الفقراء، وتهذب سخائم الصدور، في مواجهة بخل الغني، تتيح للخلق أن ينعموا بشيء من نعم الله، عز وجل، التي حرِموا منها بسبب الفقر؛ لذا كانت تلك العبادة، التي لم تحسن كل الدول الإسلامية تنظيمها، هي الميزان الذي يعيد التوازن لحياة الناس، موفرة الحدّ الأدنى من الكفاف للجميع، فتنصلح أحوال نفوسهم، وتختفي الأثرة والحقد منها، تحت لواء التناصف والتضامن والحدب من الغني على الفقير، الذي يخرج بدوره زكاة ماله ليطهره، بإخراجها يشعر بأهمية الأمر أكثر من الفقير الذي يعطيه ماله، فهو في حاجة الفقير، كما يبدو الفقير في حاجته.

الصوم عبادة متعدية لأنّه من المفترض أن تخلق في نهاية رمضان شخصاً آخر إذا انتفع بهدي السماء

أما الحج؛ فهو تلك العبادة التي أمر الله، عز وجل، بها عباده، وجعلها فريضة في العمر، فما تزال كنوز الأثر تحفظ لنا تلك الواقعة لعبدالله بن المبارك، الذي كان قد شرع في التجهز للحج، وكان إذا أراد الحج جمع أصحابه يضعون نفقات الحج في صندوق واحد، يطعمهم منه أطيب الطعام، ويشتري لهم من مكة ما يرغبون فيه من هدايا وتحف، وفي الليلة التي خرج فيها لوداع أصحابه قبل سفره، وجد امرأة في الظلام تنحني على كومة من القماش، تفتش فيها، حتى وجدت دجاجة ميتة، فأخذتها، وانطلقت لتطهوها، وتطعم صغارها، فتعجب من حالها وسألها: ماذا تفعلين يا أمة الله؟ وذكّرها بالآية:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}، فلما علم فقرها أعطاها كل المال، وجعل ما فعل حجّ هذا العام، وبقيت فعلته مضرب الأمثال، لكن قلّ من ينتفع بها في عالمنا اليوم.

ليس روح الإسلام أن تبقى الشهوة متجهة لفعل خاص يسميه البعض عبادة لكنه حظّ نفس ليس أكثر

ليس روح الإسلام أن تبقى الشهوة متجهة لفعل خاص، يسميه البعض عبادة، لكنها حظّ نفس ليس أكثر، وكمّ من أهواء وحظوظ نفس ترتدي مسوح الدين والورع، تماماً كذاك الشخص المفتون بصوته في الصلاة، يرفعه دون حظّ من خشوع أو تفقّه، إلى تلك الجموع التي يعلوها النشيج والبكاء، رغم أنّهم تواطؤوا، ليس على سرقة مصحف مالك بن دينار، بل على إضاعة روح العبادة ومقاصدها، وما يضمّه المصحف وفعله في النفوس والواقع، حين يتحقق الناس بأسراره فتصوغ الصلاة والصوم والحج والزكاة والتوحيد شخصاً آخر، يصبح بحاله أفضل دعاية للدين، وليس بمقاله الصامت، وإن ارتفعت به مكبرات أصوات المساجد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: