هل كشف العدوان التركي وطنية الإخوان الزائفة؟

سوريا

هل كشف العدوان التركي وطنية الإخوان الزائفة؟

مشاهدة

19/10/2019

فتح الهجوم التركي الأخير مدعوماً بفصائل مسلحة من المعارضة السورية الموالية لتركيا، تحت مسمى "الجيش الوطني"، على منطقة الجزيرة في شرق الفرات السورية، والذي انطلق تحت مسمى عملية " نبع السلام" في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، نقاشاً حاداً بين السوريين، فيما يخص الهوية الوطنية، والتبعية السياسية للحليف الأجنبي، ومصير أكراد سورية؛ خاصة مع نزوح الآلاف من الأكراد.

سارع الائتلاف السوري المعارض قبل بدء العملية بيوم إلى إعلان موقفه المؤيد لها

بالتزامن مع العملية العسكرية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين موالٍ ومعارضٍ لها، الموالون إما هم من "محبي أردوغان" ويرون فيه القائد العسكري "السنّي"، الذي سيبني من جديد الخلافة الإسلامية، وجزء آخر يرى فيه حليفاً للمعارضة السورية، ومنهم مازال يرى بتركيا حليفاً لـ "الثورة السورية"، وكل من الفريقين اعتادوا تأييد أردوغان، وحملاته العسكرية على مناطق كردية، وتشريد أهلها، كما حصل سابقاً في عملية غصن الزيتون، ودرع الفرات.
ورغم تأييد بعض السوريين، من مؤيدي الثورة السورية، للعدوان التركي، إلا أنّ هذا لا يدخل في نطاق التعميم؛ إذ ظهرت أصوات كثيرة سورية، من عرب و"سنّة" نددت بالعملية الأخيرة. وأثبت السجال الأخير أنّ الكثير من السوريين، باتوا أكثر وعياً، للاستقطابات السياسية، التي تؤطرهم حسب انتمائهم الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا

فتح الهجوم التركي الأخير نقاشاً حاداً بين السوريين فيما يخص الهوية الوطنية والتبعية للحليف الأجنبي
حول ما تنتجه الاستقطابات السورية الحالية من سجال سوريّ حادّ يقول المحامي والباحث السوري فراس الحاج يحيى: أنا ضد خطاب الكراهية المتبادل من الطرفين، وضد كل شخص يحرض على هذا الخطاب، حتى لو كان مؤيداً للثورة السورية". ويتابع في حديثه لـ "حفريات": بالمقابل أنا أيضاً ضد اتهام البعض من إخوتنا الأكراد، أن أي شخص ينتمي للطائفة السنّية، هو داعشي بالضرورة، كما قرأنا على بعض صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، هذه مشكلة كبيرة. كما نرى البعض في الطرف الآخر، المؤيد للعملية، يعتبر كل شخص كردي هو شخص انفصالي".

بيان الإخوان لم يختلف كثيراً عن بياناتهم السابقة المؤيدة لتركيا وتعبيرها عن تبعية مطلقة لتركيا

وأضاف الحاج يحيى "هذا الاستقطاب لخطاب الكراهية، يتحمل مسؤوليته القادة السياسيون من الطرفين، كما يتحمل المثقفون جزءاً من هذه المسؤولية، واعتبر أنّ مسؤوليتنا تجاه خطاب الكراهية، هي مسؤولية تاريخية، تجاه وطننا؛ هذا الانقسام الذي كان سابقاً بين نظام ومعارضة، رأيناه بعدة أشكال مختلفة، واليوم نرى أن الشرخ يزداد بين الأكراد، الذين أعتبرهم مكوناً مهماً من مكونات الشعب السوري، وباقي السوريين".
ويرى الحاج يحيى أنّ "غياب الحامل الوطني، وغياب الهوية الوطنية الجامعة، وهي مواضيع أساسية، لم يجرِ العمل عليها، من المثقفين السوريين، سواء خارج سوريا أم داخلها، وسواء من الموالين للنظام، أو من المعارضين، ولا نعرف إلى متى ستستمر حالة الانقسام هذه، وحالة التشظي الفكري، والانقسام الاجتماعي، والفكري والعقائدي، حتى أنّنا وصلنا لحالة انقسام أخرى؛ وهي التبعية للدول التي يقطن بها سوريون، أو للحلفاء الذين نرى أنّ لكل حليف منهم، أتباعاً سوريين، سواء من حلفاء النظام، أو من حلفاء المعارضة، وسواء من كيانات سياسية أو منظمات مجتمع مدني، أو حتى منصات إعلامية".

اقرأ أيضاً: هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟
ويتابع الحاج يحيى: "المسؤولية تقع على الجميع، وما يمكننا أن نعمل عليه، هو وضع كل جهودنا للحفاظ على الهوية السورية. لا أدري لو كانت كلمة "الهوية السورية" كلمة صحيحة، أو خاطئة؟ لكن باعتقادي أنّه ليس مطلوباً من السوريين، سوى أن يكونوا سوريين، وأن يكونوا وطنيين، وأن تكون مصلحة الوطن وانتماؤنا له هي من أهم أولوياتنا، وعلى هذا الأساس ستكون انطلاقتنا من المصلحة الوطنية. الوضع شائك صراحة، والكلام حوله شائك أيضاً. كل يوم يحصل تغيير على الساحة السورية، ويجب علينا أن نعترف فيها أننا اليوم عبارة عن أحجار على رقعة الشطرنج الدولية".
"الائتلاف" والإخوان.. مواقف متوقعة
أما على صعيد المواقف من العملية العسكرية التركية، سياسياً، فسارع الائتلاف السوري المعارض، قبل بدء العملية بيوم، إلى إعلان موقفه المؤيد لها، من خلال بيان رسمي، نشره على الموقع الرسمي للائتلاف، وذلك بتاريخ 8 تشرين الأول (أكتوبر)، والذي جاء فيه: "يؤكد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية التزامه بمحاربة الإرهاب بأشكاله كافة، والعمل مع شركائه في تركيا والتحالف لدحر التنظيمات الإرهابية وإعادة الأراضي والمدن التي تحتلها إلى سيادة الشعب السوري، ويتابع الائتلاف باهتمام بالغ التطورات في شمال شرق سورية".

اقرأ أيضاً: كارثة صنعها الجميع في سوريا
وأضاف البيان :"وقد شارك الائتلاف الوطني على مدى أشهر في الجهد الواسع الذي بُذل لإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، وتوفير الظروف التي تتيح العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، وأمِلَ الائتلاف خلالها أن تنجح المساعي في إيجاد حلٍّ يُنهي سلطة الأمر الواقع المتمثلة بال PYD وتنظيمات الإرهاب العابر للحدود التي اتخذت من تلك المناطق ملاذاً لنشر الفوضى والعنف والإرهاب".

بالتزامن مع العملية العسكرية اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ما بين موالٍ ومعارضٍ لها
كما جاء بيان الإخوان المسلمين السوريين، بعد ثلاثة أيام من بدء العدوان التركي، الذي أكد تأييده للعملية العسكرية التركية، وذلك بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر). بيان الإخوان لم يختلف كثيراً عن بياناتهم السابقة المؤيدة لتركيا (حزب العدالة والتنمية)؛ وتعبيرها عن تبعية مطلقة لتركيا؛ بل أصرَّ البيان، بشكل غير مفهوم، على ربط عملية "نبع السلام" بأهداف "الثورة السورية"؛ إذ جاءت افتتاحيته على الشكل الآتي: "تمر الثورة السورية اليوم بمنعطف تاريخي ومفصلي في سيرها نحو تحقيق أهدافها في إسقاط نظام الأسد ومواجهة مشاريع الإرهاب والتطرف والانفصال، وذلك بإطلاق عملية #نبع_السلام في منطقة #شرق_الفرات، والذي يتشارك فيها الجيش الوطني السوري مع الجيش التركي".
وأضاف البيان "لقد تقاطعت مصلحة الثورة السورية والأشقاء في #تركيا في محاربة إرهاب (PYD-YPG - PKK) واستعادة الأرض السورية والحفاظ على وحدتها، فكانت عملية (نبع السلام)، وشرق الفرات مثل غربه مثل كل سوريا، لا بد أن تصبح حرة بإذن الله".

الشامي: الإخوان اعتادوا انتقاء تبريرات لداعمهم التركي فهذا من أسهل المهمات فيما يخص الوضع السوري

لكن ما لا يتطرق الإخوان له؛ لماذا لم تتقاطع مصلحة الثورة السورية، و"الأشقاء في تركيا"، في مواقف سابقة مشابهة كما عندما بدأ هجوم روسيا والنظام السوري على إدلب في الشمال السوري؟ في ذلك الوقت كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يأكل الآيس الكريم بصحبة فلاديمير بوتين في روسيا، عندما كان النظام يحتفل باستعادته لمدينة خان شيخون!
وحول بيان الإخوان الأخير قال الكاتب والصحفي السوري عبد الله الشامي (اسم مستعار): "من حيث الموقف، سواء قرأتَ بيان الإخوان المسلمين المؤيد لعملية "نبع السلام" أو لم تقرأه، سواء سمعتَ عنه في نشرة أخبار أو برنامج حواري سياسي أو لم تسمع، فأنتَ لا تحتاج الكثير من الجهد ومهارات التنبؤ، حتى توقن بما يتضمنه بيانهم من محتوى وموقف. والسبب أنّ الإخوان ليس عندهم أية إمكانية لاتخاذ موقف مغاير لما يمليه عليهم الجانب التركي، وأقصد هنا بالطبع "حزب العدالة والتنمية"، هم مجرد صدى صوت للتركي لا أكثر ولا أقل، فإنّ قرر الأتراك التوغل في الأراضي السورية، ستجد الإخوان مصفقين وداعمين له من باب التبعية المحضة، بصرف النظر عن حجم هذا التوغل والجهة التي يستهدفها، وعن مصير المدنيين في تلك المناطق أو تعميق الشرخ القومي أو الديني أو المذهبي".

اقرأ أيضاً: التضامن العربي مع سوريا خطوة واعدة
وأضاف الشامي في حديثه لـ "حفريات" أنّ "كل ما يبقى على الإخوان هو انتقاء تبريرات لداعمهم، وهذه المهمة تعتبر من أسهل المهمات فيما يخص الوضع السوري، بالإضافة إلى تقديم الدعم والتسهيلات لتحقيق الأهداف والمصالح التركية التي ينهل منها الإخوان مصالحهم. إذن هي علاقة التابع بالمتبوع، وهي علاقة لا تحمل أية صفة ندّية، بناءً عليه وبشكل بديهي يتم ليّ ذراع مفهوم "المصلحة الوطنية" في كثير من الأحيان من أجل "مصلحة وطنية" أخرى ليست سورية، وهو ما يحدث الآن".


أما المحامي والباحث فراس الحاج يحيى فعلّق على بيان الإخوان المسلمين بقوله: لنكن واضحين وصريحين، لا يمكن لأي شخص يدّعي أنه شخص وطني، أن يقبل بدخول أي قوات أجنبية إلى أرضه، هذا مبدأ عام، ولا أعتقد أنّ هناك مجالاً للأخذ والردّ فيه، واعتبر هذا المبدأ من البديهيات، وللأسف الحالة السورية لا يمكن تطبيق البديهات عليها؛ لأنني أعتقد أنها حالة استثنائية، وهذا ليس تبريراً لأي طرف، أنا أتكلم عن جميع الأطراف السورية الموجودة سياسياً وعسكرياً. ومثلما تحدثت سابقاً، هناك منظمات المجتمع المدني، وحتى الإغاثية منها، تتبع للدول التي تمولها، والتي تدعمها سياسياً ومالياً وعسكرياً، هي المتحكمة في قرارها، بالتالي الجميع متساوٍ.

أثبت السجال الأخير أنّ الكثير من السوريين باتوا أكثر وعياً للاستقطابات السياسية

وتابع الحاج يحيى حديثه لـ "حفريات": "نحن نتحدث عن فصائل مدعومة من تركيا، مقابل النظام السوري المدعوم سياسياً وعسكرياً من قبل روسيا وإيران، كما أنّ قوات سوريا الديمقراطية مدعومة من أمريكا، وبعد تخلي الأخيرة عنها، تحالفت مع النظام السوري وروسيا. حالة التبعية هذه، وغياب الهوية الوطنية الجامعة، وغياب المشروع الوطني، والرؤية الوطنية لدى كل هذه الأطراف المتصارعة في سورية، تجعل الجميع يتساوون في التبعية، والجميع مشترك ومتواطئ في هذه الجريمة التي ترتكب بحق الوطن السوري، وبدرجات متساوية".
ويرى الحاج يحيى أنّ "قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فضلت أن تكون تابعة للنظام، بعد أن كانت تابعة لقوى التحالف الدولي، مع أمريكا وعدة دول أخرى، وكانت تحصل منها على الدعم والتمويل. للأسف، الطرفان السوريان؛ فصائل المعارضة وقوات "قسد"  لم يفضّلا أن يلتقيا على طاولة حوار واحدة قبل البدء في هذه العملية، والاتفاق على نقاط معينة، لمصلحة سوريا – الوطن.
ويختم الحاج يحيى كلامه بقوله: "لكن للأسف كل طرف رأى مصلحته في التحالف مع طرف ضمن التحالفات الموجودة، لذلك أرى أنّ الطرفين متساويان في ممارسة الانتهاكات بحق الشعب السوري. واليوم لا يمكن تبرير الدخول التركي إلى سوريا، ولا يمكن التبرير لـ "قسد" أن تعود لحضن النظام بهذه السرعة".

الصفحة الرئيسية