"مجتمع المعرفة": لماذا علينا أن نتوقف عن الوهم بخصوصه؟

المعرفة

"مجتمع المعرفة": لماذا علينا أن نتوقف عن الوهم بخصوصه؟

مشاهدة

03/12/2019

رغم كلّ المحاذير التي ترافق القول بأفول عصر الصناعة وبزوغ مجتمع المعلومات، إلا أنّ مبشري "العهد المعلوماتي" يجزمون بأنّ لعبة الصناعة انتهت، وأنّ معالم المجتمع الصناعي تتلاشى في كلّ مكان على ظهر المعمورة، في الوقت الذي بدأت فيه ثورة المعلومات اندفاعها الجارف؛ واضعةً أسساً جديدة لمجتمع قيد التبلور، وهي أسس تختلف كلياً عن أسس المجتمع الصناعي.

ما يزال الوزن النسبي لرؤوس الأموال للصناعات التقليدية حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي، فيما يظلّ الاقتصاد الافتراضي هامشياً

منذ 10 آلاف عام؛ نقلت الثورة الزراعية البشر من الطور البدائي إلى الطور الحضاري بتمهيدها لاستقرار الإنسان فوق رقعة جغرافية بعينها؛ بحكم أنّ الأرض كانت أساس النشاط الاقتصادي برمّته، ليسود تقسيم بسيط وواضح للعمل ساهم في بلورة طبقات اجتماعية معينة، هي: النبلاء، رجال الدين، المقاتلون، الحرفيون، التجار، وفي أسفل الهرم الاجتماعي: الأقنان والعبيد.
بمجيء الثورة الصناعية، انقلبت حياة البشر رأساً على عقب؛ فالصناعة لم تكن مجرد تشكيلة من المصانع وخطوط الإنتاج والتجميع والنقل، بل كانت نظاماً اجتماعياً شاملاً لكلّ نواحي الحياة البشرية، وكان العمود الفقري لهذا النظام هو الإنتاج على نطاق واسع والاستهلاك، وهو ما تطلب اختلاق دولة قومية لتنظيم عملية الإنتاج وتسهيل عمليات التوزيع والاستهلاك.

 

6 أسس أقامتها الصناعة للمجتمع
في عُرف الأنثروبولوجيين أقامت الصناعة أسساً ستّة للمجتمع، وهي أسس أُقيمت أولاً في العملية الإنتاجية، لتنسحب لاحقاً على الحياة الاجتماعية، وهي، بحسب الباحث المصري راجي عنايت:
1- التخصص: وهو الميزة الأساسية للرأسمالية؛ إذ جعلت الفرد يقود عملية محدودة وجزئية في دورة الإنتاج، وفي الحياة الاجتماعية ككلّ أصبح المواطنون أكثر تخصصاً؛ الطبّ بأقسامه، الهندسة بأنواعها، الرياضة بأشكالها، التعليم بمراحله كافة.
2- التوقيت: فمنذ أصبح الزمن معادلاً للمال (ساعات العمل) انبثق ضبط التوقيت، واحترام المواعيد؛ ليصبح جرس المدرسة هو المعادل الأولي لصفارة المصنع.
3- التركيز: إذ قاد الإنتاج من أجل السوق (وليس الاستهلاك العائلي) إلى تركيز المدن في مؤسسات كبرى، وعلى المستوى الاجتماعي تركّز السكان في المدن الكبيرة بدلاً من الريف.
4- المركزية: فالعملية الإنتاجية تتطلب قراراً مركزياً، يتطلب بدوره احتكار المعلومات، وكان النظام الجمهورية أعلى درجات المركزية، والبنك المركزي في كلّ بلدان العالم، رمز المركزية الخالد.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة
5- الضخامة: وهو ما يتجلى في ناطحات السحاب الأمريكية، والمصانع الروسية بالغة الضخامة، وهما قطبا المجتمع الصناعي (بشقيه الرأسمالي والاشتراكي) في القرن الماضي.
6- النمطية: وهي حصيلة الأسس السابقة وثمرتها؛ فمن تنميط العمال في المصنع، عبر الزيّ والمكانة والرتبة والصفة، جرى تنميط السكان عبر الإعلام الجماهيري والخطاب السياسي وسياسات الدولة التي تحدّد من هو المواطن الصالح.

 

الأسئلة الحرجة
رغم أنّ الأسس الستة السابق ذكرها ما تزال عماد الحياة الحديثة في كلّ بلدان العالم بلا استثناء، بل أصبحت أكثر قوة وتغلغلاً في المجتمعات كافة، إلا أنّ مفكري "المستقبليات" يشبهون الكمبيوتر بالآلة البخارية التي غيّرت وجه الحياة البشرية في بدايات عصر التصنيع، هكذا يجري الحديث عن تطور عفوي في مجال تكنولوجيا المعلومات دون التساؤل عن المغزى السياسي والاقتصادي من التوسع فيه، إلا أنّ الأمور لا تجري في العالم الواقع بالسلاسة نفسها التي تتحرك بها في المخيال الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: وعي السياق في جدل المعرفة.. أي مأزق يواجهنا؟
ففي أوائل السبعينيات؛ كان الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات يصل إلى 25% من جملة الاستثمارات الاقتصادية في العالم، وهو معدّل يساوي الاستثمار في الإنتاج (التصنيع)، وكذلك معدل الاستثمار في البنى التحتية، وكان الاستثمار في التكنولوجيا يُخدّم على القطاعين الأخيرين (ديفيد هارفي: "الليبرالية الجديدة"، 2008)، إلا أنّه خلال العقود الثلاثة الأخيرة ارتفعت نسبة الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات إلى ما يقارب الـ 50%، وهو ما ساعد في شيوع الوهم بوجود اقتصاد معرفي جديد، وكانت المفارقة المحزنة أنّ هذا الصعود الصاروخي للاستثمار في تكنولوجيا المعلومات يعمل في المقام الأول لصالح عمليات التمويل والمضاربة التي نخرت الاقتصاد الإنتاجي في كلّ أنحاء الكوكب.
ولأنّ النيوليبرالية كانت ترمي إلى توسيع نطاقات السوق العالمية فقد دعمت ابتكار تكنولوجيا معلومات جديدة، وتطلب ذلك إيجاد قدرات تراكم وتخزين وتحليل واستخدام قواعد بيانات هائلة لتحقيق مهمتين متعاقبتين تاريخياً: إرشاد القرارات على امتداد ساحة السوق، ومعرفة ميول المستهلكين عبر المعلومات التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "فيسبوك" (أكبر منصة إعلانية في العالم)، وهو ما يُغذي أنماط الاستهلاك بشكل حادّ.

 

فخر منتجات العولمة!
"مجتمع المعرفة" الذي يُروّج له باعتباره فخر منتجات العولمة لا يمكن إثبات وجوده تجريبياً، كما يقول المنظر شيلدون أونجار، والأفكار التي يوحي بها المفهوم تشير إلى أنّ هناك 3 ملامح تميّز هذا المجتمع، هي: أنّ هذا المجتمع يستقطب المواطن جيد التعليم، وأنّه مجتمع منظم لتسهيل صناعة مواطنين يركزون على المعرفة، ويتميز بدور الإنترنت في تقديم أساس هذه المعرفة.
ويؤكد أونجار؛ أنّ المجتمع الذي توجد فيه درجة عالية من التخصص المعرفي في مجال العمل، ويزداد فيه باطراد تعريف المهن طبقاً لتخصصاتها الضيقة، هو مجتمع كاره للمعرفة ومعادٍ للقراءة، ويصبح أعضاؤه غير متحصلين على معرفة أفضل من الجيل السابق، الذي لم يستخدم الكمبيوتر، حول القضايا العامة.

"مجتمع المعرفة" الذي يُروّج له باعتباره فخر منتجات العولمة لا يمكن إثبات وجوده تجريبياً، كما يقول المنظر شيلدون أونجار

وحتى الآن لم يجد السؤال الأكثر إلحاحاً: هل الاقتصاد القائم على المعرفة هو الأكثر رجحاناً في الاقتصاد العالمي؟ أي إجابة، وإن كان مستوى التوقعات حول هذا المجتمع يتقلص باستمرار في ظلّ تكشّف أنّ تكنولوجيا المعلومات ليست أساساً لاقتصاد جديد، وإنّما هي مجال مضاربات بدرجة عالية مثال باقي المجالات، بل ما يزال بإمكان البعض الحديث عن أنّ القفزات التي حققها التقدم التكنولوجي في مجال الهاتف الأرضي أكبر بشكل لا يقارن من تلك التي حققها الإنترنت.
فما يزال الوزن النسبي لرؤوس الأموال للصناعات التقليدية حجر الزاوية في الاقتصاد العالمي، فيما يظلّ الاقتصاد الافتراضي هامشياً وملحقاً باقتصادات التمويل، والجزء المربح منه يتعلق بتصدير العلامات وهي لا تكتسب قيمة حقيقة إلا بالمضاربة عليها، والقيمة التي ينتجها آتية من قطاعات إنتاجية أخرى.
ومع ذلك، تحوَّل مفهوم "مجتمع المعرفة" إلى مسلمة ثقافية يتأسّس عليها صرح "النسوية عبر القومية" (بيتر جران: "صعود أهل النفوذ"، 2018) والتي ترى أنّ انهيار الاقتصاد الإنتاجي (الاقتصاد الصلب) لصالح اقتصادات المعرفة والخدمات خلق سياقاً أصبحت فيه النساء أكثر تأهلاً لحيازة السلطة الاقتصادية والسياسية؛ فلم يعد الرجل هو العائل الوحيد للأسرة ولا الأكثر أهمية بين أعضائها.
ولا يبدو أنّ "النسوية عبر القومية" تختصم الاقتصاد الإنتاجي بقدر ما تختصم الدولة القومية التي تفضل هذا النوع من الاقتصاد الذي بدوره يفضل الذكر؛ وعليه ستتعلق أولويات النساء بتحطيم أو إضعاف الدولة القومية (كمشروع ذكوريّ وأبويّ مُجحف بحق النساء)، والوصول إلى تحالفات عبر قومية بين نساء المركز المتروبولي والأطراف، ولو بدعوة نساء العالم الثالث إلى الهجرة إلى الغرب!


الصفحة الرئيسية