هل تكفي سلة العمادي لإخراج حماس من أزماتها العالقة؟

هل تكفي سلة العمادي لإخراج حماس من أزماتها العالقة؟

مشاهدة

23/09/2020

ترجمة: إسماعيل حسن

نجحت حماس في توجيه الغضب الشعبي بعد سلسلة من الحراكات التي قادها الشباب نتيجة الظروف المعيشية نحو الحدود الفاصلة مع إسرائيل؛ حيث أعمال الشغب والمظاهرات والبالونات الحارقة والمتفجرة، التي دفعت حكومة إسرائيل إلى التوسط في اتّفاق تحويل الأموال شهرياً من قطر إلى القطاع، بدايةً وصل المبلغ إلى خمسة ملايين دولار، بعد ذلك عشرة، واليوم ثلاثين مليوناً شهرياً.

المال هو الموضوع الأساس الذي على الطاولة، لكنّه ليس الوحيد، فثمة سلسلة من المشاريع المهمة جداً لحماس على جدول الأعمال؛ بدءاً من المنطقة الصناعية وحتى خطّ الكهرباء

 ظاهراً التمويل يقصد منه الفقراء، أما عملياً فالأموال تخدم أجهزة حماس في القطاع، التي تصبّ بنهاية المطاف في أهداف إرهابية؛ فالسيناريو معروف، حماس تستخدم الإرهاب على سكان غلاف غزة، كي تضغط على حكومة إسرائيل لإيجاد حلّ يضخّ الأموال والمشاريع إلى غزة، كي توقف حماس الإرهاب الذي تستخدمه على سكان الغلاف، هذا التكتيك بالضبط هو الذي تتخذه حماس منذ بدأت أحداث العنف على الحدود قبل عامين، فبعد أن فشلت في كلّ المحاولات منذ حملة الجرف الصامد في إقناع الدول العربية والغربية لمساعدة غزة المنكوبة، انتقلت إلى طريقة الابتزاز في ممارسة الضغط على إسرائيل كي تحلّ مشكلاتها.

المال هو الموضوع الأساس الذي على الطاولة، لكنّه ليس الوحيد، فثمة سلسلة من المشاريع المهمة جداً لحماس على جدول الأعمال؛ بدءاً من المنطقة الصناعية وحتى خطّ الكهرباء، وبضع مسائل أخرى تدّعي أنّها تتأخر أكثر مما ينبغي، وتأمل حماس في أنّ ما لم تفعله أشهر من محادثات التسوية ستفعله بضعة أيام من البالونات والحرائق، وإذا لم يجد هذا حلاً، فستعود حماس أيضاً إلى المناوشات الليلية وإثارة الشغب قرب البلدات المجاورة على الحدود لقضّ مضاجع السكان، لكنّ هذه المساعدة الشهرية يفترض أن تنتهي في أيلول (سبتمبر) الجاري، وقد تمّ تحويل الأموال عن آب (أغسطس)، وليس لدى أحد أدنى فكرة عما سيحصل لاحقاً؛ هل سيستمرّ التمويل؟ وإذا كان "نعم"، وكم من الوقت سيستمر؟ لكن يسود حماس قلق من أنّها ستبقى لاحقاً بلا تلك المساعدة الوحيدة التي تحلّ كلّ مشاكلها العالقة.

الصواريخ والبالونات

في الحالة الفلسطينية؛ لا تعدّ الصواريخ والبالونات أسلحة دقيقة، وسبق أنّ الفصائل في القطاع، عندما تريد توجيه نيران الصواريخ إلى قلب عسقلان، أو مركز سديروت، فلا تجد صعوبة في فعل ذلك، في الحالة الإسرائيلية التوجه الحذر واضح وبارز، إطلاق نار الدبابات نحو مواقع حماس، وتتمّ هجمات سلاح الجو على الأنفاق المحصنة ومخازن السلاح، في الوقت الذي يتأكد فيه الجيش من أنّ كلّ الأهداف فارغة تماماً من الأشخاص.

اقرأ أيضاً: انتخابات حماس القادمة: ولاءات لأنقرة وطهران.. متى تلتفت الحركة لوطنيتها؟

 إنّ تصعيد الأسابيع الأخيرة في القطاع استهدف لحظة واحدة، وهي وصول محمد العمادي، المبعوث القطري، مع الإرسالية الشهرية الأخيرة للمبلغ النقدي الذي اتّفق عليه مسبقاً، وتريد سلطة حماس في القطاع زيادة المبلغ إلى 45 مليون دولار، أو حتى 60 مليون دولار شهرياً، بحسب روايات مختلفة، وتريد حماس تقديم المساعدة مستقبلاً لأشهر وحتى لسنوات.

اقرأ أيضاً: قراءة إسرائيلية في أهداف الاستعراض الكشفي لقيادة حماس في الخارج

 في الخلفية ثمة تطورات أخرى تؤثر على حالة التوتر مع إسرائيل؛ كالإنتخابات الداخلية لرئاسة حماس، المتوقعة في تشرين الثاني (نوفمبر)، التي ستدلّ على محاولة خالد مشعل العودة إلى القيادة من المنفى في الخليج، إلى جانب الذعر من كورونا، للمرة الأولى تمّ تشخيص سبعة حالات إصابة في القطاع بكورونا، الأسبوع الماضي، من مصدر إصابة غير معروف.

المسافرون القلائل

 المسافرون القلائل، الذين يعودون إلى غزة من الخارج، مطالبون بالمرور في فترة حجر لأسبوعين، لمنع تسرب الفيروس إلى القطاع المكتظ بالسكان، السلطة المضغوطة، وبخوف من تفشي كورونا في ظلّ شروط صحية بائسة، فرضت حظر تجول كاملاً على كلّ القطاع؛ فالتعامل مع كورونا متشدّد وثمة كاميرات حول بيوت المعزولين ومعاقبة من خرقوا الحجر بالجلد، على خلفية الاكتظاظ والظروف الصحية الصعبة، تقع قيادة حماس في حالة ضغط كبير من إمكانية تفشّي سريع للوباء، ووضعت أكوام من التراب حول مخيمات اللاجئين، وسط القطاع الذي ينتشر فيه الوباء لمنع السكان من الخروج، ويبدو أنّ حماس فقدت الرغبة في التصعيد بسبب هذه الظروف.

بحسب الاتفاق، الذي طبخه مبعوث قطر، محمد العمادي؛ ستحصل حماس على 30 مليون دولار أحضرها المبعوث معه، وستوزع بين موظفي حماس والعائلات المحتاجة، وسترسل مبالغ أكبر بقليل إلى القطاع، بدءاً من الشهر القادم، وسترفع إسرائيل بعضاً من القيود التي وضعتها على مشاريع البنية التحتية في غزة، وتمّ التفاهم على إدخال إسرائيل مساعدات طبية أخرى إلى جانب فحوصات كورونا، التي حصلت عليها حماس مؤخراً، وقد يتعلق الأمر أيضاً بأجهزة التنفس الاصطناعي.

صحيح أنّ حماس وإسرائيل تشعران بأنّهما مضطرتان للردّ على تصرفات الخصم، لكنّ الأخيرة تحاول المناورة بين الحفاظ على ردعها المتآكل ومنع المقاومة من استخدام القوة

 إنّ زعيم حماس، يحيى السنوار، هو الذي قام هذه المرة بتسخين الساحة بشكل متعمد في القطاع، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، توصل الطرفان إلى تفاهمات حول وقف إطلاق النار المستمر مقابل ضخّ مساعدات وتسهيلات اقتصادية ومشاريع جديدة في القطاع، لكن تعرضت نتائج التفاهمات لضربة أولى عند تفشي كورونا، في آذار (مارس) الماضي، ولأنّ حماس كانت خائفة من الوباء؛ فقد أوقفت إرسال العمال من غزة، الذين سمحت لهم إسرائيل بالدخول للعمل في أراضيها، وانهارت هذه التسوية نهائياً قبل شهر، عندما اعتقد السنوار أنّه شخص ضعف وبات معلقاً ما بين تفشي كورونا والأزمة السياسية، وبدأ الآن بالضغط، كما هي العادة تتطور معركة حول الرواية، يقول جهاز الأمن الإسرائيلي إنّ الردود القوية للجيش هي التي أقنعت حماس بالتوقف، وتنسب حماس الاتفاق لقوة المقاومة الفلسطينية، لكنّ التفسير الحقيقي يختفي، كما يبدو، في مكان مختلف تماماً؛ في الأسابيع الأخيرة سُجِّل ارتفاع حادّ في عدد الإصابات بكورونا في القطاع، أجبر ذلك حماس على التراجع عن التصعيد؛ فالوضع في غزة يشهد انزلاقاً؛ إذ وصلت أعداد المصابين إلى 265 مصاباً، والأرقام في ازدياد وخطر.

ليس لإسرائيل مصلحة

لقد نشر مركز معلومات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مقالاً تحليلياً نشر في موقع الأخبار لدى حماس، وهو مقال يبرز سياسة حماس والمعضلات التي تطرحها على إسرائيل، ولتجسيد الملخص العام من المقال؛ يمكن الاستنتاج أنّه ليس لإسرائيل مصلحة في جولة تصعيد شاملة؛ لأنّ أصحاب القرار في إسرائيل يفهمون بأنّهم سيعودون إلى النقطة ذاتها في نهاية الجولة، وذلك إذا أخذنا بالحسبان أنّ ليس للقطاع ما يخسره، بسبب وضعه الإنساني والاقتصادي المنهك، وعليه ستضطر إسرائيل للعودة إلى تفاهمات التهدئة.

اقرأ أيضاً: تهدئة إسرائيلية مع حماس تتخللها جهود مصرية لتبادل الأسرى

 توجد أسباب أخرى لعدم لجوء إسرائيل إلى الحرب، هي انعدام اليقين في الساحة الشمالية، واقتراب السنة الدراسية وعدم جاهزية الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في أعقاب تفشي كورونا.

صحيح أنّ حماس وإسرائيل تشعران بأنّهما مضطرتان للردّ على تصرفات الخصم، لكنّ الأخيرة تحاول المناورة بين الحفاظ على ردعها المتآكل ومنع المقاومة من استخدام القوة، وفي الوقت ذاته؛ الرغبة في إحلال الهدوء بغزة وتحسين شعور المستوطنين بالأمن، لكنّ السبيل الوحيد لتحقيقه هو العودة لتفاهمات 2018، ورفع الحصار وتطوير مشروعات البنية التحتية لتحسين حياة سكان القطاع. في المقابل؛ علينا ذكر مسألة التفاهمات الهشّة، وذكر استنتاجات الأحداث الأخيرة التي أعادت السنوار إلى استخدام القوة العسكرية ضدّ إسرائيل، لابتزاز التسهيلات والتفاهمات، الأمر الآخر الذي يجب أخذه في الحسبان؛ هو مزاج العمادي وقطر، ربما سيملّون في وقت ما من استخدامهم كمحفظة لحماس، إذا لم يترجم هذا الأمر إلى مكانة إقليمية حقيقية.

اقرأ أيضاً: ما تداعيات العلاقة بين حماس وحزب الله على القضية الفلسطينية؟

 تزايدت التقارير في الأشهر الأخيرة عن تدخّل متزايد لقطر في لقاءات الوساطة، لكنّ مصدراً كبيراً يقول إنّ قطر لاعب ثانوي، وهي نوع من الأمن الاقتصادي للتفاهمات التي يتم التوصل إليها, وبحسب أقوال المصدر؛ فإنّ الوجود القطري هناك يهدف إلى رغبتها في التقرب من مصر؛ فغزّة لا تعنيهم، وهم أيضاً ليسوا جزءاً من المحادثات والنقاشات، ولا يمكن القول إنّهم يحضرون أصلاً إلى مصر، هم على الأغلب يعطون مصادقة على المساعدة الاقتصادية عن بعد.

مشكلات غزة عميقة

تجتهد إسرائيل وحماس لأن تكونا حذرتين، لكن حتى لو نجحتا فسيكون نجاحاً مؤقتاً، فمشكلات غزة عميقة أكثر من أن تتمكن مساعدة موضعية من حلّها، وبغياب خطوة إستراتيجية كبيرة لاتفاق واسع من جانب ما، أو خطوة عسكرية واسعة من جانب آخر، لن يحلّ حقاً، وعاجلاً أم آجلاً سيكرّر السيناريو المعروف نفسه، أما الإسرائيليون فهم يدركون جيداً أنّ المطالب الفورية التي تطلبها حماس، وعلى رأسها قائد الحركة، يحيى السنوار، هي كسر الحصار، من خلال فتح معبر كرم أبو سالم بشكل مستمر، وزيادة عدد الشاحنات والمواد ذات الاستخدام المزدوج، وزيادة عدد تصاريح دخول التجار من غزة لإسرائيل، وتمديد تصاريح استيراد وتصدير البضائع للقطاع، وتوسيع منطقة الصيد لـ20 ميلاً بحرياً، إلى جانب تعزيز مشاريع البنية التحتية للمياه، وزيادة كمية الكهرباء في القطاع، ومشاريع تشغيل الخريجين وزيادة المنحة القطرية، ومضاعفة عدد مستحقيها، عدا ذلك؛ فلا يبدو أنّ الفلسطينيين في غزة سيقبلون بالمعادلة الإسرائيلية، ومن ثمّ يتوقع استمرار نفخ البالونات وإطلاق الصواريخ، وتشغيل فرق الإرباك على الحدود، ما لم تكن هناك فرصة حقيقية لتحسين الوضع داخل القطاع، ودون تحسين الوضع المعيشي وتحقيق إنجازات للفلسطينيين؛ قد تعود جولة التصعيد مرة أخرى.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.israelhayom.co.il/article/790115

الصفحة الرئيسية