يمين بديل أم جهاد؟ (١-٢)

يمين بديل أم جهاد؟ (١-٢)

مشاهدة

08/07/2019

ترجمة: كريم محمد


كانت آخر قنبلةٍ تمّ إخلاؤها عندما كنتُ متوجّهاً صوب لاس رامبلاس من منزلي، وهو ممشى برشلونة المكتظ بالسيّاح، في شهر آب (أغسطس) ٢٠١٧، وهناك تماماً، ألقى "جندي داعشي" ساخط قنبلته في هذا الحشد، مما أسفرَ عن قتل أربعة عشر شخصاً وإصابة أكثر من مئة شخص من مختلف الدول.

اقرأ أيضاً: هل تفرض أوروبا عقوبات جديدة على تركيا بسبب هذه الأعمال؟

وكنتُ لتوّي قد تركت ابنة أخت زوجتي، للقاء أصدقاء في ساحة كاتالونيا، وهي الساحة التي حدث قربها الهيجان. كان شعوراً مزعجاً ومرهقاً مرّة أخرى، ممّا يجلب استذكار مجزرة باريس في مسرح باتاكلان وكافيه (La Belle Équipe)، عام ٢٠١٥، وهو المكان المجاور لبيت ابنتي التي تعيش فيه، وفي منتزهٍ بحريّ جنوب المدينة، قامت سيّارة مكوّنة من خمسة دواعش مدجّجين بالسكاكين بقتل امرأة قبل أن تقوم الشرطة بقتلهم جميعاً، وقد نشرَ أحد المهاجمين الهائجين على الشبكة العنكبوتيّة قبل عامين؛ أنّه عندما يصبح "ملك العالم" فسيقوم في يومه الأول بـ "قتل الكفّار، ولن يدع سوى المسلمين الذين يتّبعون الدين".

بعد مجزرة باريس في مسرح باتاكلان وكافيه (La Belle Équipe)، عام ٢٠١٥

وعندما اقتربتُ من خطّ الأمن البوليسيّ في برشلونة، ظنّ أحدهم أنّهم سمعوا ضجيجاً، وكانت شائعة هجوم آخر؛ حيث رأى شخص أيضاً حركة مفاجئة من قبل شخصٍ قاتم البشرة، وسقوطاً غير متوقّع من أحد المتفرجين، أو ربما لم يرَ شيئاً على الإطلاق، هرولَ الناسُ، وعجّوا صراخاً، ثمّ توقّف كلّ شيءٍ كما قد بدأ.
إنّ استراتيجية ضرب أيّة أهداف ناعمة لا محدودة في مجتمعاتنا لا بدّ من أن تقوّض إيمان الناس بأنّ الحكومة يمكن أن توفّر الأمن، وذلك حيث إنّ الاشتباه المتزايد والكراهية ضدّ هؤلاء المختلفين، لأنّهم سيرون أنّهم يعيشون في سلامٍ لا يجلب سوى الألم.

قيم الديمقراطيّة المنفتحة يبدو أنّها تخسرُ قوّتها حول العالم بالنسبة للقوميّات الإثنيّة التي لديها رهاب من الأجانب والأيديولوجيات الراديكاليّة

في اليوم التالي، وعلى امتداد شارع البليفارد التسوقيّ الذي يفضي إلى ساحة كاتالونيا؛ كانت هناك دقيقة صمت، تبعتها دموع، وهتافات، الشعب الإسبانيّ كافة، لبضع ساعات، أتى كي يرى أنّ "قيمنا وأسلوبنا في الحياة ستنتصران"، كما قال رئيس الوزراء الإسبانيّ، ماريانو راخوي، لكن دونٍ إشارة منه لكيفيّة ذلك، تماماً كما أعلنت رئيسةُ الوزراء البريطانيّة، تيرزا ماي؛ بأنّ "قيمنا ستسود"، عندما قام مجرمٌ صغيرٌ آخر "متحوّل" إلى النّعيم الإنقاذيّ للإسلام الراديكاليّة بقتل وإصابة المارة بعد قيادته عبر جسر وستمنستر.

لقد قام المعلّقون والسياسيّون، على مدار هذه الأحداث، بتكرار مُبتذل  القول وشائنه، ثمّ قاموا بتمزيق بعضهم إرباً؛ بسبب عدم وجود دليل على كيفيّة إيقاف ما يعرف كلّ أحدٌ أنّه آتٍ. والحال أنّ إحدى المشاكل قد تكون في النّظر إلى الإسلام الراديكاليّ بدلاً من القوى العالميّة الأكثر والأكبر انتشاراً.
إنّ هذه الهجمات يُطلَق العنان لها من الجانب المظلم للعولمة، حيث الرغبة في الديمقراطيّة الليبرالية معدومة. 

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه

والحال؛ أنّه في الأسبوع الذي سبقَ هجوم برشلونة، كان الإرهابي  بشارلوتسفيل، بفيرجينيا، عنصريّاً أبيضَ قامَ بجرح وقتل الناس  عشوائياً تقريباً بسيارته على نحوٍ مألوفٍ بشكل مؤلم لعمليات القتل المستوحاة من أساليب القتل الداعشيّة في لندن ونيس وبرلين، لقد كان عملاً تكرّر مؤخراً في مانهاتن على يد شخصٍ رهينٍ لداعش؛ حيث قام بقتل ثمانية من السّابلة وجرح اثني عشر بشاحنةٍ مأجورة، وقد وصفَه ناشطٌ ومُلمّ بالموضوع منحدرٌ من الجماعة المهاجرة للمقاتل نفسه، في صحيفة "نيويورك تايمز"؛ بأنّه "شخصٌ عاديّ تماماً قام بتنمية الوحوش داخله"، وهكذا أيضاً، وفق مدرّس التاريخ الذي درّس المقاتل؛ فإنّ "هذا كان شيئاً ينمو فيه… لقد كان مفتتناً بالنّازيّة [و]الرؤى العنصريّة البيضاء".

 رئيس الوزراء الإسبانيّ ماريانو راخوي

وسواء أكان ذلك يميناً متطرّفاً أو إسلاماً راديكاليّاً، فإنّ قيم الديمقراطية الليبراليّة المنفتحة يبدو أنّها تخسرُ قوّتها حول العالم بالنسبة إلى هذه القوميّات الإثنيّة التي لديها رهاب من الأجانب والأيديولوجيات الراديكاليّة.

لقد توصّل فريقُنا البحثيّ في جامعة "أكسفورد" إلى أنّ هذه القوى تهدّد المجتمعات الحرّة اليوم بصورة أكبر ممّا فعل الفاشيّون والشيوعيّون في عشرينيّات وثلاثينيّات القرن الماضي؛ نجدُ في المجر، مثلاً؛ أنّ الشّبان يدعمون بقوّة دعوة الحكومة من أجل "التماسك الوطنيّ" الذي فُقِدَ مع سقوط النظام الفاشيّ والموالي للنّازية لميكولوس هورثي؛ وهي تلك الدعوة التي تدعو إلى استئصال قيم "كوزمباليتانيّة" و"كونيّة"، هي قويّة بالفعل، ونتوصّل في العراق إلى أنّ كلّ الشّبان تقريباً الذي قمنا بمقابلتهم، الذين فرّوا من حكم الدّولة الإسلاميّة في الموصل، رحّبوا في البدء بذلك لتعزيز الاستقرار والأمن وسط لجج الفوضى التي تلت الغزو الأمريكيّ، حتى أنّهم تمّ عزلهم بفعل الوحشيّة المتزايدة أبداً.

القوميات الإثنية تهدّد المجتمعات الحرّة اليوم بصورة أكبر ممّا فعل الفاشيّون والشيوعيّون في عشرينيّات وثلاثينيّات القرن الماضي

وفق مسح القيم العالميّة، لا يؤمن غالبيّةُ الأوروبيين بأنّ العيشَ في دولةٍ ديمقراطيّةٍ هو "شيء مهمّ للغاية" بالنسبة إليهم، يشملُ هذا معظم الشباب الألمان تحت سنّ الثلاثين، ولا سيّما أسلافهم في ألمانيا الشرقيّة الشيوعيّة سابقاً الذين صوّتوا، في أيلول (سبتمبر( الماضي، في البرلمان لصالح الحزب الشعبويّ اليمينيّ البديل لألمانيا. لقد استحوذ كلٌّ من الجبهة الشعبيّة اليمينيّة لماري لوبان واليساريّ جان لوك ميلنشون، في نيسان (أبريل) العام الماضي، معاً على حوالي نصف أصوات المنتخبين الفرنسيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٣٤ عاماً، في الجولة الأولى من الانتخابات. وفي الولايات المتحدة، توصّل العالمان السياسيّان؛ روبرت فوا، وياسه مونك، إلى أنّ نصف المواطنين الأمريكيين تقريباً فقدوا إيمانهم بالديمقراطيّة؛ حيث يفضّل أغلب الشباب ذوي الدخل المرتفع الحكمَ العسكريّ، الذي من المُفترض أن يوقِف الاضطرابات الاجتماعيّة المتزايدة المتعلّقة باللامساواة في الدخل، والأمان الوظيفيّ، والفشل المستمرّ في الدمج العرْقيّ والاستيعاب الثقافيّ في عصر سياسات الهويّة.

اقرأ أيضاً: الكشف عن مخططات داعش في أوروبا

لقد وجدنا في بحثنا الخاصّ بفرنسا وإسبانيا استعداداً قليلاً لتقديم تضحيات باهظة لوجه الديمقراطيّة، خاصّة بالمقارنة مع الاستعدادات للمجابهة والموت في سبيل الجهاد في أوروبا وإفريقيا الجنوبيّة والشرق الأوسط، ولم تكشف مقابلاتُنا واسعة النطاق وتجاربنا النفسانيّة عن "صدام الحضارات"، مثلما أعلن وزير الداخليّة البولنديّ، كردّ فعلٍ على الأحداث في برشلونة، وإنّما كشفت عن انحلال الحضارة؛ حيث يبتعدُ الشّبان عن التقاليد بحثاً عن هويّة اجتماعيّة تمنحُ المعنى والمجد الشخصيّ، يتردكلُ الأفرادُ لإيجاد هويّة وطيدة في عالمٍ مسحوق، وفي هذا الواقع الجديد؛ فإنّ الخطوط العموديّة للتواصل بين الأجيال إنّما تحلّ محلّها الروابط الأفقيّة النِّديّة التي يمكن أن تعبر القارات، وإن تكن عبر قنوات ضيّقة للأفكار والمعلومات، وقد أثبتت أبحاثُنا أنّ الحركات اليمنيّة المتطرّفة اليوم، رغم نقدها اللاذع لـ"دعاة العولمة"، تنطوي، هي نفسها، على النسق العولميّ الضيّق ذاته من التغريدات والمدوّنات وغرف الدردشة التي تتصلُ بمجموعات عَيْنيّة في جميع أنحاء العالم باسم الحركة الجهاديّة.

يتردكلُ الأفراد لإيجاد هويّة وطيدة في عالم مسحوق

يضعنا (اللا)نظام العالميّ الجديد جميعاً في خطرٍ في هذا العصر العولميّ؛ حيث تنفجرُ القوى غير الحكوميّة بعنف من خلال نسق الدولة القوميّة، ناشرةً الميمات المُقلقة والعنيفة. إنّ الإنتاجات الغربيّة للدولة القوميّة وللأسواق المفتوحة نسبيّاً التي تهيمنُ اليوم على النظام الاقتصاديّ والسياسيّ العالميّ (والذي تؤيّده دولٌ غيرُ غربيّة كالصين وروسيا اليوم) قد أزاحت، بصورةٍ كبيرة، الأشكال القديمة من الحوكمة والتشكلات الاجتماعيّة والنشاط  الاقتصاديّ الذي انطوى على جماعات بأكملها من شعوب كانت تعرف بعضها البعض عن قرب. بدلاً من ذلك، أدّى ارتفاع عدد السكان والتحضّر والاتصالات السريعة والشاملة والنقل والعلم والتكنولوجيا، أدّى ذلك كلّه إلى تحويل الناس في أقصى مناطق الكوكب إلى لاعبين متنافسين يسعون إلى التقدّم وتحقيق الذات من خلال التراكُم الماديّ والرموز الدالّة عليه، بيد أنّ المنافسة التي يحرّكها السوق غالباً ما تأتي بكلفة اجتماعيّة وشخصيّة عالية؛ فعندما تفتقرُ المجتمعاتُ لما يكفي من الوقت للتكيُّف مع كلّ الاختراعات والتغيرات، فإنّ أفرادها لا يبلغون تحقيق تطلعاتهم، ويتفاقمُ القلقُ والاغتراب، ويمكن للعنفِ أن ينفجر على مدار خطوط الصّدع الدينيّة والسياسيّة السائدة.

في الولايات المتحدة، توصّل العالمان السياسيّان روبرت فوا وياسه مونك إلى أنّ نصف المواطنين الأمريكيين تقريباً فقدوا إيمانهم بالديمقراطيّة

لقد كان الفيلسوفُ الدينيّ، سورين كيركيغارد، أوّل مَن ناقشَ "ترنُّح الحريّة" والانحلال الاجتماعي الذي يحدث إثر هذا الترنّح، وبالرجوع إلى كتابه "الهروب من الحريّة" (١٩٤٨)، حاجج الفيلسوفُ الإنسانويّ، إيريك فروم، بأنّ المزيد من الحريّة يتسبّب في دفع الكثيرين للسعي إلى القضاء على الرّيبة في الأنظمة السّلطويّة، واقترنَ هذا بما يُطلق عليه عالمُ النّفس الاجتماعيّ، آري كروغلانسكي؛ "البحث عن المعنى"، وهو الأمر الذي حثَّ كلّاً من الجهاديين العنيفين والمناصرين القتاليين للحركات الإثنيّة الشعبويّة في كافّة أنحاء العالم. وإثر هذه القوى، فإنّنا نرى ما يَصفه العالم النفسيّ، ميشل جلفاند، بأنّه "تضييق" الثقافات السياسيّة، التي تتميّز بعدم التسامح مع السلوكات التي تختلفُ عن المعيار. وبالتالي، في عملنا الميدانيّ مع الشباب الخارجين من داعش في الموصل، نجد أنّه؛ رغم أنّ داعش فقد دولته، الخلافة، إلّا أنّه لم يفقد بالضرورة الولاء في أوساط الناس لقيمه الرئيسة المتمثّلة في الحكم الدينيّ الصارم ورفض الديمقراطيّة، فكما قال أحدُ الشباب: "الشريعةُ هي أنّ الله يخبرك بما يجب أن تقوم به… والديمقراطيّة هي أن يتسبب البشر بالحروب والدمار، فأنْ تكون حرّاً في فعل أيّ شيء يعني أن تؤدي إلى العديد من المشاكل والانقسامات والفساد في المجتمع".

اقرأ أيضاً: المهاجرون في أوروبا كبش فداء.. ظاهرة حديثة أم إرث تاريخي؟

يوضح تاريخ العالم، من القرن التاسع عشر فصاعداً، آثار نزعات العولمة؛ فبعد الدم الهائل الذي سالَ في الثورة الفرنسية والحروب النابليونيّة من ١٧٨٩ إلى ١٨١٥، حاولت النخب الحاكمة أن تجد إجماعاً حول كيف يمكن أن تُحكَم أوروبا، والعالم الذي تُسيطر عليه، وعلى مدى مئة عام، من كونغرس فيينا عام ١٨١٥ وحتى اندلاع الحرب العالميّة الأولى في ١٩١٤، حافظَ هذا الإجماع الدوليّ غير الرسميّ على سلامة الإمبراطوريّات القائمة وعلى الدّول القوميّة، وصمدَ النظامُ رغم الانتفاضات الشعبيّة، مثل الثورة الفرنسيّة في ١٨١٥ وثورة ١٨٤٨، على مستوى القارّة بأكملها، وكلّ من الثورتين نجمت عن فقدان الحقوق والحماية الاجتماعيّة للفلّاحين والعمّال في المجتمعات الصناعيّة، وقد صمدَ بسرعةٍ في وجه صراعاتٍ مثل حرب القرم (١٨٥٣-١٨٥٦)؛ وكان هذا سعياً روسيّاً لتوسيع رقعته، وقد تدخلت بريطانيا مراراً وتكراراً بشكلٍ خاص للحفاظ على رصيد أوروبا من القوّة والسلطة، داخليّاً وخارجيّاً، بيد أنّ الفجوة التي تفصل بين قيم النخبة والاحتياجات الشعبيّة، إضافة إلى رغبة إحدى القوى الأوروبيّة، أو الأخرى، للخروج عن الإجماع، أفضت، في نهاية المطاف، إلى وجود النظام العالمي.

صمدَ النظامُ رغم الانتفاضات الشعبيّة مثل الثورة الفرنسيّة في ١٨١٥

وقد بلغَ هذا النظامُ، مع نهاية القرن التاسع عشر، مستويات عُليا من العولمة، وقام بتحرير البشر من الاعتماد شبه الكامل على  الرياح والماء والقوة العضليّة. وشملت التطورات في مجال النقل على بناء طُرقٍ وسككٍ حديديّة على مستوى العالم، وتصنيع سفن بخاريّة عبر الممرات المائيّة، وتصنيع السيارات لاحقاً، واشتملت تكنولوجيا الاتصالات على التلغراف، والهاتف في وقت لاحق، والأفلام والراديو، وقد تضاعفت البراعات العِلميّة، وتدفّق رأس المال. وانتقل الناس بحرية في كافة أرجاء العالم؛ وحدهما روسيا وتركيا تطلبان جواز سفر.

اقرأ أيضاً: مسلمو أوروبا بين التطرف الإسلاموفوبي وعنف الجماعات الإسلاموية

لكن، وكما هو الحال اليوم، أنتجت التغيرات الراديكاليّةُ ضغوطاتٍ معادية للثقافة؛ حيث قام ثوار اجتماعيّون وأناركيّون بالدفع نحو موجة من الإرهاب العابر للحدود التي ابتدأت قبل وقتٍ قصير من اغتيال قيصر روسيا، ألكسندر الثاني، عام ١٨٨١، وقد توسّعت هذه الموجة الإرهابيّة لتشمل اغتيالات رؤساء وزراء فرنسا في ١٨٨٤، وإسبانيا في ١٨٨٧، واغتيال إمبراطورة النمسا في ١٨٩٨، وملك إيطاليا في ١٩٠٠، وانتهاءً باغتيال رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة، وليام ماكينلي، عام ١٩٠١، وقد اشتملت هذه الأحداث على تفجيرات للمدنيين "البرجوازيين" في المقاهي والمسارح في كافّة أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، قبل أن تتراجع مع بدايات الحرب العالميّة الأولى.

الحركات اليمنيّة المتطرّفة اليوم رغم نقدها اللاذع لدعاة العولمة تنطوي هي نفسها على النسق العولميّ الضيّق ذاته

وبالمثل، تستعيد الاستجابة غير الفعّالة لمن هم في السلطة ما نراه في يومنا هذا، في البداية؛ وقعت الدول المتأثّرة في حيرة مفجعة، ناسيةً غالباً أهدافها الواهمة لكنّها حاربت هؤلاء الذين لا علاقة لهم بالأعمال الإرهابيّة، شملَ ذلك -على سبيل المثال- قمعاً عنيفاً للحركات النقابيّة والعمّاليّة التي صعدت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، والولايات المتحدة، ردّت الدول بإضافة أو تعزيز المنظومات الأمنتيّة: كانت أوكرانيا روسيا، المنشأة عام ١٨٨١، بمثابة استهلال للمفوضيّة الشعبيّة للشؤون الداخليّة (NKVD) ولجنة أمن الدولة (KGB)؛ وموّلت بريطانيا اليارد الأسكوتلنديّ الجديد، عام ١٨٩٠، وتأسست وكالة الاستخبارات الفرنسيّة عام ١٩٠٧، التي تلاها مكتب التحقيقات الأمريكي، عام ١٩٠٨، وكانت بمثابة مقدمة لمكتب التحقيقات الفيدراليّ.

في رسالته السنويّة الأولى للكونغرس (الثالث من كانون الأول /ديسمبر١٩٠١)، بعد موت ماكينلي، أعلن الرئيسُ الأمريكيّ ثيودور روزفلت، أنّه: "عند مقارنتها بقمع الفوضى، فإنّ كلّ مسألة أخرى تغرقُ في تفاهتها"، لقد قدّم نتيجةً طبيعيّة لمبدأ مونرو: إنّ "الحلّ العامّ لعُقد الفوضى في مجتمع متحضّر، في أمريكا كما في أيّ مكان آخر، يقتضي في نهاية المطاف التدخل من بعض الدول المتحضّرة، التي قد تؤدي بالأمم المتحدة، حتى وإن على مضض، إلى ممارسة سلطة بوليسيّة دوليّة".
لقد ساعدت الحرب ضدّ الفوضى والإرهاب حتّى على تبرير القمع الوحشيّ للتمرّد المحليّ ضدّ "المهمّة الحضاريّة" الأمريكيّة، وعلى الحكم في المناطق المسلمة في الفلبين.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟

وفي نهاية المطاف، فقدت الحركة المنتشرة للأناركيّة سطوتها، لكنّ العولمة وردود الفعل عليها دفعت بقوى أخرى إلى الأمام، في الاتحاد السوفييتي، تبنّى الفلّاحون والعمّال الشيوعيّة وانضموا إلى قمع كلّ المعارضة التي جاءت مع الستالينيّة. وقد بشّر النازيّون بإحياء الأمّة وحرب العرق ضدّ قوى الكزومبوليتانيّة والتعدديّة الثقافيّة، وكان عشرات الملايين من الشعب في المجتمع الألمانيّ منبطحين تحت أرجل هتلر.

لقد رأينا، في الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر، صعود كو كولكس كلان، كانت لكلان ثلاث إعادات في الولايات المتحدة، بدايةً مع تأسيسها، عام ١٨٦٦، على يد البيض الجنوبيين لمحاربة إعادة الإعمار، بما في ذلك منح الأفروأمريكان حقوقهم بالتساوي، وقد سُحقت منظمات كلان مؤقتاً، لكنّها صعدت ثانيةً، في ١٩١٥، في أعقاب الهجرة المتزايدة للوقوف ضدّ، ليس فقط الأفروأمريكان، بل أيضاً ضدّ الكاثوليك الرومانيين واليهود والأجانب من أية شاكلة كانوا. وبحلول العشرينيّات، وفي عزّ أوجها، بلغت عضويّة كو كولكس كلان أربعة ملايين من كافّة طبقات ثقافة الأغلبيّة في الولايات المتحدة. ومع مجيء عام ١٩٢٧، وجدت كلان شركاء -هؤلاء الذين آمنوا بتشارلز ليندبيرغ ولجنته الأولى في أمريكا بخطابها الفاشيّ والمعادي للساميّة المؤيّدة لولايات متحدة أمريكيّة انعزاليّة لن تخالف هتلر أو النازيين في الفترة التي سبقت الحرب العالميّة الثانيّة.

واليوم؛ إنّ التشابهات بين اليمين البديل المتطرّف والجهاديّة الإسلاميّة جليّة …. (يتبع الجزء الثاني)


المصدر: سكوت أتران


الصفحة الرئيسية