هل غيّرت إيران استراتيجيتها في العراق؟

هل غيّرت إيران استراتيجيتها في العراق؟


15/01/2022

يبدو أنّ إيران باتت أكثر قدرة على قراءة المتغيرات في المنطقة، وأكثر قابلية لإبداء قدر من المرونة، وتغيير استراتيجيتها من التصعيد والعنف عبر أذرعها المسلّحة، إلى أساليب أكثر تكتيكاً ودبلوماسية، هذا ما يحدث على الأقلّ بالنسبة إلى الجارة العراق.

منذ فترة والعراق يسعى للإفلات من قبضة وهيمنة إيران، تحديداً منذ وصول مصطفى الكاظمي في أيار (مايو) من العام 2017 إلى رئاسة الحكومة، ورغم انزعاج إيران من ذلك، ومحاولتها عرقلة طريق العراق أكثر من مرّة من خلال تقاربه مع محيطه الخليجي، غير أنّ الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي لم تأتِ في صالح حلفائها، كانت حقيقة يصعب تجاهلها، وأنّ الأسلوب نفسه لم يعد يجدي نفعاً.

اقرأ أيضاً: الحلبوسي رئيساً للبرلمان العراقي وسط فوضى وعنف ودراما

والأسلوب المقصود هنا هو الاعتماد على حلفائها من الميليشيات الشيعية في إثارة الفوضى أو تمرير رغباتها بالقوة، فالعراق بمعطياته الحالية، والتحسّن الملحوظ اللافت في قدراته الأمنية، واستقراره السياسي بالتحالف الذي يقوده صاحب الأغلبية البرلمانية مقتدى الصدر، وتناغمه مع الكاظمي، فضلاً عن الأوضاع الإقليمية، بل وأوضاع إيران نفسها، جعل تغيير الاستراتيجية ضرورة ملحّة.

رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي

ومن ثمّ، انتقلت إيران من الصدام إلى المهادنة، فأرسلت برقية إلى رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، الذي تمّ انتخابه رغماً عن أنف حلفائها، ممثلين في "الإطار التنسيقي" الذي يرفض الاعتراف حتى الآن برئاسة الحلبوسي.

البرقية مرسلة من رئيس مجلس الشورى في إيران محمد باقر قاليباف، وقد قال فيها، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا): "إنّني على ثقة بأنّ العلاقات الأخوية الثنائية ستشهد المزيد من النمو والتطور في مختلف المجالات بدعم وإسناد من برلماني البلدين".

 انتقلت إيران من الصدام إلى المهادنة، فأرسلت برقية إلى رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، الذي تمّ انتخابه رغماً عن أنف حلفائها، ممثلين في "الإطار التنسيقي"

وأضاف قاليباف: إنّ "التعاون البرلماني، كجزء مهم من العلاقات الودية بين طهران وبغداد، سيؤدي إلى المزيد من ترسيخ وتعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف الأصعدة". وقد وجّه قاليباف الدعوة لنظيره العراقي لزيارة طهران، معرباً عن "أمله بأن تتمّ هذه الزيارة في أقرب فرصة ممكنة".

ولم تتوقف الأنباء عند مجرّد المباركة الإيرانية للبرلمان الإيراني، بل الأبرز ما نقله "مرصد مينا" عن موقع "شفق نيوز" العراقي، من أنّ "السلطات الإيرانية  اتخذت قراراً بإبعاد الحرس الثوري عن إدارة الملف العراقي، وإحالته إلى وزارة الاستخبارات والأمن الوطني "اطلاعات"، وذلك إثر الأداء الضعيف لفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في 10 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. وتُعدّ هذه الخطوة تجسيداً للانتقال من سياسة العنف الممثلة في الحرس الثوري إلى المهادنة والتكتيك اللذين عادة ما يتّسم بهما عمل الاستخبارات.

وعلى ما يبدو، بحسب وسائل إعلام عراقية، فإنّ اغتيال قاسم سليماني إلى جانب الرجل الثاني في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في بداية العام 2020، أربك الذراع الإيرانية في العراق.

 

اقرأ أيضاً: من المسرح إلى الرياضة... هكذا يحاول الحشد الشعبي العراقي تجميل صورته

ومن الواضح أنّ الذهول الذي أصاب قادة فصائل الحشد، هو نفسه الذي أصاب قادة الأمن والسياسة الإيرانيين الذين كانوا يتوقعون أداءً مقبولاً للقوى العراقية المتحالفة معها، يريح طهران أوّلاً في إدارة الملف العراقي، وثانياً في تأكيد النفوذ الإيراني الإقليمي، في وقت تخوض فيه طهران مفاوضاتها الصعبة مع القوى الدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، حول برنامجها النووي.

 

وسائل إعلام عراقية: السلطات الإيرانية اتخذت قراراً بإبعاد الحرس الثوري عن إدارة الملف العراقي، وإحالته إلى وزارة الاستخبارات والأمن الوطني "اطلاعات"

 

وأفاد مصدر سياسي وآخر دبلوماسي، بحسب "شفق نيوز"، أنّ جهاز "اطلاعات" يُعتبر بمباثة جوهرة الأجهزة الأمنية الإيرانية، مشيراً إلى أنّ ذلك يمثل انقلاباً إيرانياً لا يُستهان به، يستهدف على ما يبدو إعادة الإمساك بالملف العراقي بشكل مختلف، وتغيير آليات العمل وإدارته بطريقة مغايرة.

المصدر نفسه لفت إلى أنّ مسؤول "اطلاعات" السابق محمود علوي يتواجد في مدينة النجف، وأنّه باقٍ فيها إلى حين تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، علماً بأنّ ملف التشكيل الحكومي صار بين يدي زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بشكل أو بآخر، بعد حصوله على (73) مقعداً في الانتخابات، الذي أوصد الباب أمام وساطة قام بها وفد إيراني خلال الأيام الماضية للتقارب من الإطار التنسيقي، وبالتحديد مع نوري المالكي، لقيادة تشكيل الحكومة الجديدة.

واتساقاً مع التوجّه ذاته، كانت وكالة أنباء "رويترز" قد نشرت في 22 كانون الأول (ديسمبر) الماضي أنّ إيران قامت بالعديد من التحركات من أجل وقف الاضطرابات الداخلية في العراق والتي قد تتسبب بها الفصائل العراقية المقرّبة منها، مشيرة إلى أنّ إحدى هذه التدخلات جرت  بعد ساعات من الهجوم على منزل الكاظمي في بغداد، الذي اشتبه بتورط جماعات موالية لإيران فيه.

 

اقرأ أيضاً: بانوراما عراقية: هكذا مرّ 2021 على بلاد الرافدين

واستناداً إلى مسؤولين في الميليشيات وسياسيين عراقيين ودبلوماسيين غربيين، قالت "رويترز": إنّ اسماعيل قاآني هرع إلى بغداد بعد ذلك الهجوم، لإبلاغ رسالة إلى الميليشيات الموالية لإيران، التي رفضت الاعتراف بالنتائج الأولية للانتخابات، وذكرت "رويترز" أنّ رسالة قاآني كانت: "عليكم أن تقبلوا بالنتائج".

وأوضحت الوكالة أنّه خلال اجتماع مقتضب في مكتب أحد السياسيين المخضرمين المدعومين من إيران، وبّخ قاآني زعيمين لجماعات تدعمها إيران، واتهمهما بأنّهما تعاملا بشكل سيّئ مع تداعيات الانتخابات، وذلك بحسب ما أورده أحد مسؤولي الميليشيات مطلع بشكل مباشر على اللقاء، بالإضافة إلى سياسيين اثنين مرتبطين بالفصائل تمّ إطلاعهما على الاجتماع.

ونقلت "رويترز" عن مسؤول إحدى الميليشيات قوله: إنّ "الإيرانيين كانوا غاضبين"، مضيفاً أنّ مسؤولاً إيرانياً سأل: "هل تريدون حرباً أهلية شيعية؟"، ويقصد بالحرب الشيعية التيار الصدري الذي فاز بالانتخابات، لكنّه غير موالٍ لإيران، مقابل الميليشيات الموالية لها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية