العراق يتزلزل.. والإخوان المسلمون يعقدون مؤتمرهم الحزبي

العراق يتزلزل.. والإخوان المسلمون يعقدون مؤتمرهم الحزبي

مشاهدة

28/10/2019

زيد بن رفاعة

عقد حزب الإخوان المسلمين في العراق “الحزب الإسلامي العراقي” مؤتمره يوم السبت الموافق (2019/10/26)، واختار إياد السامرائي رئيساً للهيئة العليا للحزب، ورشيد العزاوي أميناً عاماً، مع اختيار نائبين للأخير، النائب السياسي والنائب الإداري، وانتخاب مكتب سياسي للحزب. لكن ما يلفت النظر أن الحزب الذي ظل يتداول أعضاؤه القدماء قيادته، من دون تجديد، كأنه لم يعقد مؤتمره في العراق، وكأنه لم يسمع بالتظاهرات الحاشدة، والتي بدأت في الأول من أكتوبر ولم تنته بعد، وكأنه لم يسمع بنحو مئتي قتيل فيها ونحو ثمانية آلاف جريح، ناهيك عن المعتقلين.

صحيح أن التظاهرات حدثت في مناطق ليس للحزب الإسلامي وجود فيها، لأنها مناطق شيعية، ما عدا وجود ضئيل له في البصرة، لكنها حالة عراقية، تخص الحكومة التي يُشارك فيها هذا الحزب، والبرلمان الذي تمثله فيه كتلة سياسية وإن كانت باسم مخاتل أيضاً، مثلما فعلت الأحزاب الإسلامية كافة. فعندما تقرأ التصريح الإعلامي لمؤتمر حزب الإخوان تنسى أنه جزء من العراق، ويعمل بين العراقيين، وعندما تطّلع على موقعه الرسمي وصفحته في موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) تنفصل مع الحزب عن الواقع تماماً. فتجده يعبّر عن مستقبل زاهر لهذه البلاد، بتحقيق مشروعه (الوطني) حسب تسميته له، ومشروعه الحزبي الداخلي التنظيمي.

جماعة الإخوان

تأسس فرع الإخوان المسلمين في العراق في الأربعينات من القرن الماضي، باسم مخاتل في بداية الأمر “جمعية الأخوة الإسلامية”، وجعلوا رئيسها الشيخ أمجد الزهاوي، وهو تعيين مخاتل أيضاً، فالرجل ما كان له شأن بعمل سياسي، لكن الإخوان ضخموا دوره في تأسيسهم، وكان بحدود عنوانهم الأول “الأخوة الإسلامية” لا أكثر. ويمكن تشبيه تضخيم دور الزهاوي في ظهور وقيادة جماعة الإخوان المسلمين العراقيين بحالة حزب الدعوة الإسلامية، الذي تأسس عام 1959، وهو الوجه الشيعي للإخوان المسلمين، مع محمد باقر الصدر، فقد جعلوه المؤسس والفيلسوف والاقتصادي والمنطقي، بينما هو لم يبق، في الحزب المذكور سوى أسابيع معدودة، وترك الحزب في بداياته.

ربَّما كان الإخوان المسلمون في العراق أول جماعة تنشئ حزباً سياسياً، كواجهة للعمل السياسي، وهو الحزب الإسلامي العراقي، الذي منحته حكومة عبدالكريم قاسم سنة 1960 إجازة العمل الحزبي، ثم بسبب مذكرة نشرها الحزب جُمّد عمله. من ذلك التاريخ والجماعة مفصولة تنظيمياً عن الحزب وقيادته العلنية، فالحزب يعد جناح الإخوان السياسي، وله أمينه العام، بينما تنظيم الإخوان له قيادته الممثلة في المراقب العام، ومن المعلوم أن الإخوان المسلمين خارج مصر يعدّون فروعاً، يتزعمها “مراقب”، أما المرشد فهو من حق الجماعة الأم بمصر.

تولى منصب مراقب الإخوان منذ تأسيسهم: محمد محمود الصواف، والذي أخرجه رفاقه من التنظيم، وشكلوا له محاكمة داخلية، وهذا ما سجله شخصياً في كتابه “سجل ذكرياتي” ثم دفعوه إلى الهجرة، ضمن الصراعات مع اليسار العراقي حينها (1959)، وبعدها أصبح عبدالكريم زيدان مراقباً عاماً، وظل في هذا الموقع حتى عقد التسعينات، ثم زياد شفيق الراوي فمحسن عبدالحميد، والآن يوجد مراقب للإخوان من غير قيادة الحزب.

حزب الإخوان

تأسّس الحزب الإسلامي العراقي عام 1960 ثم جمد نفسه عام 1968 أي بعد 17 تموز، وظل يعمل بحذر شديد، غير ملحوظ لدى الناس، حتى تأسيسه الثاني سنة 1991 بعد غزو الكويت، وبعد 2003 تأسس تأسيسه الأخير، وهي مراحل في التأسيس من تاريخ الحزب نفسه. كان أول أمين عام له نعمان عبدالرزاق السامرائي، وبعد التأسيس الثاني أصبح إياد السامرائي أميناً عاما، وفي التأسيس الثالث أصبح محسن عبدالحميد أميناً عاماً، وبعده تولى الأمانة العامة طارق الهاشمي فأسامة التكريتي ثم إياد السامرائي (2011)، وفي المؤتمر الأخير أصبح إياد رئيساً للهيئة العليا للحزب، وعلى ما يبدو أنه منصب مستحدث للحزب، حيث يأتي بعده أمين عام الحزب رشيد العزاوي. للحزب الإسلامي ولجماعة الإخوان فروع قومية، فبين التركمان هو “حزب العدالة التركماني”، وبين الأكراد هو “الاتحاد الإسلامي الكردستاني”.

في الانتخابات السابقة انقسم الحزب الإسلامي إلى جناح يترأسه سليم الجبوري، تحت اسم “التجمع المدني للإصلاح”، غير أنه انضم إلى تحالف الوطنية بزعامة إياد علاوي. والجناح الآخر مثله وزير التربية محمد إقبال، الذي يضم عدداً من الشخصيات المدنية، ودخل في تحالف نينوى هويتنا. هناك أيضاً جناح مثله صهيب الراوي، وجناح آخر ضم مجموعة من الشخصيات العشائرية والنواب في صلاح الدين، فضلا عن الجناح الرئيس للحزب الذي مثله إياد السامرائي، لكن الحزب لم يعتبر ذلك انشقاقاً، إنما عملا انتخابيا.

لكن استقالة طارق الهاشمي ومن ثم أسامة التكريتي من الحزب، وربما من حركة الإخوان، تفضح انشقاقات الحزب والجماعة التي يمثلها، ولم يكن بُعد سليم الجبوري عن الحزب تصرفا انتخابيا، وإنما أشير إلى علاقته وتكتله مع بعض القوى السُنية بإيران. فعندما أفصح وزير الدفاع، الذي عُزل بسبب اتهام بالفساد، عن فساد سليم الجبوري داخل البرلمان، وكادت تُسحب الثقة منه، غادر إلى طهران وعاد إلى منصبه، والمحكمة العليا برّأته مما قدمه وزير الدفاع من وثائق بشأنه.

ما زال الحزب، مثل جماعة الإخوان نفسها، منذ 2003، غير واضح في عمله، فمن جهة يتحدث عن العراق والعمل الوطني ومن جهة ثانية يمثل الطائفية في عمله، فالحزب بالأساس موجه إلى أهل السُّنة، شأنه شأن حزب الدعوة الإسلامية، وإذ اعتبر نفسه فاعلاً في السياسة الحكومية بعد (2003)، وتعامل مع الأميركان تعامل الصديق واعتبرهم المنقذ المنتصر للعراق، حسب اجتماع أمينه العام السابق طارق الهاشمي بالرئيس الأميركي جورج بوش الابن، إلا أنه يحتفظ لنفسه بعلاقة مع المقاومة الإسلامية المسلحة ضد الأميركان، وله جماعات يتعامل معها سراً، كذلك لم يكن في معزل عن الاتهام بتدبير القتل والفساد.

أما عن صمته إزاء ما يحدث الآن في العراق، من تظاهرات وعنف الميليشيات ضد المتظاهرين، فيعود، حسب تصورنا إلى علاقته بإيران، ومسايرة سياستها داخل العراق. فمن المعلوم أن شخصيات سُنية غير قليلة أخذت بالاقتراب من إيران، لتضمن المراكز والمناصب. وحتى هذه اللحظة لم تتقدم جهة حزبية سُنية، بموقف من القتل الذي نفذته الميليشيات والقوات الأمنية ضد المتظاهرين، وعلى العكس ترى تلك الشخصيات تثني على الدور الإيراني في محاربة داعش، بينما حقيقة الأمر أن إيران جعلت انتصار الجيش العراقي على داعش، والذي مثله الضابط عبدالوهاب الساعدي وبقية ضباط الجيش المحترفين، إلى انتصارات للحشد الشعبي، والذي يمثل بالنسبة إليها فيلقا من فيالق الحرس الثوري الإيراني.

ناهيك عن أن الحزب الإسلامي وبالتالي تنظيم الإخوان المسلمين نفسه، جزء من منظومة الإخوان الدوليَّة، وهذا ما لا يتفق مع التظاهرات التي مثلها شباب رفضوا تدخل الدين في السياسة، والعزم على إسقاط الوضع السياسي برمته، والذي يعد الحزب الإسلامي جزءا منه. على ما يبدو أن الإخوان المسلمين، مثل بقية الإخوان، يعملون بفكرة التمكين، والتمكين السياسي الآن أن يكونوا بالقرب من إيران، مع أن حلمهم بالخلافة بات افتراضياً كبقية فروع الإخوان، ولا ندري ما هو مشروعهم، الذي أطلقوا عليه تسمية “الوطني”، وهم يعيشون في غيبوبة على ما يبدو، شغلتهم صلاة الغائب على مرسي عما يحدث داخل البلاد، وعلى ما يعدونه في الماضي مِن أمجاد، وإلا، هل من المعقول أن البلاد تحترق وهم مشغولون بعقد مؤتمر حزبي! ويوزعون المناصب الحزبية، ويتبادلون التهاني بنجاح مؤتمرهم، إذا لم يكونوا قد أصابتهم نوبة من الغيبوبة؟

عن "العرب" اللندنية

الصفحة الرئيسية