هل تنجح ألمانيا في استحداث نسخة أوروبية من الإسلام؟

هل تنجح ألمانيا في استحداث نسخة أوروبية من الإسلام؟

مشاهدة

12/09/2019

ترجمة: علي نوار


إنّ ظهور فهم آخر للدين هو أمر ممكن، وبدأت بشائره في الظهور بالفعل في ألمانيا، بتلك البلاد التي يعيش فيها خمسة ملايين مسلم تقريباً، تبدأ ملامح تيار ديني أكثر تفتّحاً وليبرالية، وبطابع أوروبي يبتعد عن الغلوّ والتشدّد، في التشكّل، ويسعى هذا التيار لتقديم طرق تعامل جديدة مع أزمتَي التطرّف وفقدان الهوية.

اقرأ أيضاً: منظمة إخوانية تخدع سياسيين بألمانيا بمبادرة تبرعات
بتؤدة ودون عجالة من أمرهما، يفرش رجلان البساط الأخضر الذي سيغطّي لفترة من الوقت أرضية المكان؛ إنّه منتصف نهار الجمعة، وستتحوّل هذه الكنيسة، الواقعة في أحد أحياء غرب العاصمة برلين، إلى مسجد في غضون دقائق.
يوضع نوع من الغطاء على الصليب الكبير الذي يحتلّ المذبح، فيما يخلع الوافدون أحذيتهم، ويجلسون على الأرض لتأدية الصلاة، يصل بعضهم مرتدين ملابس العمل، وآخرون يأتون بملابس رياضية، وتفترش فتاة البساط، طلباً لقسط من الراحة، هناك نساء يلبسن غطاء للرأس وأخريات لا يفعلن ذلك.


يؤمّ المصلّين في هذا اليوم، إدريس الجاي، الذي خصّص خطبته للحديث عن التجديد الديني، ومن أعلى المنبر، باللغة الألمانية، يقول: "نعيش في ألمانيا وينبغي علينا أن نجدّد ديننا، نحن في حاجة إلى فهم للدين مختلف..، الإسلام ليس جامداً، لا يسعنا، نحن المسلمين، التفكير في الماضي، بل يتوجّب النظر إلى المستقبل..".

الإمام الجاي: الإسلام ليس جامداً ولا يسعنا نحن المسلمين التفكير في الماضي بل يتوجّب النظر إلى المستقبل

إنّه أحد تلك المساجد التي يرتادها الأشخاص الذين يشعرون بأنّهم غير مُمثّلين داخل مجتمعاتهم التقليدية، ويبحثون عن مسارات جديدة داخل الدين، تأسّس هذا المسجد على يد سلفي سابق تائب، وربما يكون، مثل المساجد الأكثر ليبرالية، تجربة غير شائعة، لكنّها موجودة وناتجة عن الصراع الدائر هنا حول هوية إسلام ما يزال خاضعاً لهيمنة المؤسسات الأكثر محافظة.
تخوض الأجيال الجديدة صراعاً يومياً في غرف الطعام داخل كثير من منازل خمسة مليون مسلم تقريباً، يعيشون في ألمانيا، لا يقتصر الخلاف على ذلك فحسب؛ بل ينزل إلى ساحته رجال دين ونشطاء، ونسويون، ومشاهير منصة (يوتيوب) لمقاطع الفيديو، وشعراء يؤكّدون تمسّكهم بالمدرسة الألمانية من الإسلام، هؤلاء هم الجيل الجديد، الذين نالوا قدراً أوفر من التعليم، ويتصرّفون بثقة تفوق تلك التي كانت لدى هؤلاء الذين وصلوا أوروبا دون أن يتحدّثوا اللغة، أو يكون لديهم إلمام بالثقافة. ويحتضن البعض، الذين يحدثون، الكمّ الأكبر من الضجّة، تيارات أكثر تطرفاً، في الوقت الذي يناضل فيه آخرون من أجل التأسيس لإسلام أكثر انفتاحاً، ويتوافق مع حياتهم اليومية، والأهم من كلّ ذلك، أنّه بعيد كلّ البعد عن أيدي حكومات بلدانهم الأصلية، ومصادر تمويلها.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
قد تكون هذه الظاهرة بطيئة الوتيرة للغاية، وشبه مستحيلة، أو لن تصل لإحداث قدر هائل من التأثير، لكنّها واضحة بكلّ جلاء في شوارع كبرى المدن الألمانية.
تقول أستاذة العلوم الإسلامية في جامعة غوتينغن الألمانية، ريم شبيلهاوس: "تتراوح أعمار الأجيال الجديدة التي نشأت هنا، حول 40 عاماً الآن، لديهم رؤية مختلفة، ترعرعوا هنا..، ويشاهدون المسلسلات التلفزيونية، وكلّ ذلك يؤدّي لتوليد توتّرات مع المنظّمات الإسلامية التقليدية، ومع الأجيال الأكبر سناً، التوجّه واضح؛ سيتولّى الشباب زمام الأمور، بالتالي سيكون الحوار بالضرورة متبايناً".

 أستاذة العلوم الإسلامية في جامعة غوتينغن الألمانية ريم شبيلهاوس
تشارك شبيلهاوس في حدث دُعي إليه صحفيون ألمان لمسجد بوسني، ويلتقط المراسلون صوراً، ويطرحون الأسئلة، كما لو كانوا في دولة أخرى بعيدة، لا في قلب العاصمة الألمانية، والواضح؛ أنّ عدم المعرفة بالآخر أمر مشترك وواقع، يُعزى ذلك إلى أنّ ملفّ الإسلام وإدماج اللاجئين المسلمين الذين وصلوا ألمانيا بات موضوعاً ذي أهمية قصوى، ويأتي في المقام الأول، ولا ينفكّ جميع الساسة يتطرّقون له، رغم أنّهم ما يزالون غير قادرين على الوصول إلى مجتمع ما يزال يشعر بعدم التقبّل.

تضم منظمة الناشطة لمياء قدور المُهدّدة بالقتل أئمة نساء وزيجات مختلطة وتفتح أبوابها للأشخاص ذوي الهويات الجنسية المختلفة

علاوة على ذلك؛ تأتي إعادة التعريف التي يحاول وضعها الشباب على التوازي مع صعود اليمين المتشدّد الألماني ومعاداة الإسلام، وهما ظاهرتان صاعدتان دون أيّة مقاومة، تحاولان الترويج للإسلام على أنّه هوية في مجتمع لا يشعر المسلمون بأنّهم جزء منه تماماً؛ لذا تحذّر شبيلهاوس من أنّ الانفتاح ليس ظاهرة تسير في اتجاه واحد، وأنّ التطرّف هو أيضاً إسلام أوروبي يعزّز الشعور بالعزلة، وُلدوا في ألمانيا إلّا أنّهم لا يُنظر لهم على أنّهم ألمان تماماً، وينتهي الأمر بالكثير منهم لبناء هوية على أساس الدين، وتكشف شبيلهاوس؛ أنّ الليبراليين بدؤوا في إحداث جلبة أعلى؛ نظراً إلى شعورهم بتهديد أخطر؛ بسبب تسليط الضوء على الإسلام الأصولي.
وعن هذا الأمر توضّح شبيلهاوس: "يراودهم الإحساس بأنّه يجدر بهم رفع صوتهم، وأنّه لا ينبغي أن يتركوا هؤلاء يحتكرون الإسلام؛ إنّها لحظة حافلة بالتناقضات".

اقرأ أيضاً: تحركات الإخوان في ألمانيا تثير قلق الاستخبارات المحلية

وإذا كان هناك صوت يعلو بقوة مميّزة في ألمانيا، ويعبّر مثل أصوات كثيرة عن هذا الصراع في مواجهة التيار التقليدي، فإنّه صوت لمياء قدور، انتهت للتوّ من المشاركة في مؤتمر حول معاداة السامية في أحد أحياء برلين، وبمكان مُلحق بمنزل الفنان الصيني، آي ويوي، بعد انتهاء مداخلتها يصطفّ الكثيرون في صفّ طويل من أجل تحيّتها، ولا تفارق الابتسامة وجه قدور، لكنّ حيويتها هذه تخفي وراءها مأساة؛ تروي قدور، خلال الاستراحة، رحلتها؛ فقبل تسعة أعوام قرّرت تولّي قيادة "اتحاد المسلمين الليبراليين في ألمانيا"، وتقول عن ذلك: "نحاول تقديم أجوبة معاصرة، وإحداث تقارب أكثر منطقية..".

الناشطة لمياء قدور

وتدافع أستاذة العلوم الإسلامية عن "فهم مختلف للإسلام والقرآن الكريم في جزئيات مثل المرأة والزواج بين المسلمين وغير المسلمين"، وبالفعل؛ تضمّ منظمتها أئمة من النساء وزيجات مختلطة، كما أنّ الاتحاد يفتح أبوابه أمام الهويات الجنسية المختلفة، وينتمي لها 200 عضو في الوقت الحالي، تتزايد أعدادهم، وتكشف قدور: "بالنسبة إلى البعض نحن إسلاميون أكثر من اللازم، فيما يرانا قطاع آخر أقلّ إسلاماً من المعهود". وبالفعل، وعقب تأسيسها "اتحاد المسلمين الليبراليين في ألمانيا"، انهالت الانتقادات عليها متّهمة إياها بالسعي نحو تقسيم المسلمين، ثم وصلتها تهديدات بالقتل؛ لذا ارتأت التوقّف عن إعطاء حصص التعليم الإسلامي في المدرسة الثانوية، بعد أن رأت أنّها لا تستطيع المجازفة بسلامة طلابها.

اقرأ أيضاً: هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟
لدى قدور ابنان، وتعتقد أنّ الشباب المسلم "أصبح أكثر انفتاحاً وعلمانية في ألمانيا"، لكنّه -في الوقت ذاته- يعرف الفكر المتطرّف، وقد سافر خمسة من طلابها السابقين، من ذوي الأصول التركية، إلى سوريا؛ للانخراط في جبهات القتال هناك في صفوف الجهاديين، وتطرّقت قدور إليهم بتأكيدها "يعانون مشكلات هوية جسيمة"، ونقلت قدور واقع تجربتها مع جهاديي دينسلاكن، وهي بؤرة أصولية خرج منها عدد كبير من المتطرّفين، في كتابها "على استعداد للقتل: لماذا ينخرط الشباب الألمان في صفوف الجهاد"؛ حيث تسرد بنبرة يكسوها الأسى: "قالوا إنّهم يؤمنون بأنّ ذلك هو الشيء الصائب لمساعدة المسلمين، غير أنّهم لم يكونوا على دراية حتى بأنّ سوريا تشهد اقتتالاً بين المسلمين والمسلمين".

اقرأ أيضاً: ألمانيا وفرنسا تطالبان بحظر "يورو فتوى" للقرضاوي

تبدأ معركتها بكسر الهيمنة التي لطالما تمتّعت بها المنظمات التقليدية والمحافظون على العلاقات مع الحكومة، مؤكّدة: "حتى وصولنا نحن (الليبراليين)، لم يكن أحد من الذين لديهم هذه الرؤية يتحاور مع الحكومة، كانت المنظمات التقليدية وحدها هي التي تتكلّم..، نتطلّع لأن نكون مستقلّين ونحظى بالحرية في ممارسة إسلام معاصر وألماني".

برفقة قدور تعمل ربيعة مولر، وهي إمام ليبرالية، تشرف على جالية ترتاد أيضاً مبنى ملحق بكنيسة بروتستانتية في كولونيا، وتؤكّد أنّها أنهت مراسم 250 زيجة، وتقول: "كان من المهم أن نضع رؤيتنا للإسلام في نطاق التطبيق، وإظهار أنّها ليست نظرية فحسب؛ هناك عدد من الأشخاص لديهم هويات جنسية مختلفة داخل مجموعتنا، وتنبغي علينا حمايتهم"، وتضيف: "ما نقوم به هو ردّ على هيمنة الأصولية طوال عقود وقد صار الشباب يطالبون الآن بإجابات مختلفة".

اقرأ أيضاً: قلق في ألمانيا.. اغتيال أحد السياسيين يعيد النازيين الجدد إلى قلب العاصفة
مرتدية عمامة على رأسها، تتحدث مولر خارج جدران (إسلام كونفرنس)، وهو ملتقى سنويّ للحوار بين الدولة الألمانية والمجتمع الإسلامي، والذي افتتحت نسخته الأخيرة، وللمرة الأولى، قدور وأصوات ليبرالية أخرى، بالطبع؛ لا يرتبط إنهاء احتكار المنظمات المحافظة بصعود الليبراليين وحده؛ بل وكذلك بتدهور العلاقات السياسية بين برلين وأنقرة ورغبة برلين في إضعاف الأواصر التي تربطها بالحكومة التركية التي تتراجع بشكل مطّرد في مسار الديمقراطية.

الناشطة الألمانية المسلمة كوبرا غومساي

يفترض أنّ مؤتمر (إسلام كونفرنس) يساهم في تهدئة الأمور تجاه الجالية المسلمة في البلاد، لكنّ الشباب المسلم الليبرالي شنّ هجوماً عنيفاً على وزير الداخلية الكاثوليكي، الذي صرّح بعبارته الشهيرة: "الإسلام لا ينتمي لألمانيا"، والذي أدرج طبقاً من لحم الخنزير ضمن قائمة الطعام المُقدّمة أثناء فعاليات الملتقى، وفي نسخته الأخيرة؛ خيّمت أجواء متوتّرة على المؤتمر لعدة ساعات، وبدا أنّ المعركة الداخلية حول الهوية الإسلامية في ألمانيا على أشدّها.

اقرأ أيضاً: مزيد من التقارب بين الإمارات وألمانيا...على ماذا اتفق البلدان؟

لكنّ الملتقى شهد كذلك بروز عامل آخر غير سار، وهو العداوات العميقة للغاية؛ فعلى أحد مداخل القاعة شوهدت سيران أطيش، الوجه الأشهر بين أوساط الإسلام الليبرالي خارج ألمانيا، تتحدّث مع بعض الأشخاص فيما يحيط بها خمسة حرّاس شخصيين، توضّح أطيش: "نحن مهدّدون من قبل المنظمات المحافظة"، خلال استراحة بين جلستين من المؤتمر، وتضيف المرأة قصيرة الشعر، تركية الأصل: "حياتي في خطر منذ ما يزيد عن 10 أعوام".
وداخل مجتمعها حتى، تواجه أطيش انتقادات بكونها مجرّد منتفعة ومستعدة للتحالف مع اليمين المتشدد الألماني في حربها ضدّ الإسلاموية الأصولية، وتكشف المرأة: "أنا نسوية وأناضل ضدّ الفكر الأبوي، لا يهمّني مصدره"، تحوّل افتتاح مسجدها الليبرالي إلى حدث إعلامي ذي وقع عالمي هائل، رغم أنّ المبادرة لم تحرز قدراً كبيراً من التقدّم؛ حيث يرى المدافعون عنها أنّ أطيش تجتذب كثيراً من الأضواء، فضلاً عن تلقّيها تهديدات؛ لذا لم يجرؤ سوى القليلين على الظهور بمسجدها.

اقرأ أيضاً: هل حاول التنظيم الدولي للإخوان قتل اللواء فؤاد علّام في ألمانيا؟
ربما يكون مؤتمر (إسلام كونفرنس) الصورة الأكثر صخباً من التغيير، إلّا أنّ الشعور اليومي في الشارع هو بالقطع حدوث نوع من الحراك داخل المجتمع؛ حيث يبحث الشباب عن بعضهم، ويلتقون ويتناقشون، مثلما فعلت مجموعة "داتلتيتر"، أو جماعة التمر، والتي أصبح أفرادها من "المؤثرين" المسلمين الأشهر في الوقت الحالي، والذين يعرضون بشقّتهم في غرب برلين، أسبوعياً، مقطع فيديو عبر منصة (يوتيوب)، ويكون حافلاً بــ "السخرية"، قاعدتهم الرئيسة هي شقة في حي فيدينج، الذي يتميز بالتنوّع الثقافي في برلين، وتتكوّن المجموعة من خمسة شباب مفعَمين بالإبداع، يسجّلون مقاطع الفيديو، والتي يبتاعها منهم لاحقاً التلفزيون الحكومي الألماني، ويشاهدهم 4.5 مليون شخص شهرياً، وفي كلّ يوم جمعة، وتحديداً في الساعة الثالثة عصراً، يرفعون مقطع فيديو جديد، ينتظره الشباب بفارغ الصبر.

بدأت "داتلتيتر" في تسجيل مقاطع الفيديو عام 2015

بدأت "داتلتيتر"، في تسجيل مقاطع الفيديو، عام 2015، حين قرّروا أنّهم يريدون تغيير الخطاب، ويوضح مارسيل سونيك، أحد الأعضاء المؤسسين للمجموعة: "إذا بحثت عبر محرّك "جوجل" عن الإسلام وألمانيا، تظهر لك فقط نتائج أصولية، معظم الناس هنا ليس لها علاقة بهم، ونريد تدشين منصّة كي يفصح الشباب المسلمون عن أنفسهم، وكي يكشفوا عن طبيعة عالمهم، وحتى يكونوا في الوقت ذاته مرجعية، لا وجود لمرجعيات إسلامية في التلفزيون الألماني".

تنتج "داتلتيتر" مقاطع الفيديو خاصتها باللغة الألمانية، ويتراوح عمر مشاهديها بين 18 و35 عاماً، ويحظون بـ 250 ألف مشترك، قد تتعامل معهم السلطات الفعلية والمؤسسية بنوع من التجاهل، لكنّ شعبيتهم عريضة في الشارع، يعرفهم الشباب جيّداً ويتوقّفون لتحيّتهم، يتحدّث أفراد المجموعة، عبر قناتهم، عما يثير مخاوفهم، وبفكرة "إظهار أنّه لا ينبغي الاختيار بين العالم الغربي أو الإسلامي، وأنّ لا مجال للتضارب بين الاثنين، وأنّه لا يتعيّن على المسلمين أن يشعروا كما لو كانوا وافدين على المجتمع".

اقرأ أيضاً: حرق جثت مسلمين في ألمانيا يُضاعف من حُرقة الفراق
يقصّون كيف أنّ الناس تبعث لهم بكثير من الأسئلة العقائدية..، رغم اعتراف صاحب فكرة المشروع، يونس العمايرة، البالغ من العمر 33 عاماً "لكنّنا لسنا مؤهّلين لتسوية هذه المشكلات"، وإزاء الطلبات المتزايدة بقوة، يستعدّ الفريق حالياً لتدشين برنامج "جاد، بدون سخرية".

يعمل العمايرة كذلك على مشروع لاستئصال الأصولية بالتعاون مع عناصر سبق أن انخرطوا في صفوف تنظيم داعش الإرهابي، ويوضّح أنّ "داتلتيتر"، هو "منصة للتفكير، تنظيم داعش، أو السلفيون، بالنسبة إلينا، مرفوضون تماماً، لكن انطلاقاً من هنا، يجب على كلّ فرد أن يفكّر، بيد أنّه من الصعب تقبّل أفكار أخرى في المساجد، لا أرتاد المساجد لأنّني لست راضٍ عن أيّ منها، كما أنّهم لا يتحدّثون لغتي، ولا يتطرّقون إلى مشكلاتي".

كريستيان أوهان إمام مثلي الجنس اعتنق الإسلام في عام 2017

تبحث المجموعة في مقاطع الفيديو التي تبثّها ملفّات، مثل الحجاب والعنصرية، ويشدّد سونيك: "إذا قال لك المجتمع إنّك لست ألمانياً، فستجد هويّتك في الإسلام". توجد هذه التخوّفات نفسها لدى يوسف عدلة، وهو من مواليد مدينة حلب السورية، التي وفد منها قبل 20 عاماً، ويعقد جلسات شعرية، وعرض مقاطع فيديو داخل "آي سلام"، وهي مساحة أخرى للشباب المسلمين الألمان يتجمّعون فيها لخلق والبحث عن مكانهم الخاص، ويطلقون على أنفسهم لقب "أبطال الكلمة"، ويسعون لإنشاء جيل جديد من الشعراء الألمان الذين يتطلّعون إلى "التطرّق للمساواة مع الألمان غير المسلمين".
هناك قواعد محددة، لكنّ واحدة منها؛ هي أنّ كلّ قصيدة يجب أن تكون باللغة الألمانية، في 60% منها على الأقل، نصف أعضاء المجموعة من المسلمين، أما النصف الآخر فهم من غير المسلمين، يقبل على الندوات الشعرية 300 شاب، يشاركون في ثلاث أو أربع جلسات شهرياً، يتكرّر حدوث الأمر في ستِّ مدن ألمانية أخرى.

الصحفية زينب المسرار: هناك المزيد من الأشخاص الذين يتطلّعون إلى التغيير لكنّهم ما يزالون أسرى الخوف

إنّه مشروع يبعث على الأمل، لكن الأمر شاق في هذه الأيام، وفق تأكيد عدلة الذي يعترف: "إذا لم يتغيّر شيء في غضون عامين سأرحل، حتى أعوام قليلة مضت كنت أشعر بأنّ ألمانيا هي وطني، عملت كثيراً في مشروعات لمناهضة العنصرية، لكنّ المجتمع الألماني تخلّى عنّا، يخشى الناس كثيراً من اليمين المتشدّد، تعرّضت خمس فتيات من مجموعتنا لهجمات عنصرية، أنا شخصياً تلقّيت تهديدات بالقتل فقط لأنّني أقول إنّني أروّج للإسلام كشيء جيّد".
"دار السلام"؛ مسجد سوري-فلسطيني، يوجد في برلين، ويقصده ألف و500 شخص كلّ يوم جمعة لأداء الصلاة، هو مسجد محافظ، لكنّ إمامه، محمد طه صبري، يدلّل على أنّ التغيير لا يقتصر فقط على الطليعة؛ بل يمتدّ لما بعدها.
يقول صبري، الذي كان موضع مراقبة بسبب صلاته المحتملة بجماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام في النهاية هو نصّ، وهناك أناس يعملون على تأويله بما يتوافق مع الواقع، يجب أن يكون التفسير في أوروبا مختلفاً عن الأماكن الأخرى؛ لأنّ الواقع الاجتماعي يؤثّر فيه بالضرورة"، مبرزاً، في الوقت ذاته؛ أنّ التغيير يأتي كذلك من العالم العربي؛ حيث توجد صحوة وعي حتى لو كانت المعارضة تتعرّض للنفي".محمد طه صبري إمام مسجد دار السلام في حي نيكلن في برلين.

على مدخل مسجد "دار السلام"، قبل نحو عام ونصف العام، وقف عبد الحكيم أورغي، أستاذ التربية الدينية في جامعة فرايبورج، مقلّداً مارتن لوثر؛ حيث كان يحمل بين يديه 40 أطروحة، قال إنّه يسعى بواسطتها للتجديد الديني.
حرية التفسير في الإسلام أو القضاء على الوساطات بين الله تعالى والإنسان هي بعض أطروحات هذا الرجل، الذي "يمثّل مدرسة الإسلام الليبرالي"، يقول أورغي: "لا نعلم عدد الأشخاص الذين يصنّفون أنفسهم كليبراليين، لا توجد إحصاءات، لكن من المؤكّد أنّ هناك كثيرين ممن يشعرون بأنّهم غير ممثّلين من قبل المنظمات المحافظة".

يتضمّن ملف التجديد الديني أيضاً جانباً أكاديمياً في ألمانيا؛ حيث يجري تدريس مواد تتعلّق بالشريعة الإسلامية في ستّ جامعات، ولا تتمحور الفكرة حول تأهيل أئمة؛ بل أساتذة للمرحلتَين؛ الابتدائية والثانوية من التعليم في مواد القيم الأخلاقية أو الدينية.
يرى محمد نكرومي، الأستاذ المحاضر في جامعة إرلانجن، إحدى هذه الجامعات الستّ؛ أنّ "العلاقة بين الإسلام وأوروبا ليست جديدة، بل هي محلّ نقاش في فرنسا وفي بلجيكا وفي هولندا، لكنّ ما حدث؛ أنّها تطوّرت بشكل علمي في ألمانيا، إنّها العملية الأكثر طموحاً على مستوى أوروبا، يحتاج الجيل الثاني والجيل الثالث إلى فكر أوروبي".

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

إلى جوار التأهيل الأكاديمي والتغييرات المؤسسية، يبدو أنّ الأمر الوحيد المؤكّد بالنسبة إلى كثير من المحلّلين؛ أنّ الشباب هم من يمتلكون مفتاح إعادة تعريف الإسلام في ألمانيا.
تقول الصحفية المسلمة النسوية، زينب المسرار: "نحن بصدد بداية جهاد النوع في ألمانيا، أرى أنّ هناك المزيد والمزيد من الأشخاص الذين يتطلّعون إلى التغيير، لكنّهم ما يزالون أسرى الخوف".

تسرد المسرار قصّة حياتها، والحيّ الذي شهد نشأتها، في أحد مطاعم برلين؛ حيث تُقدَّم أطباق تقليدية ألمانية، وعلى مبعدة أمتار معدودة فحسب، يوجد مسجد "الصحابة"؛ الذي كان يتردّد عليه الذي نفّذ هجوماً على أحد أسواق عيد الميلاد في العاصمة الألمانية، وبعد أسابيع من اللقاء مع المسرار، شنّت الشرطة عملية أمنية، أسفرت عن تفكيك شبكة لتمويل الجهاديين في المسجد، دلالة على أنّ المعركة من أجل التغيير الديني لن تكون يسيرة.


المصدر: تقرير من إعداد الصحفية آنا كارباخوسا، نشر بجريدة "الباييس" الإسبانية
رابط:
https://bit.ly/2lAIfM4


الصفحة الرئيسية