هوشنك أوسي لـ "حفريات": تركيا الأردوغانية أكبر خطر يهدد المنطقة

هوشنك أوسي لـ "حفريات": تركيا الأردوغانية أكبر خطر يهدد المنطقة

مشاهدة

10/09/2020

أجرت الحوار: منى يسري

قال الكاتب الصحفي السوري، والباحث في الشأن الكردي هوشنك أوسي إنّ الوضع الإنساني في سوريا، خاصة في الشمال، كارثي بكلّ ما للكلمة من معنى، وأنّ تركيا الأردوغانية المحكومة من مزيج من الإسلاميين المتحالفين مع القوميين الأتراك، هي أكبر خطر يهدّد المنطقة بأكملها؛ إذ تحوّلت إلى مصنع الإرهاب المسلح في العالم أجمع.

تركيا الأردوغانيّة – الأتاتوركيّة، لا يمكن أن تسير نحو الديمقراطيّة، إلا إذا تخلّت عن الغرور والغطرسة والفاشيّة القوميّة والدينيّة، وقتذاك، كلّ العالم سيرحّب بتركيا، وليس فقط الاتحاد الأوروبي

وأوضح الروائي والشاعر الحاصل على جائزة "كتارا" للرواية العربية؛ أنّه بإمكان مصر التمدد في المنطقة بأكملها، ووقف كلّ من الزحف الإيراني والتركي، اللذين يحاولان حصار المنطقة بأكملها، ويمكن أن تفعل ذلك كما فعلت من قبل؛ إذ إنّ للدولتَين ثأراً تاريخياً مع المنطقة، خاصة مصر، التي يعلمون جيداً حضورها التاريخي، وما تمثله من قيمة تاريخية لدول الجوار.

هنا نصّ الحوار:

تحت قبضة الأسد وأردوغان

دعنا نبدأ بشأن شخصي: متى رحلت عن سوريا؟ ولماذا؟

في سوريا، جدّي حارب الفرنسيين، وأبي خدم في الجيش، لكنّ الأحزاب القوميّة التي استولت على الحكم عام 1961، أصدرت مرسوماً يقضي بتجريد ما يزيد عن مئة ألف كردي من الجنسيّة السوريّة، وتمّ التعامل معهم كأجانب محرومين من الحقوق المدنيّة؛ التملّك، السفر، الانتخاب، خدمة العلم، عام 1976، حين فتحت عينيّ على الدنيا، ولدتُ مجرّداً من الجنسيّة السوريّة، ليس هذا فحسب؛ بل أصدر حافظ الأسد، عام 1974، مرسوماً يسمّى "الحزام العربي"، هدف إلى تعريب المناطق الكرديّة شمال سوريا، وإجراء تغيير ديموغرافي هناك؛ إذ منع مرسوم الأسد الأكراد من تسجيل مواليدهم بالأسماء الكرديّة.

استمرت هذه المعاناة لحين هروبي من سوريا، وهي تفصيل هامشي بسيط من معاناة الأكراد في سوريا كشعب مهضوم الحقوق، وغير معترف به في الدستور السوري، منذ جلاء الفرنسيين عن سوريا، عام 1946، غير معترف بهويته، أو لغته، وثقافته ممنوعة، وأيّ مسعى سلمي ديمقراطي وطني، يطالب بحقوق الكرد، يتمّ شيطنته على أنّه انفصالي، وإسرائيلي وأمريكي، بينما لو عدنا لسجل عملاء الموساد الذين جنّدتهم إسرائيل في سوريا، لن نجد كرديّاً واحداً بينهم.

في ظلّ هذه الظروف؛ كيف كانت حياتك كـ "كردي سوري" تحت حكم آل الأسد؟

حين تفرّغت للكتابة والعمل الصحفي، عام 2000-2001، كانت مقالاتي ناقدة لنظام الأسد الابن، وتمّ استدعائي للتحقيق، من قبل المخابرات السياسيّة والعسكريّة، وتعرّضت للتهديد بالاعتقال إذا استمرّيت في نقد النظام التركي (كان أردوغان وقتذاك حليف الأسد)، وبالطبع النظام الإيراني، ومُنعت، أو غيري، من انتقاد النظام السوري، لكنّني لم أرضخ للتهديد والوعيد، في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2008، داهمت دورية من المخابرات الجويّة (المسؤولة عن أمن المطارات وأمن الرئيس) منزلي، بهدف اعتقالي، ولحسن الحظّ، وبمحض الصدفة، لم أكن متواجداً في البيت.

ثورة 25 يناير 2011، أزالت سحر المظلومية وبريقها وأسقطت عن أيديولوجيّة الإخوان سحر المعارضة، حين أصبحوا في السلطة، فسقط القناع عن القناع

أصدقاء محامون وحقوقيون أشاروا عليّ بضرورة التواري عن الأنظار، ثم الهرب إلى خارج سوريا، لأنّ المخابرات الجويّة أكثر خطورة ووحشيّة من المخابرات السياسيّة والعسكريّة.

تواريت خمسة أشهر، ثم هربت إلى تركيا، في منتصف عام 2009؛ إذ كان أردوغان آنذاك على وفاق مع بشار الأسد، وفي تركيا، ترجمت الصحافة التركية مقالاتي المنشورة في صحيفة "الحياة"، وأعادت نشرها بالتركية، كما كنتُ معروفاً لدى المخابرات التركيّة، خاصة بعد أن قبلت مفوضية اللاجئين في تركيا طلب لجوئي، وسعت إلى إعادة توطيني في بلد أوروبي، لكنّ السلطات التركيّة عرقلت هذا الرحيل، واعتبرتني شخصاً غير مرغوب فيه، هكذا كان مصيري في تركيا أيضاً، حتى هربت من هناك إلى اليونان، ثمّ إلى بلجيكا.

المهجر والحنين إلى سوريا

كيف أضاف الرحيل لــ "بلجيكا" إلى مشوارك الأدبيّ، خاصةّ أنّ البطل في أعمالك غالباً ما يكون المكان ولديك حضور خاص للأزمنة؟

مَن لا تؤثر الأمكنة في أدبهِ، ليس بأديب.

هويّتي مركّبة، ثقافتي مركّبة؛ كرديّة – عربيّة، من الطبيعي أن تتعدّد الأماكن في نتاجي الأدبي، أوّل رواية لي، أهديتها إلى مدينة "أوستند" البلجيكيّة، التي أقيم فيها، وأوّل ديوان شعري صدر لي في القاهرة، أهديته إلى "مقهى الجريون" و"زهرة البستان" في القاهرة، وكتبت عن هذه المدينة أيضاً.

أنا كائن هشّ، سريع الانتماء إلى الأمكنة التي أزورها، وأعيش فيها بضعة ايّام، تكاد الأمكنة أن تكون البطل الدائم في أعمالي الروائيّة؛ لا أقول إن من يركّز على البيئة المصريّة أو السوريّة أو المغاربيّة أو الكرديّة أو التركيّة، ...إلخ، في رواياتهم، هم على خطأ.

 الحياة تنوّع وموزاييك لغات وثقافات ومدن، أحاول أن أكون أحد تعبيرات الحياة في أدبي، رُبَّما أفشل في ذلك، لكنّ الحياة غنيّة وكريمة، وتمنحني دائماً فرص المحاولة، فلماذا لا أفعل ذلك؟!

 كيف تصف الحال اليوم في سوريا، تحدداً، في الشمال الذي أصبح تحت سيطرة الأتراك؟

ما تعيشه سوريا كارثة إنسانيّة، يتحمّل نظام الأسد، بالدرجة الأولى، والقوى الإقليميّة بالدرجة الثانيّة، والعالم بالدرجة الثالثة، مسؤوليّة هذه الكارثة، أعلمُ أنّ هناك قنوات حوار واتصال بين النظام في مصر ونظام الأسد، ويحزنني ذلك.

اقرأ أيضاً: الحزام التركماني.. "أبارتايد" أردوغاني بحق أكراد سوريا

وأعلم أنّ سبب تلك الاتصالات، ليس حبّاً في الأسد، بل كرهاً في الإخوان والجماعات السلفيّة وأردوغان، لكنّ نظام الأسد رهان خاسر جدّاً بالنسبة إلى مصر؛ لأنّ حافظ الأسد، ومن بعده ابنه بشّار، أساءا جدّاً لمصر؛ بين عامَي 2002-2010، باع بشار الأسد مصر والسعوديّة، وارتمى في حضن تركيا، فإذا نجحت القاهرة في قلع بشار الأسد من حضن النظام الإيراني، وقتذاك، يمكن القول إنّ النظام السوري رهان رابح بالنسبة إلى مصر.

لست خبيراً في الأمور العسكريّة والأمنيّة. وضع مصر محرج للغاية وعليها فعل شيء يزلزل الأرض من تحت أقدام أردوغان، هذا الفعل، ليس بالضرورة أن يكون عسكريّاً

واقع الحال في الشمال السوري منقسم؛ فجزء منه خاضع للاحتلال التركي، ومرتزقته من الجماعات التكفيريّة الإرهابيّة، والجزء الآخر يسيطر عليه من خلف الستار، حزب العمال الكردستاني (التركي) الأوجلاني، وهو حزب شمولي ستاليني عسكريتاري، يزعم أنّه يدافع عن الكرد وحقوقهم، ويعارض تركيا، لكن سياساته وممارساته تعطي المبرر تلو الآخر للنظام التركي.  

هذا الجوّ المسموم الفاسد المفسد، وتلك الاحتلالات المتعددة الجنسيّة، في سوريا عموماً، وفي شمالها على وجه الخصوص، أكثر من يدفع ضرائبها هم المدنيون؛ الكرد والعرب والسريان والآشوريون والتركمان.

في الشقاق الكردي

كتبت كثيراً عن جذور القضية الكردية تاريخياً، لكنّك وصفتها في أحد مقالاتك بـأنّها "أمّة في شقاق"؛ ما هي جذور الشقاق التي تراها في أمة الكرد؟ وكيف صار عمق الشقاق بعد حروب تركيا الأخيرة ضدهم؟

"أمّة في شقاق" ليس تعبيري؛ بل هو للكاتب والصحفي البريطاني، جوناثان راندل، ولديه كتاب مشهور عن الكرد بعنوان "أمة في شقاق: دروب كردستان كما سلكتها".

اقرأ أيضاً: كيف يحارب أردوغان الأكراد بورقة النفط السوري؟

الكرد كانوا، وما يزالون، "أمّة في شقاق"، قبل أن يتقاسم العثمانيون والصفويون بلادهم، حين انقسمت السلطنة العثمانية على نفسها بين حكومة أنقرة بقيادة أتاتورك وحكومة إسطنبول بقيادة السلطان العثماني، أيضاً انقسم الكرد إلى جناحين (كرد وإيران) مفتّتَين إلى أحزاب متحاربة وضعيفة ومنقسمة على نفسها، و(كرد العراق) المقسّمين إلى تيّار طالباني موالي لطهران، وتيّار بارزاني ينحاز إلى العلاقة مع تركيا، أمّا( كرد تركيا) و(كرد سوريا)؛ فهم في شقاق حتى قبل أن ترسم اتفاقية "سايكس – بيكو" الحدود، وتقسم وتوزّع الكرد على البلدان الأربع؛ سوريا، وتركيا، والعراق وإيران.

قد يقول قائل: العرب أيضاً في شقاق، والفلسطينيون في شقاق، وكذلك المسلمون، منذ حادثة السقيفة، وحتى قيام الساعة، أمة في شقاق؛ نعم، هذا صحيح، لكن في الحالة الكردية، سيكولوجيّة الشقاق أصبحت جزءاً أصيلاً ومتجذّراً في تكوين المجتمع الكردي، جرى ذلك ويجري، وأغلب الشعر الكردي والتراث الشعبي يدعو فيه الكرد إلى الوحدة ونبذ الشقاق.

وعليه، لا توجد قضيّة كرديّة في الشرق الأوسط؛ بل توجد قضايا كرديّة، وهذه القضايا تتعارض. مثلاً؛ كرد العراق، علاقتهم مع النظام الإيراني كانت على حساب كرد إيران، وكرد تركيا، علاقتهم مع النظام السوري والإيراني والعراقي، كانت على حساب القضايا الكردية في هذه البلدان، وقيسي على ذلك.

اقرأ أيضاً: تعطيش الشمال السوري: إستراتيجية تركيا لمحاربة الأكراد

رغم كلّ هذا الاختلاف والخلاف والشقاق، ما يزال هناك وهم الوحدة الكرديّة وخرافتها، التي يتبادلها الأكراد، جيلاً بعد آخر، وهذا الوهم يشبه إلى حدّ كبير وهم الوحدة العربيّة والوحدة الإسلاميّة وخرافاتهما.

هل ترى أنّ الكرد، كأمّة، هم هدف لأردوغان، خاصة بعد قتالهم الشرس ضدّ تنظيم داعش الإرهابي؟

للأسف نعم؛ حكّام تركيا يزعمون أنهم عثمانيون جدد، إلاّ أنهم لا يقتدون بأجدادهم، فيما يتعلّق بالمسألة الكرديّة، على زمن السلطة العثمانيّة، كانت هناك ولايات كرديّة شبه مستقلّة، واعتراف بوجود منطقة اسمها كردستان، أتاتورك نفسه مدين للكرد، أثناء تأسيسه الجمهوريّة والانسلاخ من دولة الخلافة والسلطنة.

اقرأ أيضاً: عامان من الجرائم التركية بحقّ العرب والأكراد في عفرين السورية

حكام تركيا اليوم، ليسوا عثمانيين قدامى ولا من العثمانيين الجدد (حداثويين)، بل هم خليط من الفاشيّة الدينيّة (الإخوانيّة)، والفاشيّة القوميّة الأتاتوركيّة (الطورانيّة)، دون أن نسهو عن أن الحكومة التركيّة الحالية هي ائتلاف بين حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وحزب الحركة القومية، المتطرّف، إزاء هذا الخليط الجامع بين تطرّفين؛ ديني وقومي، هناك خوف على تركيا وأوروبا والشرق الأوسط، وليس على الكرد في سوريا فحسب.

الطغاة طهاةُ حروب وخرائب

كيف ترى إذاً خطر التمدّد التركي، الذي خرج من طور التهديد السوري الكردي، إلى العديد من دول المنطقة؟

تركيا كانت تريد السيطرة على مصر، عام 2011-2012، وفشلت في تحقيق ذلك. الآن، تركيا على الحدود الغربية لمصر؛ هل تعرفين جديّة وخطورة ذلك؟! لا أقول هذا، انسياقاً وراء الإعلام المصري الرسمي، الذي يشيطن ثورة 25 يناير، وكأنّ الذين قاموا بتلك الثورة لم يكونوا مصريين! قلت ذلك في مصر أيضاً، وفي برنامج "90 دقيقة"، بأنّ الذين انتفضوا وأطاحوا حسني مبارك وفساده واستبداده هم مصريون أصلاء، يحبون بلدهم ويريدون له مستقبلاً أفضل.

الثورة الفرنسيّة أدخلت فرنسا في عقد من الحرب الأهليّة، حصدت أرواح عشرات الألوف (1789-1799)، ومع ذلك، حتى بعد استلام نابليون الحكم، لم يسع إلى شيطنة الثورة الفرنسيّة، كما يفعل الإعلام المصري حاليّاً.

مواجهة تركيا، لا تتم بشيطنة ثورة 25 يناير، ودعم السيسي ليس مشروطاً بتعليق ثورة 25 يناير على أعواد مشانق الطعن والتشويه والتسفيه والتتفيه، الإعلام المصري يكاد ينسى 30 عاماً من فساد مبارك واستبداده، ويحمّل كلّ مشاكل مصر لثورة 25 يناير! من المؤسف القول إنّ الإعلام المصري، أو أغلبه، لئلا أعمم، يتناول المخاطر التركيّة بطريقة غريبة عجيبة، ومضحكة أيضاً؛ ثورة 25 يناير لا تقل أهميّة عن ثورة 1919، وثورة 1952، إن لم تكن أفضل منهما. ثورة 25 يناير من أجمل صفحات تاريخ مصر، ولا تقاس فقط بأنّها أتت بالإخوان للحكم، أصلاً، حين وصل الإخوان للحكم، زال عنهم سحر المظلومية وبريقها، الذي احتموا بها منذ عام 1928. ثورة 25 يناير، أسقطت عن أيديولوجيّة الإخوان سحر المعارضة، حين أصبحوا في السلطة، و"سقط القناع عن القناع".

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

ولا أحد يكره تركيا، أيّ بلد كان، ليس فقط تركيا، إذا حكمها طاغية، تتحوّل إلى أنقاض، الطغاة دائماً يفتحون الطريق ويعبّدونها للمحتلّين، الطغاة طهاةُ حروب وخرائب.

وأوروبا لم ترفض تركيا لأنّها مسلمة، هذا كذب يروّج له الإخوان والجماعات الإسلاميّة، الاتحاد الأوروبي رفض انضمام تركيا، لأنّها لا تمتلك معايير الاتحاد الأوروبي، وتركيا الأردوغانيّة – الأتاتوركيّة، لا يمكن أن تسير نحو الديمقراطيّة، إلا إذا تخلّت عن الغرور والغطرسة والفاشيّة القوميّة والدينيّة، وقتذاك، كلّ العالم سيرحّب بتركيا، وليس فقط الاتحاد الأوروبي؛ مصر، ليبيا، سوريا، ...إلخ، وأيّ بلد في العالم.

اقرأ أيضاً: "التجمع السوري لطرد الأتراك".. كيف غير "احتلال الشمال" أولويات الأكراد؟

تركيا صارت مصنعاً ضخماً لصناعة وتصدير الإرهاب والتطرّف الديني، والتضليل السياسي والإعلامي، والمرتزقة، العالم قلق من تصرّفات تركيا، لكن في الوقت عينه، لا أحد يتجرأ على وضع حدّ لهذا التغوّل والتمدد التركي، ولغة التهديد والوعيد التي يمارسها أردوغان.

 بعد انحسار ظاهري لنشاط داعش الإرهابيّة؛ هل ترى أنّ أردوغان أصبح الخطر البديل؟ وكيف ترى أثر محاولاته للتمدد الإخواني في المنطقة، خاصة في ليبيا واليمن ومؤخراً العراق؟

بشهادات دوليّة، وبشهادة الإعلام التركي المعارض نفسهُ؛ النظام التركي ضالع ومتورّط في دعم "داعش"؛ بمعنى آخر: داعش والنصرة والتنظيمات التي على هذه الشاكلة، كانت ولمّا تزل، الأذرع الخفيّة الضاربة للنظام التركي.

تركيا غير موجودة في اليمن، إيران موجودة هناك، وجود تركيا في العراق محدود، تركيا الآن على الحدود الغربية لمصر، مصر معنية بهذه المشكلة الوجوديّة، وليست معنيّة بوجود تركيا في اليمن والصومال والأرجنتين، علينا ألا نبتعد كثيراً عن مكان الخطر.

يمكن لمصر خلق نوع من التوازي الإستراتيجي مع تركيا، وفق منظور إستراتيجي بعيد المدى.

على مصر رفع المستوى الدبلوماسي والتبادل التجاري مع كردستان العراق، وأن يكون لمصر حضور اقتصادي وأمني وعسكري في المناطق الكردية شرق الفرات؛ يعني العودة إلى عمق العلاقات المصرية – الكردية.

 في يوم من الأيام؛ حكم الأكراد الأيوبيون مصر، ناهيكم عن الكثير من التفاصيل والروابط العميقة بين الكرد والمصريين؛ هناك كرد مصريون، أو مصريون من أصول كرديّة، في الأدب، الفكر، السينما، الثقافة والسياسة المصريّة، للأسف، تعرّضت العلاقة الكردية – المصرية إلى التسميم، على زمن عبد السلام عارف.

اقرأ أيضاً: الأكراد ضحية الـ"كوماندوز" التركي .. لماذا التصعيد الآن؟

عبد الناصر صحيح أنّه لم يكن يحب بعث سوريا، لكنّه كان يسمع لبعث العراق ويدعمه ضدّ عبد الكريم قاسم، بعد استيلاء البعث على السلطة في العراق، عام 1963، صار عبد الناصر ينظر إلى القضيّة الكرديّة بعيون بعثيّة! أيام السادات ومبارك، تدهورت الأمور أكثر؛ مبارك كان مع صدّام ضدّ الكرد، وكان مع تركيا ضدّ الكرد، والذي توسّط بين تركيا وحافظ الأسد، وساهم في التوقيع على اتفاقية أضنة الأمنية، في خريف 1998، هو حسني مبارك.

يجب على مصر أن تنظر إلى نفسها كندٍّ لألمانيا وفرنسا وأمريكا، وأن يكون لها حضور في المكان الذي تريده مصالحها، ليس عبر دعم حزب كردي أو جماعة كردية، بل أن تكون مصر مناصرة للحقوق الكرديّة، وأن تكسب الكرد كحلفاء إستراتيجيين لها، الكرد متواجدون في تركيا وإيران والعراق وسوريا، إذا كسبت مصر الكرد في صفّها، تمددت أكثر في الشرق الأوسط. لا ينسى الكرد من يقدّمون لهم يد العون، الكرد، حتى هذه اللحظة، لا ينسون أنّ أول جريدة كرديّة صدرت في القاهرة، عام 1898، وأول إذاعة كردية بثّت من القاهرة عام 1956.

على ذكر الوجود الإيراني في اليمن؛ لأعوام طوال رأى العرب أنّ الخطر المحدق هو خطر التمدّد الإيراني، لكنّ الواقع فاجأهم بالخطر التركي المفاجئ؛ كيف ترى حقيقة هذا الخطر؟ وهل ينذر بعودة أخرى للخلف، على غرار ما حدث من صعود العثمانيين في القرون الوسطى؟

كلا الخطرين، حقيقيَّ ووجوديَّ، لا يمكن تجاهل أحدهما على حساب الآخر؛ مصر بالذات، عليها عدم تجاهلهما.

 شخصيّاً؛ لا أؤمن بشيء اسمه الأحقاد التاريخيّة، فالمصالح المشتركة، يمكنها قلب أشرس العداوات وأقواها إلى أمتن الصداقات وأعمقها، شريطة توفّر الديمقراطية والاحترام المتبادل، الخمينيّة الحاكمة في إيران، هي أيضاً فاشيّة توازي الفاشيّة الأردوغانيّة في الشدّة، وتعاكسها في الاتجاه، الخمينيّة، كأيديولوجيا، لا تختلف في تكوينها الفاشي عن التركيبة الأردوغانيّة التي تحدّثنا عنها آنفاً.

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

الخمينيّة، خليط من الفاشيّة القوميّة الفارسيّة، والفاشيّة الدينيّة، الطائفيّة، الشيعيّة، وجه الاختلاف بين هذَين الخطرين، الإيراني والتركي، أنّ إيران دعمت الإخوان، وفصائل الإسلام السنّي (طالبان، حماس، الإخوان، ...إلخ)، لكنّ الفاشيّة الأردوغانيّة لم يسبق لها أن دعمت حركات شيعيّة سياسيّة، الفاشيّة الخمينيّة براغماتيّة أكثر من الفاشيّة الأردوغانيّة، والمشكلة أنّ هذين الخطرين، لديهما حاضنة وقوة جذب واستقبال في العالم العربي؛ وذلك بسبب غياب الديمقراطية والشفافيّة والنزاهة في كثير من البلدان العربيّة؛ حيث يدفع ذلك بالمواطن إلى الارتداد نحو هويّته الدينيّة والطائفيّة، ما قبل الوطنيّة.

مصر، كقوّة تاريخيّة وحضاريّة، وبشريّة وثقافيّة، هي محلّ أطماع تركيا وإيران، والثأر التاريخي الخمينوي الإيراني من مصر، لا يعود إلى موضوع استقبال شاه إيران، عام 1979، بل يعود إلى فترة انهيار الدولة الفاطمية، والثأر التاريخي الأردوغاني من مصر، لا يعود إلى الانقلاب على نظام حكم المرشد عام 2013، بل يعود إلى فترة فصل محمد علي مصر عن دولة السلطنة والخلافة.

حين استلم الإخوان حكم مصر، زارها الرئيس الإيراني السابق، وأعتقد أنّ إيران نصحت جماعة الإخوان بتشكيل ميليشيات عسكريّة تابعة للجماعة، كميليشيا الباسيج التابعة للحرس الثوري الإيراني، ما يعني تشكيل جيش موازٍ للجيش المصري، وفي حال وجود خطر انقلاب عسكري على حكم الإخوان، تحرّك الجماعة جيشها الخفي، غير الرسمي، ضدّ الجيش الرسمي.

قبلت الجماعة المقترح الإيراني، لكنّ الزمن لم يسعفها في تشكيل جيشها، ربما تذكرين الاستعراضات العسكريّة التي نظّمتها جماعة الإخوان، قبل سقوط حكمها في مصر؛ إذ كانت تلك النواة الأولى لجيش الإخوان الذي كان سيحارب الجيش المصري، تلك النصيحة الخبيثة، كانت إيرانيّة.  

اقرأ أيضاً: وثائق سرية تكشف "وحشية" النظام التركي ضد الأكراد

في تقديري، وأتمنّى أن أكون مخطئاً؛ الخطر التركي على مصر، يفترض أن يتصدّر رأس أولويّات الأمن القومي المصري حاليّاً، تركيا موجودة في سيناء، عبر الجماعات التكفيريّة الإرهابيّة، وموجودة في ليبيا أيضاً، عبر نسخة أخرى من تلك الجماعات، مصر محاصرة، ويُضاف إلى خطورة التهديد التركي، سدّ النهضة أيضاً، وأودّ لفت انتباه المصريين هنا، إلى أنّ تجربة سدّ النهضة، تشبه إلى حدّ كبير سلسلة السدود التي بنتها تركيا على نهري الفرات ودجلة، وصارت أنقرة تتحكّم بمستوى منسوب مياه الفرات في سوريا والعراق.

لست خبيراً في الأمور العسكريّة والأمنيّة، لكن على مصر فعل شيء يزلزل الأرض من تحت أقدام أردوغان، هذا الفعل، ليس بالضرورة أن يكون عسكريّاً.

مصر وضعها حرج للغاية؛ تركيا تريد جرّها لحرب، وخياراتها صعبة وحساسة ومكلفة، لكن، لا مناص أمامها إلّا خوض المعركة التي فُرِضت عليها.

شخصيّاً؛ أنا ضدّ الحرب، في أيّ مكان، ومهما كانت الأسباب والمبررات والخلفيّات، في الوقت عينه؛ إمارة دينيّة في سيناء، وإمارة دينيّة في ليبيا، وسدّ النهضة من الجنوب، لم يبقَ أمام مصر إلّا خيار البحر، ولن يلقي المصريون بأنفسهم في البحر، كي يفرح السلطان أردوغان وغلمانه ومرتزقته.

الصفحة الرئيسية