هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟

مصر

هل نشأت السلفية في مصر لمواجهة الاستعمار والتغريب؟

مشاهدة

08/07/2019

السلفية في مصر مسألة من الصعب تتبعها، خصوصاً السلفية المعاصرة التي تمدّدت في القاهرة بدايات القرن العشرين، ووصلت إلى أوج نشاطها في النصف الثاني من القرن العشرين، سواء مع نشأة الجمعيات الدينية السلفية، لمواجهة حالة التغريب التي انتشرت في مصر مع الاحتلال الإنجليزي، مثل: جمعية أنصار السنّة المحمدية، والجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنّة، أو انتشار الجمعيات والجماعات المنتهجة للفكر نفسه في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ورغم صعوبة التتبع إلا أنّ الكاتب والباحث محمود الورواري استطاع أن يقدم كتاباً وافياً عن الحركة السلفية، والصادر من منشورات "الدار المصرية اللبنانية" بالقاهرة، بعنوان "سلفيو مصر"، راصداً صعود الجماعات الدينية السلفية خلال ألف عام.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
وعن سبب إصداره الكتاب، يقول المؤلف: "كتاب سلفيو مصر بدأ بسؤال، ثم فضول فرض نفسه بقوة بعد كثير من المتغيرات التي مرت بها مصر، التيار السلفي كان حاضراً في أغلب التطورات والمتغيرات في المجتمع، إما بشكل مباشر أو كخلفية مؤثرة".
غلاف الكتاب

التيارات الإسلامية تبدأ من هنا
ويضيف الورواري: "في كلّ مرة كان يزداد الفضول، وفي كل مرة يتأكد اليقين بأنّ تلك التيارات الإسلامية تبدأ من هنا، من مصر، وينطلق تأثيرها إلى بقية العالم، خصوصاً السلفية أو الإخوان أو تيارات تكفيرية وجهادية".

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
يرى الورواري؛ "تبدأ مرحلة النشأة والتكوين للجمعيات السلفية في القاهرة منذ عام 1855 وحتى منتصف السبعينيات، وتحديداً منذ نشأة الجمعية الشرعية الكيان السلفي الأقدم، عام 1855، على يد الشيخ محمود خطاب السبكي، حتى أنّهم أطلقوا عليها أحياناً الحركة السبكية، نسبة إلى مؤسّسها، وظلت تمارس نشاطها حتى صدور قانون إنشاء الجمعيات، عام 1912، فتمّ توفيق أوضاعها وإشهارها بشكل رسمي، ثم جاء بعدها (أنصار السنّة المحمدية)".
يوضح الورواري؛ أنّ أنصار السنّة المحمدية انطلقت شرارة تأسيسها عام 1926 من مسجد الهدارة في القاهرة على يد الشيخ محمد حامد الفقي.
سلفية السبعينيات
ويشير الورواري إلى أنّ الجزء الثاني من تأسيس الجمعيات السلفية، بدأ في مرحلة السبعينيات، والتي أطلق عليها، "سلفية السبعينيات"، لافتاً إلى أنّ تلك المرحلة انطلقت في السبعينيات، واستمرت حتى ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011، موضحاً أنّ "البداية الحقيقية كانت سياسية بامتياز مع فتح الجامعات المصرية أمام التيار الإسلامي وتقديم كلّ التسهيلات، أو إغماض الأعين الأمنية عن كثير من التجاوزات".

مرحلة النشأة والتكوين للجمعيات السلفية في القاهرة تبدأ منذ عام 1855 وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي

وتتبع الورواري نشأة وصعود الجماعات الجهادية والتكفيرية، والتي بدأ أغلب المنضمين لها طلاب علم في مساجد الجمعية الشرعية، أو مساجد جماعة أنصار السنّة المحمدية، وبالأخص أنصار السنّة، التي كان مسجدها قولة في منطقة عابدين بالقاهرة، ملتقى المجموعات الجهادية الأولى التي تأسست ردّ فعل على اغتيال سيد قطب، عام 1965؛ إذ تأسست مجموعات الجهاد عام 1966.
كتاب الورواري عبارة عن تسجيلات ومقابلات حية أجراها الباحث مع قيادات الدعوة السلفية، سواء الرعيل الأول الذي احتل المشهد منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، أو الجيل الثاني، الذي ظهر في التسعينيات من القرن العشرين، وقام الورواري بتفريغ تلك اللقاءات والحوارات المسجلة في كتاب، زيادة في التأريخ لتلك المرحلة المهمة من تاريخ مصر المعاصر، ومن تاريخ جماعات الإسلام السياسي المعاصرة أيضاً.
سلفية ممتدة بامتداد التاريخ
وأشارت مقدمة الكتاب إلى أنّ مصر عرفت التيارات والتوجهات السلفية بصورة عامة منذ قرون طويلة، ممتدة بامتداد التاريخ، ومع ظهور الصحوة الإسلامية في بداية القرن العشرين، ظهر الاهتمام بكتب رموز ومؤسسي السلفية بمعناها التاريخي والعقدي، لافتة إلى أنّ الحركة السلفية شهدت، مع توالي السنين، حالة من التنوع في الأفكار والمعتقدات والأطروحات والرؤى، خاصة في القرن العشرين؛ حيث اتصفت هذه المرحلة بالتعقيد وتداخل القيود، إلى الحدّ الذي باتت معه من الصعوبة بمكان الإحاطة الدقيقة بمكونات الخريطة السلفية في الساحة المصرية، من جمعيات وجامعات وحركات واتجاهات وشخصيات سلفية الهوى، والوقوف على أفكارها ورموزها، واتجاهاتها وما بينها من الاتفاق والاختلاف والخصائص والصفات التي تميز إحداها عن الأخرى.

اقرأ أيضاً: "البروج المشيدة": رحلة في تطور الفكر السلفي وأصول تنظيم القاعدة
ويضيف الباحث؛ بداية الحركة السلفية كانت مبكرة جداً في التاريخ الإسلامي، فقد ظهرت بداية من حركة الحسين بن علي (ت 61هـ)، ثم حركة عبد الله بن الزبير (ت 73هـ) ثم ما كان من حركة العباسيين، عام 132هـ، ثم موقف أحمد بن حنبل (ت 241هـ)، أيام المحنة الكبرى أيام الخلافة العباسية، والتي خرج منها إمام للسلفية بلا منازع، كما أشار الباحث في دراسته.
ابن قتيبة الدينوري كان من أشهر العلماء السلفيين

ابن قتيبة الدينوري من أشهر العلماء السلفيين
ثم ظهر ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ)، وهو من أشهر العلماء السلفيين، وقد دعا إلى مذهب السلف والدعوة إليه، والدفاع عنه، وهو من كبار الأئمة الذين أسسوا منهج أهل السنّة والجماعة في الاستدلال باللغة العربية على مسائل العقيدة، حتى سماه شيخ الإسلام ابن تيمية "خطيب أهل السنّة"، ثم كان أبو الوفاء بن عقيل (ت 513هـ) صاحب أكبر كتاب في العالم، يصل إلى 800 مجلد، ويسمى كتاب "الفنون"، جمع فيه من الفنون والعلوم الشيء الكثير.

انطلقت "أنصار السنّة المحمدية" عام 1926 من مسجد الهدارة في القاهرة على يد الشيخ محمد حامد الفقي

ويستكمل الباحث: "أما شيخ الإسلام ابن تيمية (ت751ه)، وتلميذه ابن القيم الجوزية (ت751هـ)، وأبو الفداء بن كثير (ت774هـ)، فهم أشهر العلماء والمفكرين الذين يعتمدون خطاب السلفيين، بداية من محمد بن عبد الوهاب، مروراً بالسنوسي ومحمد عبده ورشيد رضا على كتاباتهم وأطروحاتهم في الحياة والمجتمع والفكر والعقيدة والتصور السياسي والاقتصادي".
ويضيف الباحث؛ على خطى هذه الحركات ظهرت الجمعية الخيرية الإسلامية، عام 1878، وهي أول جمعية إسلامية ظهرت في القرن التاسع عشر، تلتها الجمعية التي أنشأها الشيخ محمد عبده، بالاسم نفسه، عام 1892.

السلفية والاستعمار البريطاني
وفي القرن العشرين؛ أسست جمعية الدعوة والإرشاد، عام 1912، والجمعية الشرعية 1912، وجمعية أنصار السنة المحمدية 1926، وجمعية الشبان المسلمين 1927، وجمعية الهداية الإسلامية عام 1928، وجمعية الإخوان المسلمين 1928، وجمعية شباب محمد عام 1939.
ويفسّر الباحث صعود تلك الجمعيات السلفية كردّ فعل على هيمنة الاحتلال الإنجليزي في مصر على أجهزة الإعلام والصحافة، كذلك استغلال السينما والتلفزيون استغلالاً سيئاً ضدّ الإسلام وشعائر المسلمين.
ويرصد الباحث الجزء الثاني من صعود السلفية منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وقسمها إلى: السلفية الحركية، والسلفية العلمية، والسلفية الجهادية، وتلك الأخيرة هي التي سيطرت على مقاليد الأمر في القاهرة، خصوصاً مع تصاعد حدة مواجهاتها مع الدولة المصرية، أوائل التسعينيات من القرن الماضي، تلك المواجهات الدامية التي انتهت بالمراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية أوائل عام 2000.

الصفحة الرئيسية