هكذا تسعى جماعة "الجزأرة" لركوب الحراك الجزائري

الجزائر

هكذا تسعى جماعة "الجزأرة" لركوب الحراك الجزائري

مشاهدة

29/06/2019

كما جرى في أكثر من بلد عربي خلال "الربيع العربي" عادت الاحتجاجات التي تعيش على وقعها الجزائر لتقدم قشّة جديدة تسعى التيارات الإسلامية، إلى التمسك بها ومعاودة الظهور، خاصة تيار "الجزأرة"، رغم أنّ جزءاً من فصائلهم يجسّد عملياً تجربة من الحكم السلطوي الفردي، بعلاقاته المتشابكة مع السلطة والمؤسسة العسكرية على مدى عقدين.

ركوب الحراك الجزائري

البداية كانت من ظهور القياديَّيْن في حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلولة في الجزائر؛ كمال قمازي، وعلي جدي، في فعاليات الحراك، وهو ما أثار مخاوف فئات واسعة من الشعب الجزائري، وجزءاً من الطبقة السياسية، بعد أن شاركا في اجتماعات المعارضة لمناقشة الوضع المتأزم الذي تعيشه الدولة الجزائرية، ونقلت ذلك وسائل إعلامية جزائرية.

الإسلاميون يريدون الالتفاف على الحراك الشعبي وجني ثماره لصالحهم دون غيرهم

بعد ظهور القياديَّيْن أصدرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بياناً رسمياً، نقلته مصادر إعلامية جزائرية، واصفة الحراك الشعبي، في بيانها الصّادر ليلة 26 آذار (مارس) الماضي؛ بـ "الانتفاضة الكبرى العارمة"، وبأنّه "ثأر لكرامة الجزائري وإنقاذ لوطنه"، ثمّ ظهر شتات جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلة بمناسبة جنازة زعيمها عباسي مدني، الذي ووري الثرى في 27 نيسان (أبريل) الماضي، في مقبرة سيدي امحمد بالعاصمة؛ حيث تدفق أنصارها من مختلف جهات ومحافظات الجمهورية، وبشعارات "يا علي، يا عباس... الجبهة راهي لباس"، و"عليها نحيا ونموت وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقى الله"، انفجر الجمع الغفير بالهتاف، معيدين بذلك أجواء تسعينيات القرن الماضي إلى الواجهة.

يرى تيار الجزأرة أنّ السقف السياسي الجزائري تغير بفعل الحراك الجماهيري وأنّ الفرصة سانحة للعودة

وقد نقل موقع إذاعة "مونت كارلو" تقريراً حول شريط فيديو تظهر فيه مجموعة من الإسلاميين الملتحين، وهم يتظاهرون في الجزائر، ويهتفون "سلمية.. سلمية.. جزائر إسلامية"، واقتصر التصوير على اللقطات القريبة؛ حيث لا يظهر حجم المظاهرة، التي تقدمها أطفال يرتدون الزي الأفغاني للأولاد والحجاب للبنات، وتحدث البعض في التقرير عن مخاطر بروز الإسلاميين أو تعاظم دورهم في الحراك الشعبي.
ونقلت "مونت كارلو" كذلك، عن مصادر صحفية؛ أنّ هذه المجموعة من أتباع علي بلحاج، أحد قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المحظورة، وأنّ هذه المظاهرة ليست الأولى، وإنما تعودوا منذ بداية الحراك على التظاهر في حي القبة الذي يقع في أعالي العاصمة، وكان يعدّ أحد معاقل الجبهة، نظراً إلى أنّ بلحاج يقيم في هذا الحيّ، وتعوّد إلقاء خطبة الجمعة في أحد مساجده.

اقرأ أيضاً: جدل الأمازيغية في الجزائر... نزاع رايات أم إرادات؟
ونشر موقع "جزائر 1"؛ أنّ الإسلاميين يريدون الالتفاف على الحراك الشعبي وجني ثماره لصالحهم دون غيرهم، وأنّه أيقظ فيهم حلم إقامة الدولة الإسلامية في الجزائر؛ حيث أعلنت عدة شخصيات سياسية وحقوقية من مختلف الاتجاهات الأيديولوجية، تأسيسها لـ "الاتحاد من أجل التغيير" استثماراً لما يجري.
نواة الصعود

إنّ ظهور الإسلام السياسي في الحراك الجزائري يقود بالضرورة إلى الحديث عن أحوال نشأته وبروزه، ووفق الكاتب والباحث في الإسلام السياسي، محمد الفقي، في حديثه لـ "حفريات" فإنّه "بعد الاستقلال الجزائري، في الخامس من تموز (يوليو) 1962، برز خلاف حاد بخصوص التوجه الاشتراكي للدولة، وجرى التضييق واعتقال كلّ رافض لهذا الخيار، فنشطت حركت التثقيف الإسلامي في الجامعة الجزائرية من خلال محاضرات الأستاذ مالك بن نبي، وتشكلت من حوله نواة من الحركيين "تيار الجزأرة"، الذين سيلعبون دوراً مهماً في الجزائر".

سابقاً استطاع بعض أقطاب تيار الجزأرة التحالف مع الإخوان المسلمين

وتابع بقوله: "في السبعينيات؛ ظهر التيار الإخواني بجناحيه؛ العالمي والإقليمي، بتدخل جهات من الجماعة في الكويت وسوريا، وتورط الإخوان بدافع عوامل الحزبية العمياء في صراع مع تيار النخبة الجامعية، وحدثت صدامات في الأحياء الجامعية في السبعينيات والثمانينيات، كان الهدف منها إقصاء تيار النخبة (أي الجزأرة) من مواقع العمل المسجدي، ليحلّ محلّها التيار الإخواني الإقليمي خاصة، ممّا أدّى ببعض الفعاليات الإسلامية التي كانت تطلق على نفسها عنوان الاتجاه الحيادي، بالضغط على الجماعات الحركية الثلاث: البناء الحضاري، والإخوان الإقليميون، والإخوان العالميون، للتوحّد ضمن صيغة واحدة، جرى ذلك في عامين من الحوار، قبل أحداث تشرين الأول (أكتوبر) 88، تحت رعاية الشيخ أحمد سحنون (1907-2003)، وتمّ تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية".

اقرأ أيضاً: إخوان الجزائر يغازلون الجيش وعيونهم على الحراك الشعبي
وضمت هذه الرابطة، وفق الفقي، كلاّ من محفوظ نحناح، وعباسي مدني، وعبد الله جاب الله، وعلي بلحاج، وكان الهدف منها أن "تكون بمثابة إطار دعوي يجمع كافة أطياف الحركة الإسلامية، لتوجيه العمل الدعوي وتوجيه جهود العاملين، بعد توحيدها وتنسيقها، لاجتناب التناحر والشقاقات داخل صفوف الحركة الإسلامية، إلا أنّ التناقضات في المرجعيات الفكرية والولاءات العابرة للقارات أجهضت المبادرة".

تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ
وجد عباسي مدني في علي بن حاج وجماعته قاعدة نضالية تؤهّلهم لكسب المعركة السياسية مع خصومهم، وتمكّنهم من الضغط على الجماعات الحركية النخبوية التي حاولت تهميشه بسبب تهوره وارتجاليته، والتي جعلته يورطها في أحداث 1982، التي أدت إلى اعتقالات تركزت على رموز تيار البناء الحضاري (الجزأرة) خاصة.

مؤسس جبهة الإنقاذ الإسلامية عباسي مدني
كان مدني أستاذاً محاضراً ناجحاً دافع عن توجهاته، وما حاور أحداً إلا أفحمه، وارتجاليته جعلت منه غير مؤهل لقيادة عمل سياسي، وهو ما جعله يسقط في مأزق العشرية السوداء، وكان من أكبر نكباتها أن فقدت الحركة الإسلامية النخبوية البناء الحضاري، أو الجزأرة، قائدها الشيخ محمد السعيد، وهو الرجل الذي دخل في صراع كبير مع الإخوان المحليين، بقيادة عبد الله جاب الله، والإخوان العالميين بقيادة النحناح .

حدثت صدامات في الثمانينيات كان الهدف منها إقصاء تيار الجزأرة ليحلّ محلّه التيار الإخواني

هذه الظروف ساهمت في إنشاء الحركة السلفية في الجزائر، بقيادة الشيخيْن؛ عباسي مدني ، وعلي بلحاج (الذي يعيش الآن تحت الإقامة الجبرية)، حزباً سياسياً (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، تمكّن فيما بعد من الانتشار الواسع في الأوساط الشعبية والمثقفة، وانضم له تيار الجزأرة بقيادة محمد سعيد (مواليد 1945) الذي كان التحق بعد الاستقلال بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان يدرس نهاراً ويحترف الخياطة ليلاً ويواظب على دروس مالك بن نبي وكذا ندوات نادي الترقي.

وعن بروز تيار الجزأرة يقول الكاتب والباحث، محمود الطباخ إنّه في مطلع السبعينيات أنشأ بعض تلاميذ المفكر الإسلامي الجزائري، مالك بن نبي، أول مسجد للطلاب الصحويين في الجامعة الجزائرية، وعرفوا في حينها بـ"جماعة الطلبة"، مضيفاً في حديثه لـ "حفريات" أنّ هذه الجماعة كانت تحمل فكر الحركة الإسلامية المعاصرة، وتدعو إلى إحياء تراث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتركيز على الخصوصية الجزائرية في طرح الحلّ الإسلامي، "مما دفع الشيخ محفوظ النحناح الذي تزعم جماعة الإخوان، المرتبطة بالتنظيم الدولي، لوصمهم بمسمى (الجزأرة)، الذي تحوّل فيما بعد إلى لقب لهم رغم رفضهم له، وكانت حركتهم تقوم في عموميات فكرها على مزيج من أفكار "الإخوان المسلمين"، مع موروثات الصحوة الإسلامية في الجزائر، من تراث جمعية العلماء المسلمين، بالإضافة إلى أفكار مالك بن نبي النهضوية" .

اقرأ أيضاً: هل ينجح "العسكر" في إدارة مرحلة انتقالية في السودان والجزائر؟

عقب ظهور جبهة الإنقاذ، وقفت جماعة الجزأرة عند مفترق طرق؛ هل تنشئ حزباً؟ أو هل تنخرط في الجبهة لتستدرك الهاوية؟ أو هل تبقى كعادتها الجماعة ذات التنظيم السري المحكم المركز على الجامعات والنخبة؟ ووقع نقاش كبير بين قياداتها ونشأت كتلتان: الأولى قيادية ضدّ الانخراط في جبهة الإنقاذ بقيادة الشيخ بو جلخة، وأخرى تدعو للانضمام في جبهة الإنقاذ، وتفجّر الحزب من الداخل، وانضمت مجموعة التيار السلفي الجديد، وعقدوا مؤتمراً في مدينة باتنا، وجمّدوا عضوية كلّ مشتبه فيه بأنه مندس من الأجهزة الأمنية، وبعدها جاءت الانتخابات التشريعية ففازت جبهة الانقاذ بأغلبية المقاعد، وحدث ما حدث من إلغاء نتيجتها، وزجت قيادات الجبهة وقاعدتها بالآلاف في سجون صحراء قاحلة .

استطاع تيار الجزأرة أن يخترق التنظيمات الإسلامية، داخل الجزائر وخارجها، بل والمشاركة في قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجماعات المسلحة التي قادت البلاد في العشرية الدموية، وتصفية قيادات إخوانية، كالشيخ بوسليماني، اليد اليمنى للشيخ النحناح.

في العام 1994؛ بايع كلّ من الشيخ محمد سعيد، وعبد الرزاق رجّام، وغيرهما من الجبهة الإسلامية للإنقاذ قائد الجماعة الإسلامية المسلحة"GIA" ، رغم رفض أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ "AIS"، مدني مرزاق، الانضمام إليها، حتى صارت تمثل أكثر من 95% من المسلحين الذي صار عددهم بعشرات الآلاف مع حلول 1994.

الجزأرة وإخوان الطلائع

من جهته، يقول الكاتب محمود الطباخ، لـ"حفريات": في فرنسا استطاع بعض أقطاب تيار الجزأرة التحالف مع الإخوان المسلمين، جناح عصام العطار، وبرز طلبة جزائريون، من حاملي فكر مالك بن نبي، للتعريف به في أوساط جمعية الطلاب المسلمين الإخوانية في فرنسا، مثل صادق سلام، نجم القناة المغاربية، وإمام مسجد الدعوة، الدكتور العربي كشاط.

والدكتور العربي كشاط من مواليد العام 1945، وانتقل إلى باريس العام 1972، للالتحاق بجامعة السوربون، ليتمّ دراسته المتخصصة في علم الاجتماع، وفي العام 1979 التحق بجمعية ثقافية إسلامية تأسست من مجموعة من العمال المسلمين، وفي العام نفسه أثمرت جهوده تأسيس مسجد الدعوة وتنصيبه إماماً فيه ليستولي على إداراته لاحقاً.

عقب ظهور جبهة الإنقاذ وقفت جماعة الجزأرة عند مفترق طرق بين مؤيد للانضمام للجبهة ومعارض

في العام 1994 تمّ اعتقاله من طرف السلطات الفرنسية، برفقة عشرين من الشبان المسلمين من أصول مغاربية في "عملية أمنية"، قادها وزير الداخلية آنذاك؛ (شارل باسكا)، لتطهير فرنسا من كلّ العناصر الموالية للقتال بالجزائر، وبعد عام من القضاء، استطاع العودة والتمتع بحرية كاملة، وحوّل كلّ ندوات "مسجد الدعوة" إلى موعد لقاءات قيادات إخوانية من تنظيم عصام العطار وكمال الهلباوي .

ومسجد الدعوة بباريس، الذي أنشئ العام 1978، يتردد عليه يومياً حوالي 300 إلى 500 مصلٍّ، من الذكور والإناث، وفي العطلة الأسبوعية يصل عدد المترددين عليه ما بين 500 إلى 700 مصلٍّ، من جنسي الذكور والإناث.

أما صادق سلام؛ فقد ولد في (دويرة) الجزائرية، عام 1950، ولم يتمّ دراسته الجامعية؛ حيث سجل في جامعة باريس تخصّص رياضيات، وقدّم نفسه تارة "عالم في الإسلاميات"، وتارة "مؤرخاً"، وتارة "باحثاً في الشأن الإسلامي الفرنسي"، وأحياناً أخرى "الباحث الجزائري المتخصص في الدراسات الإسلامية"، وهو يعمل الآن في الموقع الفرنسي "موندافريك"، الذي يديره نيكولا بو، الصحفي السابق، الذي طرد من صحيفة "لوموند"، والمتهم قضائياً بتلقي دعم من إحدى الدول الخليجية.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

كما نجح وجه آخر للجزأرة؛ الدكتور محمد سليماني، المستشار العلمي الحالي لشيخ الأزهر، في تنظيم لقاء مصالحة أجنحة الحركة الإسلامية الجزائرية، العام 1996، في سانت ايجيديو، روما، إيطاليا، بمبادرة من الشيخ الحسين السليماني، وهو من رجال الدين المرموقين بمدينة المديّة، تقع المدية جنوب غرب العاصمة وتبعد عنها 150 كلم، التي رفعتها الأحداث الدامية التي عاشتها الجزائر إلى مرتبة قم الإيرانية؛ حيث عقد لقاءً كبيراً وموسعاً جمع فيه، العام 1995، كلّ الأطياف السياسية، الإسلامية والوطنية، في العاصمة الإيطالية، روما، برعاية جماعة "سانت إيجيديو"؛ إحدى واجهات عمل الفاتيكان، وكانت له علاقات وطيدة بالجماعات المسلحة، ونفوذ حقيقي فيها، سيما أيام قيادة جعفر الأفغاني، والسايح عطية (قضى عليهما الأمن في بداية عام 1994)، وقد استدرك أحد عقلاء الجناح العسكري للجزأرة الأمر، وهو الشيخ علي بن حجر، فجمع صفوف أصحابه، وانسحب من الجماعة الإسلامية المسلحة، وكشف تورطها في المجازر الشعبية، وتورط بعض أجهزة الاستخبارات في تسييرها.

الآن، يرى تيار الجزأرة؛ أنّ السقف السياسي الجزائري تغير بفعل الحراك الجماهيري، وأنه يمكن أن يكون رقماً في العمل السياسي حال عودته، وهي العودة التي يرى مراقبون أنّها تندرج في إطار محاولة استغلال الوضع استعداداً للمرحلة المقبلة.

الصفحة الرئيسية