هل قدر الجزائريين أن يحكمهم الرؤساء المرضى؟

هل قدر الجزائريين أن يحكمهم الرؤساء المرضى؟

مشاهدة

28/12/2020

تشهد الجزائر، منذ عدة أسابيع، اتّساع التساؤلات، في ظلّ استمرار غياب الرئيس عبد المجيد تبون، للشهر الثاني توالياً، ولم يكن ظهور الرئيس، الأحد الموافق الثالث عشر كانون الأول (ديسمبر) الجاري، عبر حسابه الخاص في شبكة تويتر، لينهي الضجيج المحتدم وسط الشارع المحلي.

وفي تصريحات خاصة بـ "حفريات"، يتعامل 6 قادة سياسيين بحذر مع سيناريو "المرحلة الانتقالية"، ويربطون المسألة رأساً مع تحسّن وضع تبون الصحي من عدمه.

ويشدّد القيادي في حزب العمال (يسار)، رمضان تعزيبت، على أنّه قبل مرض الرئيس "لم تكن الأوضاع على ما يرام سياسياً"، محيلاً على "تميّز الوضع باستمرار الغلق السياسي والإعلامي وامتداد ذلك إلى جلّ الفضاءات والمنابر"، وتابع: "أحزاب سياسية ومنظمات وطنية وناشطون سياسيون وصحفيون يعانون ويتلقون عراقيل لممارسة السياسة أو الإدلاء بآرائهم بكلّ حرية".

القيادي في حزب العمال (يسار)، رمضان تعزيبت

ويقدّر الرجل الثاني في حزب المرشحة الرئاسية السابقة، لويزة حنون؛ أنّ "غياب الرئيس زاد الضبابية غموضاً، فيما تمّ إعلان قرارات إستراتيجية؛ مثل خصخصة البنوك، ورفع الرسوم والضرائب، على وقع تدهور مروّع، اقتصادياً واجتماعياً، وما زاد الطين بلّة التسيير العشوائي لجائحة "كوفيد 19"، وإفلاس عشرات الآلاف من التجار، وفقدان مئات الآلاف من مناصب الشغل، وغلق مؤسسات اقتصادية، وتفشي ظاهرتَي الهجرة السرّية والبطالة، ..إلخ؛ كلّ هذه العوامل دفعت إلى اندلاع عدة احتجاجات وإضرابات عمالية".

ثورة 22 فبراير 2019

ويسجّل تعزيبت: "ثورة 22 شباط (فبراير) 2019؛ انطلقت بالرفض للمشروع الجنوني "الولاية الخامسة للرئيس المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة"، ثمّ تطورت إلى مطلب رحيل النظام والتغيير الجذري، هذا لم يتحقق بعد، والشعب متمسك بمطالب الثورة، والدليل على ذلك رفضه الدستور بـ 77%؛ حيث لم يصوّت بنعم سوى 23 % من مجموع الهيئة الناخبة".

الجزائر تعيش أزمة حسّاسة تزداد مع مرض الرئيس عبد المجيد تبون، خصوصاً مع "الغموض" الذي اعترى التعامل مع المرض الذي يهمّ جميع الجزائريين

ويخلص تعزيبت إلى أنّ "المرحلة الانتقالية الوحيدة التي ستنال رضا غالبية الشعب هي التي تحقق أهداف الثورة، بإرجاع الكلمة للشعب كي يختار، بكلّ حرية، شكل ومضامين المؤسسات التي تجسّد تطلعاته في جلّ الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكن بالنسبة إلى حزب العمال الأولوية هي للتكفلّ بقوت ودواء وتشغيل ملايين الجزائريين، الأولوية تكمن في تأمين الظروف لإنجاح الموسمَين، المدرسي والجامعي، وتأمين مياه الشرب، ورفع الغبن عن 8 ملايين جزائري أحصتهم الحكومة يعيشون في مناطق منسية تفتقد لأدنى ظروف العيش الكريم".

أرقام خادعة

تؤكد الأمانة السياسية لحزب العمال وجود ما أسمتها "الأرقام الرسمية الخادعة"، وتتصور أنّ "الرئيس تبون يجهل الفوضى التي يتخبط فيها المشهد المحلي وانعدام الآفاق الإيجابية"، كما ينتقد الحزب المعارض "عدم تطرّق الرئيس الغائب منذ شهرين لمسألة الحريات، التي يستمر انتهاكها من خلال الاعتقالات وتكميم الإعلام والآراء السياسية، والصمت المربك للرئيس إزاء حتمية إجراءات تهدئة بدايةً بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والرأي".

آخر ظهور للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

وفي لائحة سياسية حصل عليها مراسل "حفريات"، يحذّر أتباع حنون من "خطورة إنكار الوضع الحقيقي"، ويجزمون أنّ "الهروب إلى الأمام يمكن أن يكون قاتلاً للبلد، بسبب اقتران المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي أصبحت لا تطاق، بخروقات لا تحتمل على الحقوق والحريات، كلّ ذلك في تسيير حكومي مخيف وغموض سياسي خانق، ما يزيد الانسداد وتسارع أزمة النظام الذي يشكّل استمراره أكبر خطر على سلامة الأمة وسيادتها"، على حدّ تعبيرهم.

اقرأ أيضاً: 3 سيناريوهات جزائرية للنزاع المغربي الصحراوي

من جانبه، يرى يوسف أوشيش، الأمين الأول لحزب جبهة القوى الاشتراكية؛ أنّه "في ظلّ افتقارها للحلول، تتمادى السلطة في رفضها القاطع لأيّة مبادرة أو مقاربة تستهدف الخروج من الأزمة متعددة الأبعاد"، ويوقن أنّ "الأخطار التي تتهدّد الجزائر باتت حقيقة أكثر من أيّ وقت مضى، وتكاد تعصف بالمشروع الوطني الذي لم نستكمله بعد، إنّها تهديدات ترتكز أساساً على عاملين هما: أولاً الرفض القاطع لصناع القرار من اعتماد أيّة خريطة للتغيير الديمقراطي، بهدف تعزيز الحصانة الوطنية، وتوالي المخططات التي تستهدف الجزائر".

الأمين الأول لحزب جبهة القوى الاشتراكية، يوسف أوشيش

ويقترح قائد حزب الزعيم الراحل، حسين آيت أحمد، "تشكيل جبهة داخلية قوية تكون نتاج مسار سياسي مبني على الديمقراطية، حقوق الإنسان والسيادة الشعبية، والإرادة المتبادلة والصادقة في استكمال بناء الدولة الوطنية، بعيداً عن المخرجات الخاطئة والحلول الزائفة"، على حدّ قوله.

ويلحّ أوشيش: "من مصلحة البلاد أن يدرك صنّاع القرار خطورة اللحظة، ويعمدوا إلى مباشرة حوار وطني شامل، وصادق، ومستقل، وتوافقي، في مناخ من التهدئة يرفع كلّ القيود عن جميع الحريات، الفردية والجماعية، ويفتح المجالَين السياسي والإعلامي، مع إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي".

البرلماني لخضر بن خلاف لـ"حفريات": أصحاب القرار لن يغامروا بالبلد، كما غامروا به مع الرئيس المخلوع بوتفليقة، وتسيير البلد باسمه من طرف شقيقه، وأضلاع "العصابة"

على المنوال ذاته، يذهب رئيس حزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية، محسن بلعباس، إلى أنّ "ما جاء في خطاب رئيس الدولة، أتى بعيداً كلّ البعد عن حاجيات البلد الملحّة والانشغالات الأساسية للمواطنين، بالتالي، فهو يقلق أكثر مما يطمئن الشعب الخائف من الغموض المخيّم على مصير الوطن"، مضيفاً: "يجب على من يستشيرهم الرئيس استيعاب تحديات الوضع الراهن وإدراك المخاطر المحدقة بالبلد، ومسؤولية كلّ الموجودين في مراكز صنع القرار تبقى كاملة".

رفض ومخاطر

ويشهر الوزير السابق للسياحة، عبد القادر بن قرينة، رفضه القاطع لما يصفها "مرحلة انتقالية تعيينية تفرض وصاية على الإرادة الشعبية"، ويبرز تمسّك حزبه "البناء الوطني" بـ "الانخراط في الرواق الدستوري"، و"تأييد أيّ إجماع وطني للقوى التمثيلية للأمة الجزائرية".

رئيس حزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية، محسن بلعباس

من جانبه، يحذّر د. عبد الرزاق مقري، رئيس حركة "مجتمع السلم" (إخوان)، من "مخاطر المراحل الانتقالية التي تدعو لها بعض الأطراف لتنفيذ مخططاتها باستغلال مؤسسات الدولة، وتدعو كلّ القوى الوطنية، سلطة ومعارضة، إلى التحلي جميعًاً بالإيجابية والمسؤولية وإعطاء الأولوية لحلّ الأزمات بدل تعميقها".

اقرأ أيضاً: المناخ السياسي في الجزائر الآن: أفق غامض والكثير من الضبابية

ويحمّل مقري "السلطات الرسمية الجزائرية مسؤولية حالة الضعف والتشتت في مختلف المجالات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بسبب سوء التدبير، واستمرار ذهنية الأحادية والفوقية، وتغلغل القوى العلمانية المتطرفة، بما جعلها تهدر الطاقة الكبرى التي أنشأها الحراك الشعبي، وتضيع فرص متتالية للإصلاح، وتعمّق اللاثقة، وتتسبّب في انغلاق الأفق"، وعليه حمّلت تشكيلة الرمز الإسلامي الراحل محفوظ نحناح، السلطات "مسؤولية التصحيح وتوفير شروط التلاحم الوطني".

رئيس حركة "مجتمع السلم" عبد الرزاق مقري

ويقرّ لخضر بن خلاف، النائب في الجمعية الوطنية (البرلمان)؛ أنّ الجزائر تعيش أزمة حسّاسة منذ أشهر، تزداد مع مرض الرئيس تبون، خصوصاً مع "الغموض الذي اعترى التعامل مع المرض الذي يهمّ جميع الجزائريين، وكان يتعين على السلطات أن تتوخى قدراً من الجدّية والشفافية، والشعب ملّ من التعامل الرسمي للمسؤولين مع مرض الرئيس المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة، منذ ربيع عام 2013، وكيف كانت تدار الأمور حينذاك، وكيف سُيّرت البلاد من طرف رئيس لا يتكلم ولا يقرّر، وظهر فيما بعد أنّ الذين يقرّرون هم أشخاص آخرون يملكون الختم الرئاسي ويفعلون ما يريدون".

 النائب في الجمعية الوطنية (البرلمان)، لخضر بن خلاف

ويضيف بن خلاف، رئيس مجلس الشورى للحزب الإسلامي "جبهة العدالة والتنمية" أنّ "الشعب لم يعد يثق بما يجري، خاصة مع الغموض وشحّ المعلومات منذ البداية"، لكنّه يرى أنّ "ظهور الرئيس في الثالث عشر من الشهر الحالي، ووعده بالعودة إلى البلاد في غضون أسبوعين إلى ثلاثة، بعد تجاوزه وعكة صحية كبيرة، وضع حدّاً لكلّ الإشاعات والادّعاءات التي كان يروّجها الخصوم في الداخل والخارج".

هاجس المغامرة وغياب الحكومة

يقدّر بن خلّاف؛ أنّ "الأمور ستتضّح في نهاية العام الحالي، طالما أنّ الرئيس مدعوّ للإمضاء على قانون الموازنة، للعام 2021، قبل انقضاء السنة الجارية"، كما سيكون تبون مطالباً بالفصل في قضية الدستور الذي لم يصوّت عليه الشعب الجزائري، وشهد تصويت 13% فقط".

اقرأ أيضاً: جدل فقهي في الجزائر حول فتح المساجد وحفظ الأرواح

ويرجّح البرلماني الجزائري المخضرم أن يعمد الرئيس تبون إلى "تفعيل قانون الانتخابات بثوبه الجديد، لكن يبقى الأمر غامضاً؛ فعلى أيّ أساس سيصدر قانون الانتخابات المقبل، هل يكيّف بحسب دستور 2016 الساري المفعول، أم يخضع إلى دستور 2020 الذي لم يُعتمد بعد، وهذا في حدّ ذاته غموض سيلقي بظلاله على الشوط المؤدّي إلى الانتخابات التشريعية والمحلية القادمة خلال السداسي الأول من عام 2021.

ويركّز بن خلّاف على أنّ الجزائر مهدّدة بالتبعات الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار تمدّد جائحة كورونا، وهذا يتطلب من الرئيس تبون اتخاذ إجراءات واضحة تطال حكومته الحالية، التي لا يظهر لوزرائها أثر في الحياة اليومية لمواطنيهم، وعليه، بفعل الأداء السلبي للجهاز التنفيذي، بقيادة الوزير الأول عبد العزيز جراد، يفرض على الرئيس تبون تجسيد عدة ورشات، لكن يبقى السؤال مطروحاً: "هل الوضع الصحّي للرئيس يسمح له بمواصلة عمله، وفي حال تعذّر ذلك، القوانين واضحة في صورة ما تتضمنه (المادة 102) من الدستور الجزائري بشأن قدرة الرئيس على استكمال فترته الرئاسية، الممتدة إلى كانون الأول (ديسمبر) 2024.

ويخلص بن خلاف: "من بيدهم القرار لن يغامروا بالبلد مرة أخرى، كما غامروا به مع الرئيس المخلوع، وتسيير البلد باسمه من طرف شقيقه، وأضلاع "العصابة"، وأيّ جديد يخص "الانتخابات المسبقة" التي يتكلّم عنها كلّ الناس، سيظهر مطلع العام الجديد"، على حدّ قوله.

الصفحة الرئيسية