يا أمجد ناصر: الإنسان لا يفنى وإن فني الوجود بأسره

يا أمجد ناصر: الإنسان لا يفنى وإن فني الوجود بأسره

مشاهدة

22/08/2019

هو أمجد ناصر، أو يحيى النّميري، أو الشّاعر، أو الرّوائي، أو الصحفي، أو ...إلخ، لأنّه كلّ الأسماء. تتعدد التسميات والصفات غير أنّ المرجع واحد؛ ابتسامة أبديّة مشهّرة في وجه الخيبات وانكسارات الزّمن!
ويعبث من يبحثُ عن اسم لشاعر بما أنّ وجوهه لا تنكشف، وملابسه أزياء لا تنتهي، وهيئته هيئات؛ هو المتحدي والمنكسر والفائز والخاسر والمهزوم والمنتصر والمتفائل والمتشائم والفرح والحزين، وهو الواحد المتعدّد والبسيط والمركّب والقاتل والقتيل والسابق واللاحق، ومن يعرف الجميع ولا يعرفه أحد؛ إنّه الوضوح والتناقض، وهو المبتدأ والمنتهى.

اقرأ أيضاً: الموت يغيّب الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ
كثير من هذا يلامس شيئاً من أمجد أو أشياء من يحيى، "الواقف في حذائه"، وفق عبارة أولاد أحمد، وفي أحذية الآخرين أيضاً، يخطّ "مديحاً لمقهى آخر"، أو يصغي إلى "رعاة العزلة"، أو ينتظر "وصول الغرباء" حتى "مرتقى الأنفاس".
لا بد لمن يكتب عن أمجد ناصر أن يتقصى "أثر العابر"، الذي لن يعبر إلّا ليبقى، في أقلام ثلاثة مبدعين رسموا أمجد ناصر، كلٌّ بطريقته: الشاعر والروائي التونسي يوسف رزوقة، اختار أن يقوله شعراً بقصيدة مكتوبة خصّ بها "حفريات"، فيما صورته الكاتبة اللبنانية المميزة هدى بركات نثراً يلامس تخوم الشعر، وأما الكاتب والشاعر الجزائري عبد الرزاق بوكبة؛ فتحدث عن "الفتى" كما يراه.

يوسف رزوقة

مع أمجد ناصر، لم يمت.. إليه، في حياته (يوسف رزوقة)
كثيراً ما التقيت به
كثيراً ما التقينا في أماكن أو
رؤى شتى
كثيراً حول كتلته - القصيدة كان
منساباً كأجمل ما يكون الانسياب
سألته: و"الشيشخان القيرواني"، أتذكره؟
ولست هنا لأرثيه فأمجد ناصر الكلمات، صاحبة
الجلالة والحياة بكل تلويناتها
لم يأتِ كي يفنى
وأمجد ناصر، البدوي أو يحيى
النميري، ابن طرة، واحد متعدد
بجبال عمّان
وفي أنحاء من جغرافيا أخرى
التقينا في رشا رحلت ولم ترحل
وأي قصيدة مهما بكت ستقوله؟
لم يأت كي يفنى
هو ابن يديه، حبرتا البياض
وباض ما يكفي
ليكتظ الوجود به

رزوقة: كم أحبك يا صديقي في غموض زاخر بوضوحك، كم أنا باق هنا والآن في مقهى، معي ضدّي

الذي هو كأنّه سيكونه أيضاً
كما سنكونه نحن إذا متنا
الوجود بأسره يحيا به وإن
استمرت دولة الدستوبيا
الكلمات لا تفنى
وأمجد ناصر لم يأتِ كي يفنى
فنحن هو، الذين أتوا، كذلك
والذين غداً سيأتون..
جميعهم الجماعة تقتفي أثر
الفراشة وهي في زلزالها
يا أمجد، الإنسان لا يفنى
وإن فني الوجود بأسره
فاضحك إذاً، واستقبل الآتين منك،
إليك أنت وأنت أمجد ناصر، يحيى النميري
وأنت الآخرون
وأنت، لو تدري، أنا ورشا
وأنت قصيدة قيلت ولن تفنى
الحياة قصيدة: هل قلتها بشهية الظمآن
أم قالتك كي تفنى فلا تفنى؟
وتلك حكاية أخرى
سنرويها معاً في جنة المعنى
أتفهمني؟ نعم؟ لا؟
كم أحبك يا صديقي في غموض زاخر بوضوحك
كم أنا باق هنا والآن في مقهى،
معي ضدّي
وبي أشياء من حتى..
ومنك ومن رشا
ابتسم ابتسامتك العريضة، أيها
الباقي على قيد الحياة
أراك فيما لا يرى، ذاك الذي
عشناه في كينونة كانت
وفي كينونة أخرى ستأتي لا
محالة ذات بعثرة...
سأمضي الآن، سامحني..
يد ما في انتظار يدي
سنحكي عنك بالتأكيد
هذا أضعف الإيمان أو أقواه..
سيان
سأشرب بيرة أو قهوة سيان
قد نبكي ولا نبكي
لغاية أن ترانا مثلما تبغي
وما تبغيه أنت نحسه طبعاً
كذاك الشيشخان القيرواني أتذكره؟
سلاماً أيها النائي القريب
سنلتقي في جنة المعنى.
"تونس في 11 حزيران (يونيو) 2019"

هدى بركات

أيتها الهوادج... رفقاً بأمجد (هدى بركات)
جعلني الشعر وشقيقه النثر، ويشاكل الأول: القول، والآخر: السرد، أتعلم طريق الكتابة الأدبية، من حيث هي أدبية فعلاً.
واستطاعت كل عناصر وأدوات الشعر والنثر، من بلاغات ومجازات، من إدغامها وتشبيكها، في الكتابة بحقل السرد.

بركات: تبدو لي شعرية ناصر، شعرية أيوب الكائن البدوي، الضائع في صبره ومكابداته، الشقي بآماله وسقامها

ولهذا السبب ما جعلني، على موازاة مع جيلي من الشعراء وسابقيهم ولاحقيهم، أتتبع الحساسية الأدبية، في أصلها الشعرية والنثرية، وهنا ألتقي مع الشاعر أمجد ناصر، بوصفنا جيلاً.
ويمكن للجميع، وربما لا يمكن، من معرفة أنّ هذا الجيل، أدخل من بين كثير من أمور تخصّ كلّ تجربة بانفرادها وتشاركها، ذاكرته البيئية، فتنسج اللغة الأدبية بتلك المرجعية، في بعدها الجغرافي والتاريخي.
ولعلّ السمة الظاهرة لدى أمجد، هي البيئة البدوية؛ حيث تشكل معلماً من تكوين المجتمع الأردني، وتتوزع على مجتمعات عربية أخرى، من بداوة الصحراء إلى بداوة الجبل.
وتعدّ هذه الحقنة سمة كبرى في نصوصه الشعرية، وكتاباته الأخرى مثل: "الرحلات"، وروايته الأخيرة.
وتتوازى مع هذه السمة، من شعراء آخرين، سمة العجائبية عند سليم بركات، والمدنية عند بول شاوول، والفجائعية عند سيف الرحبي، وسواهم.
ولا يستطاع تفهم تلك السمات عند الجيل الرابع، من قصيدة النثر العربية، في القرن العشرين، دون تذكر عابر سمات الأجيال الكبرى، منذ شعرية الريف مطلع القرن، التي هيمن عليها جبران خليل جبران، ويرسمها كلّ من: أمين الريحاني، ومي زيادة، وحسين عفيف، ومحمد حسن عواد، وكتابات شعرية عابرة.
ثم تبدّت شعرية المثاقفة، أربعينيات القرن، عند جيل ثان، تمثله ثريا ملحس، ومحمد الصباغ، وإلياس زخريا، ونقولا قربان، وبدر الديب، وسواهم. ثم انفجرت شعرية الحداثة، عند جيل توفيق صايغ ومحمد الماغوط، وأدونيس، وأنسي الحاج، وحسين مردان.

اقرأ أيضاً: بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران
وجاءت شعرية المرجعيات، عند جيلنا، ومنه ناصر، ولا شكّ في أنّني أتحسّس شعريات الأجيال الأخرى، لكنّها استنفدت الشعرية نفسها وأدواتها، وقلصت معجمها، غير أنّ التفاؤل سيد الموقف في بزغة كلّ جيل مرتقب.
تبدو لي شعرية ناصر، شعرية أيوب الكائن البدوي، الضائع في صبره ومكابداته، الشقي بآماله وسقامها.
يحمل هوادجه في صحراء المرض، ويجابه وحوش المضادات، وضواري المسكنات، ويخاطب إلهاً شغلته مهام أخرى.
"أيَّتها الهوادجُ
أيَّتها الهوادجُ
من هنا مرَّ شعبي
عارياً وضامراً يسحبُ خلفهُ
نهراً يابساً
وصقوراً كهلة.."

عبد الرزاق بوكبة

هل أكذّب نصّ شاعر الحياة؟! (عبد الرزاق بوكبة)
أرى أنّ قيمة الشاعر تستمد من مكاباداته اليومية من أجل اجتراح معنى جديد بناء على معايشاته اللصيقة بالحياة، وأمجد ناصر، بهذا، شاعر ذو قيمة؛ فهو لصيق بالحياة، أقول هذا من خلال نصوصه، إلى درجة أنه يضاعف رغبة متلقّيه فيها؛ ما قيمة شاعر لا يفعل ذلك؟ ولشدة جعله لنا نؤمن بالحياة ومفرداتها لم نصدّق الأطباء حين قالوا إنّه مريض؛ هل أكذّب نصّ شاعر الحياة وأصدق طبيباً؟

بوكبة: لم ألتقِ الفتى أمجد كثيراً، نعم أقول الفتى، فلا أستطيع أن أربطه بغير الفتوّة، لكنّ وجوده في زمني عزّاني

ثمّ إنّ قيمة الشاعر تستمدّ أيضاً من خدمته للشعر الجيد والشعراء الجيدين، وأمجد بهذا ذو قيمة أيضاً، فرصيده في هذا الباب يساوي عمر جيلين على الأقل.
يحدث أن ينساه أحدنا وقتاً، لكنّه يذكره بمجرد أن يعود إلى أرشيفه الخاص؛ حيث كان أمجد وراء قصائد منشورة له، أو حوار أجري معه، أو دعوة وصلته من مهرجان أو ملتقى، لا يخدم الشعراء الجيدين إلا الشاعر الجيد.
لم ألتقِ الفتى كثيراً، نعم أقول الفتى، فلا أستطيع أن أربطه بغير الفتوّة، لكنّ وجوده في زمني عزّاني؛ فأنا كائن يعزيه وجود الأشجار والموسيقى والينابيع والعشّاق والترجمة والشعراء الحقيقيين.

الصفحة الرئيسية