هل تورّط أفضل فيلم في الأوسكار في هجاء الفلسطينيين والثناء على إسرائيل؟

صورة موسى برهومة
كاتب وأكاديمي أردني
15512
عدد القراءات

2018-03-07

تحضر في فيلم (The Shape of Water) أو "شكل الماء" الحائز على جائزة أفضل فيلم في مسابقة الأوسكار 2018، رموز تاريخية قريبة وبعيدة، توحي بدلالات تستبطن الكثير من الالتباس الذي يشوّش رسالة الفيلم الذي يعدّ واحداً من التحف الجمالية البديعة.

ومن بين الإشارات التي يركز عليها الفيلم، في متنه ومنتهاه، إشادته بإسرائيل وأسلحتها؛ إذ يثني مسؤول الأمن ريتشارد ستريكلاند (مايكل شانون) على أسلحة الكيان الصهيوني حين يسأل عن مصدر العبوة المنفجرة موضعياً التي يستخدمها أحد الشخصيات لتخطي حاجز حراسة. وحين يُقال لمسؤول الأمن المفوّض من قبل الحكومة الأمريكية إنّ القنبلة صنعت في إسرائيل يعلق بأنّ السوفييت يكرهون إسرائيل ويستخدمون أسلحتها.

وفي إشارة تكررت غير مرة وجرى التركيز عليها، يستحضر الفيلم حكاية "شمشون" التاريخية، ويذكر في كل حين يرد فيه اسم شمشون أنّ الفلسطينيين فقأوا عينيه وعذبوه. ويأتي ذلك في سياق اتهامي يحاول أن يلصق العنف بالفلسطينيين "الأشرار".

حكاية الصراع القديم

وترمز قصة شمشون إلى الصراع القديم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووردت في أسفار العهد القديم في الأصحاحات 13 إلى 16، وفي الرسالة إلى العبرانيين من العهد الجديد في الأصحاح 11، وكان ذلك في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، في مدينة غزة.

وكانت أم شمشون قبل ولادته عاقراً، لكن ملاك الرب، كما تقول أسفار العهد القديم، بشّرها بأنها ستلد غلاماً، وهذا الغلام سيخلّص بني إسرائيل من الفلسطينيين الذين كانوا أسياد المدن في جنوب فلسطين، ويقطنون في غزة وأسدود وعسقلان وعقرون وجت.

وعندما حملت المرأة الإسرائيلية ثم ولدت ذاك الغلام دعته باسم "شمشون". ونشأ شمشون جباراً، فكان يحرق زرع الفلسطينيين في عسقلان، ويسلب أمتعتهم، ويقتل بعضهم ويبطش بالآخرين. وقد استقر شمشون في غزة، وهناك تعرف إلى فتاة غزّية تدعى "دليلة" ووقع في غرامها، وتزوجها خلافاً لإرادة والديه. أما دليلة فكانت تعدّ العدة مع قومها الفلسطينيين للانتقام من شمشون. وعلمت، بالتدريج، أنّ سر قوة شمشون تكمن في شعر رأسه، فأخبرت قومها بذلك، واحتالت عليه بالنوم على ركبتيها.

يستبطن فيلم "شكل الماء" الكثير من الالتباس الذي يشوّش رسالة الفيلم الذي يعدّ واحداً من التحف الجمالية البديعة

وعند ذلك هجم قوم دليلة عليه وقصّوا شعره وفقأوا عينيه وأوثقوه بالسلاسل، واعتقدوا أنهم تخلصوا من بطشه وشره. وفي أثناء إقامته في السجن، مكبّلاً بالسلاسل، راح شعر رأسه ينمو رويداً رويداً. ولم يطل الوقت كثيراً حتى استرجع شمشون قوته. وبينما الفلسطينيون يحتفلون بالإله داغون (إله القمح) ويمرحون في المعبد وعددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل وامرأة، عمد شمشون إلى جذب السلسلتين اللتين توثقان ساعديه، وكانتا مربوطتين إلى عمودين من أعمدة المعبد، وصاح: "عليّ وعلى أعدائي يا رب". وفي تلك اللحظة انهار المعبد على الرؤوس، وقتل كثيرون بينهم شمشون نفسه.

وجرى استعادة هذه الحكاية في أفلام كثيرة كان من بينها فيلم "شمشون" 1914، وفيلم "شمشون ودليلة" 1949، وآخر بالاسم نفسه عام 1922. وقبل أيام جرى الإعلان عن فيلم جديد بعنوان "شمشون" من إخراج بروس ماكدونالد، وتمثيل جاكسون راثبون، وبيلي زان،  وتايلور جيمس (بدور شمشون) وروتجير هاور، وكيتلين ليهي (بدور دليلة) ويعرض حالياً في دور السينما في العالم، ويحكي، بحسب المرفق الإعلاني، عن يهودي يُمنَح قوة غير اعتيادية كقدرة خارقة، عليه أن يستجيب لنداء الآلهة في أن يقود شعبه ويحررهم من الاستعباد، بعد أن تدفعه حماسة شبابه إلى زواج مأساوي، تقوده أعماله الانتقامية إلى صراع مباشر مع الجيش الفلسطيني، في حين يعمل شقيقه على تصعيد تمرد قبلي وتأجيجه.

وتتتالت الأفلام والأعمال الفنية التي تناولت الحكاية التي وظفتها آلة الدعاية الصهيونية لمصلحتها وتكريس مظلوميتها وتفوقها في آن، فقُدّم "شمشون" على أنه مخلّص الإسرائيليين من الأشرار، وقاهر الأعداء، في حين قُدّمت "دليلة" النبيلة باعتبارها امرأة غانية، جاسوسة، قبضت ألف قطعة من الفضة مقابل كشف سر شمشون؛ البطل الإسرائيلي وتسليمه لأعدائه، لتصبح فيما بعد رمزاً للزوجة الخائنة.

أين وردت حكاية شمشون في فيلم الأوسكار؟

يُنشىء فيلم (The Shape of Water) الذي أخرجه المكسيكي جييرمو ديل تورو، حكاية خيالية تجري أحداثها في مدينة بالتيمور خلال سنة 1962 خلال حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة اﻷمريكية والاتحاد السوفيتي السابق. ففي أحد المختبرات فائقة السرية التابعة للحكومة الأمريكية، تعيش العاملة البكماء "إليسا" (سالي هوكينز) حياة كاملة من الوحدة والصمت داخل المختبر، وتتغير حياتها للأبد حينما تكتشف مع زميلتها زيلدا (أوكتافيا سبنسر) أمر تجربة علمية شديدة السرية، محورها كائن مائي فريد من نوعه وغامض من أمريكا الجنوبية يعيش في خزان مياه، أحضره أحد العسكريين من أمريكا الجنوبية لإجراء دراسات عليه بعدما كان بمثابة إلهٍ لسكان الأمازون الأصليين.

من غير المتوقع أن ينتصر فيلم يخضع لشروط "هوليوود" وإكراهاتها، لعذابات الفلسطينيين، ويقول إن "شمشون" الجبار قد هُزم

تنشأ علاقة بين "إليسا" وصديقها البرمائي (دوج جونز)، فتؤمن بأنّ مصيره وبقاءه على قيد الحياة يعتمدان على مساعدة من طرف عميل سري معادٍ للحكومة وهو عالِم للأحياء البحرية، يكون عميلاً للسوفييت. فتقرر "إليسا" تهريب الكائن البرمائي وتقرر إنقاذه من رجل الأمن ستريكلاند الذي يتلذذ بتعذيبه ويسعى إلى قتله، وذلك بمساعدة زميلتها "زيلدا" ، وجارها "جايلز" (ريتشارد جينكينز)  والطبيب "بوب أو ديميتري" (مايكل ستولبارغ) ، فتأخذه إلى بيتها وتتطور بينهما المشاعر إلى تجربة عاطفية وحسية مدهشة.

وعندما يعلم الأمن بوجود الرجل البرمائي يسعون إلى مطاردته، فتلجأ "إليسا" إلى اصطحابه إلى المحيط ليكمل حياته، وهناك تتم المواجهة الدامية، فيقتل رجل الأمن الكائنَ البرمائي، ويقتل إليسا وصديقها، مشدّداً على أنه "شمشون" الذي لا يقهر، ويتخلص من أعدائه في الوقت المناسب مهما كانت التحديات والأخطار. ولا ينسى في غضون ذلك بالتذكير بالفلسطينيين الذين عذبوا "شمشون" وفقأوا عينيه، لكنه هدم المعبد على رؤوسهم، وانتصر.

نشوة انتصارية مؤقتة

بيْد أنّ هذه النشوة الانتصارية لا تلبث أن تتبدّد، بعد أن يتعافى الكائن البرمائي من جروحه سريعاً، فيعود إلى الحياة، ويُعيد معه صديقه، ثم بعد ذلك "إليسا" التي يعانقها داخل البحر في مشهد عاطفي حميم، يفنّد مزاعم "شمشون" الجبار الذي لا يُقهر، وهو معنى لم يخطر ربما في أذهان صانعي هذا الفيلم الذي يمتثل بالضرورة لشروط "هوليوود" وإكراهاتها. فمن غير المتوقع أن ينتصر الفيلم لعذابات الفلسطينيين، ويقول إن "شمشون" الجبار قد هُزم، إلا إذا كان الفيلم يحمل رسالة فلسفية عميقة تؤمن بأن الحب يجلب السلام ويهزم الحرب والعنف والدمار.

المياه، في الفيلم، تأخذ شكل ما بداخلها، وبالرغم من رقتها، فهي أكثر قوة ومناعة في العالم، والحب كذلك

وإذا جرى ترجيح الخيار الثاني، فإنه يتطابق مع ما صرح به حول هذا الأمر مخرج الفيلم: "أردت أن أخلق قصة جميلة ورائعة ممزوجة بالأمل والإخلاص، أردت أن تأخذ القصة شكل الحكايات الخيالية التي يتعثر فيها الإنسان بشيء مختلف يفوق كل ما قابله في حياته من قبل، اعتقدت أنها ستكون فكرة رائعة لو جعلنا خلفية هذا الحب شيئاً شريراً مثل الكراهية بين الأمم والشعوب، وهو ما تمثله الحرب الباردة، حيث تكمن أسباب الكراهية في المنافسة واللون والقوة والجنس وغير ذلك".

ومهما يكن من أمر، فإنّ المياه، كما يفتتح الفيلم، "تأخذ شكل ما بداخلها أياً كان، وبالرغم من رقتها، فهي أكثر قوة ومرونة ومناعة في العالم، والحب كذلك، فليس مهماً الشكل الذي يرتبط الحب به، هو حب في النهاية، سواء كان مع رجل أو امرأة أو مخلوق برمائي".

لمشاهدة تريلر الفيلم: انقر هنا

اقرأ المزيد...

الوسوم: