هل تعيد مدينة فاروشا المباحثات المصرية التركية إلى المربع صفر؟

هل تعيد مدينة فاروشا المباحثات المصرية التركية إلى المربع صفر؟

مشاهدة

29/07/2021

نحو مزيد من التأزم تسير العلاقات المصرية التركية، بعد فشل المباحثات التي جرت بين البلدين مطلع أيار (مايو) الماضي في تحقيق أي تفاهمات بين البلدين، خاصة في ظل استمرار التحركات الأحادية من جانب أنقرة في الملفات الإقليمية التي تمثل محور خلاف حاد مع القاهرة على مدار السنوات الماضية.

وفي تحد جديد لكافة المواثيق الدولية والقانونية أعلنت تركيا الأسبوع الماضي، إعادة فتح جزيرة فاروشا القبرصية بشكل جزئي، فيما سارعت القاهرة إلى إدانة القرار ووصفه بالتعدي الذي سيتسبب في إثارة مزيد من القلاقل والأزمات في المنطقة، فضلاً عن تصريحات الرئيس التركي رجب أردوغان باستمرار التواجد العسكري التركي في ليبيا وسوريا، وكذلك استمرار التنقيب عن الغاز في مناطق النزاع شرق البحر المتوسط، وهو ما ترفضه مصر بشكل قاطع.

اقرأ أيضاً: قانون فصل الإخوان في مصر: قراءة في دلالات الممارسة وآليات التطبيق

ورأى مراقبون أنّ التوترات الأخيرة بين البلدين تؤكد المؤشرات السابقة على فشل المفاوضات التي جرت قبل شهرين، وأنها تعد بمثابة كتابة السطر الأخير في محاولة التفاهم، خاصة مع استمرار تقديم الدعم التركي لجماعة الإخوان، ورفض أنقرة تسليم المطلوبين لدى الجهات المصرية إلى بلادهم.

محاولة لتوطين الأتراك في الجزيرة القبرصية

وفي سياق متصل، يقول الباحث المصري المختص في الشؤون الدولية، محمد فوزي إنّ إعلان الرئيس التركي عن "إعادة فتح مدينة فاروشا القبرصية" بشكل جزئي، والتي هجرها سكّانها الأصليون من القبارصة اليونانيون منذ قرابة نصف قرن، محاولة من أردوغان لدعم مساعي القبارصة الأتراك لإعادة فتح المدينة المهجورة تحت إدارتهم، وهو تحرك يرتبط بالرؤية التركية التي تقوم على فكرة إقامة "دولة قبرص التركية".

 وفي حديث لـ"حفريات" يرى فوزي أنّ أردوغان يستهدف بشكل رئيسي من طرح هذه القضية في هذا التوقيت، من جانب الضغط على الاتحاد الأوروبي والاشتباك معه، من خلال فتح قنوات تواصل ومباحثات جديدة حول الملفات الخلافية، في ضوء كون الأزمة ترتبط بعضوين في الاتحاد وهما: قبرص واليونان؛ إذ يرى أردوغان أنّ الضغط على الاتحاد الأوروبي عبر هذه الورقة قد يمثل فرصة لانتزاع بعض المكاسب، مثل: الحصول على حصص من غاز المنطقة بسعر منخفض.

 

محمد فوزي: أردوغان يستهدف بشكل رئيسي من طرح هذه القضية في هذا التوقيت، الضغط على الاتحاد الأوروبي والاشتباك معه، من خلال فتح قنوات تواصل ومباحثات جديدة حول الملفات الخلافية

 

ويتابع: "من جانب آخر يستهدف أردوغان من هذا التحرك، عرقلة اتفاقات ومصالح الدول الغربية شرق المتوسط، بما يزيد من أوراق الضغط التي تملكها تركيا أثناء التفاوض مع الغرب، بما يعزز من حظوظها في الاستفادة من ثروات المنطقة.

ما دلالات البيان المصري؟

أما عن البيان المصري "شديد اللهجة"، الذي عبرت مصر من خلاله عن استيائها من إعادة الفتح الجزئي لمدينة "فاروشا"، من قبل تركيا، فيرى الباحث المصري أنه يرتبط بعدد من الاعتبارات، أولها هو التأكيد على عمق العلاقات التي تربط مصر بقبرص واليونان أيضاً، وهي العلاقات التي تعمقت في الحقبة الحالية، خصوصاً منذ إطلاق مصر للآلية الثلاثية للتعاون في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 عقب تولي الرئيس السيسي الحكم، وهي الآلية التي استهدفت تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدان الثلاثة في كافة المجالات ذات الاهتمام المشترك، ومن بينها: الاستفادة من ثروات شرق المتوسط، ومواجهة الاستفزازات والتهديدات التركية، وبالتالي فالتعاون المصري مع كل من قبرص واليونان فضلاً عن وصوله لمرحلة العلاقات الاستراتيجية، فإنه يأخذ طابعاً مؤسسياً.

ويوضح فوزي أنّ ثاني الاعتبارات التي يمكن قراءة البيان المصري بخصوص "فاروشا" في ضوئها، هو أنّ البيان يعكس الرؤية المصرية لعملية التقارب مع أنقرة؛ إذ يبدو أنّ صانع القرار المصري أدرك من خلال عدد من الممارسات التركية المشابهة، أن أنقرة غير جادة في ملف التقارب مع مصر، ولم تتخل عن أطماعها التوسعية، أو تحركاتها المهددة للأمن القومي والمصالح المصرية، وبالتالي فهذا البيان عكس هذه القناعة المصرية.

ويؤكد فوزي أنّ البيان يرتبط بالمقاربة التي تتبناها مصر في سياستها الخارجية في الحقبة الحالية، حيث التحرك في ضوء قرارات الشرعية الدولية، والالتزام بمسارات التسوية الشاملة للقضايا، لا المسارات الجزئية التي ترتبط بأهداف مرحلية أو تكتيكية، فضلاً عن الوقوف بجانب حلفاء مصر.

 

صانع القرار المصري أدرك من خلال عدد من الممارسات التركية المشابهة، أنّ أنقرة غير جادة في ملف التقارب مع مصر، ولم تتخل عن أطماعها التوسعية

 

وكانت وزارة الخارجية المصرية أكدت في بيان صحفي، على ضرورة الالتزام بقرارات مجلس الأمن في هذا الشأن، وتجنب أي أعمال أحادية قد تؤدي إلى تعقيد الأوضاع وتزيد من مقدار التوتر، مع ضرورة الالتزام الكامل بمسار التسوية الشاملة للقضية القبرصية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

اقرأ أيضاً: عندما أظهر الإخوان كراهيتهم لمصر!

وبشكل عام، عبرت عدة تصريحات صدرت عن مسؤولين مصريين عن فشل المفاوضات مع تركيا، مرجعة الأسباب إلى جمود الموقف التركي في التعامل مع الملفات التي تمثل خلافاً بين البلدين، والتي يمكن بلورتها في ثلاث نقاط أساسية، هي التواجد التركي في ليبيا، واستمرار التنقيب عن الغاز في مياه البحر المتوسط دون اتفاق قانوني وخارج مظلة الشرعية الدولية، وأخيراً استمرار تقديم الدعم لجماعة الإخوان التي تصنفها مصر إرهابية، ولم تكتفِ القاهرة بالقرارات التي أعلنتها أنقرة بوقف البث لبعض البرامج الإخوانية وتحيد سياسة المنصات الإعلامية.

ويذكر أنه ساد الخلاف بين مصر وتركيا منذ 2013 خاصة بعد إسقاط حكم جماعة الإخوان إثر الثورة، وتقديم أنقرة دعماً مالياً ولوجسيتياً للجماعة التي نفذت عمليات إرهابية استهدفت مؤسسات الدولة المصرية.

في الآونة الأخيرة، أشار كبار المسؤولين الأتراك إلى تحسن العلاقات مع مصر، في تحول عن نهجهم النقدي الحاد السابق تجاه حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الثاني عشر من آذار (مارس) الماضي إن البلدين أجريا اتصالات "استخباراتية ودبلوماسية واقتصادية"، مضيفاً أنه يأمل في علاقات "قوية" بين البلدين.

اقرأ أيضاً: مصر.. مرحلة جديدة من مواجهة الإخوان بضرب "الخلايا النائمة"

بعد أسبوع من تصريحات أردوغان، طلبت حكومته من ثلاث قنوات تلفزيونية مصرية مقرها إسطنبول، مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، تخفيف تغطيتها السياسية الانتقادية للحكومة المصرية، وتوقفت القنوات التلفزيونية على الفور عن بث بعض البرامج السياسية.

لكن المباحثات بين البلدين تعثرت وفشلت لاحقاً، فيما أعلنت وزارة الخارجية المصرية تجميد المفاوضات إلى أجل غير مسمى بسبب السياسات التركية التي ترفضها مصر. 

الصفحة الرئيسية