هل تعاني أوروبا حقاً مشكلة مع اللاجئين؟

هل تعاني أوروبا حقاً مشكلة مع اللاجئين؟


15/03/2022

ترجمة: علي نوّار

حاملين أطفالهم في يد ومتعلقاتهم الشخصية في اليد الأخرى، يصل مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين إلى دول الجوار، حيث استقبلهم حكّام دول مثل بولندا والمجر ومولدافيا ورومانيا بترحاب.

ورغم الإطراء على هذه الحفاوة، لكنّها أظهرت بكل وضوح الاختلافات الهائلة في المعاملة التي نالها المهاجرون واللاجئون من الشرق الأوسط وأفريقيا، لا سيما السوريون الذين وصلوا عام 2015، الذين وجّه لهم الزعماء نفسه كلمات أقلّ مما توصف به أنّها مسيئة ومؤلمة.

وخرج رئيس الوزراء البلغاري، كيريل بيتكوف، ليصرّح في بداية الحرب: "هؤلاء ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا رؤيتهم، إنّهم أشخاص أوروبيون"، في إشارة إلى الأوكرانيين. قبل أن يضيف "هم أناس أذكياء ومتعلّمون، ليست موجة اللاجئين التي ألفنا رؤيتها، أشخاص لم نكن متأكّدين من هوياتهم، أشخاص لهم ماض غير معروف، وربّما كانوا إرهابيين حتى".

مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين

وتابع: "بكلمات أخرى، ليس هناك وجود لأيّة دولة أوروبية واحدة تخشى موجة اللاجئين الحالية".

من جانبه، رأى الصحفي السوري عقبة محمد؛ أنّ هذه التصريحات "مزيج بين العنصرية والعداء للإسلام".

كان محمد قد فرّ من مسقط رأسه درعا عام 2018 ويعيش حالياً في إسبانيا، وقد أسّس، بالتعاون مع لاجئين آخرين، أول مجلّة باللغتين العربية والإسبانية، وقد عبّر عن الشعور المألوف بالنسبة إليه بينما كان يتابع مستجدّات الأوضاع في أوكرانيا.

وسبق لمحمد أيضاً أن احتمى في ملاجئ هرباً من القصف الروسي، واختبر كذلك صعوبة استقلال عربة للخروج من المدينة، تعرّض للإبعاد عن عائلته هو الآخر عند الحدود.

بعض الدول التي تعاملت بكلّ سلبية مع مسألة اللاجئين وحالت دون التوصّل لسياسة موحّدة إزاء اللاجئين في الاتحاد الأوروبي، أظهرت وعلى نحو مفاجئ ردّة فعل إيجابية للغاية

ويؤكّد الصحفي السوري "اللاجئ هو اللاجئ، سواء كان أوروبياً أو أفريقياً أو آسيوياً".

وفيما يخصّ أوكرانيا؛ فإنّ تغيير لهجة بعض أكثر الزعماء الأوروبيين صرامة بشأن مسألة ضبط الهجرة كانت ملحوظة للغاية من "لن نسمح لأحد بالدخول" إلى "نسمح للجميع بالدخول".

اقرأ أيضاً: لأكراد يرحلون 800 لاجئ عراقي إلى بلادهم ويسلمون 50 داعشياً... تفاصيل

والفارق بين هذه التصريحات هو ثلاثة أشهر فحسب، فقد أدلى رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان بالكلمات الأولى، في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بينما جاءت العبارة الثانية قبل أيام في إشارة للاجئين الوافدين من أوكرانيا.

"أشخاص مرفّهون من الطبقة الوسطى"

كما أصبح بعض الصحفيين داخل دائرة الانتقادات بسبب تقاريرهم ووصفهم للاجئين الأوكرانيين بأنّهم "أشخاص مرفّهين من الطبقة الوسطى"، مثلما قال أحد مقدّمي البرامج في النسخة الإنجليزية من شبكة "الجزيرة"، والذي زاد الطين بلّة باستطراده "بالطبع هم ليسوا اللاجئين الذين يحاولون الفرار من بعض مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هم متأنّقون مثل أيّة أسرة أوروبية قد تسكن إلى جوارها".

لاحقاً، اعتذرت القناة التلفزيونية، وأكّدت أنّ كلمات هذا المراسل لا معنى لها وتنمّ عن عدم التحلّي بالمسؤولية.

كما اعتذرت شبكة "سي بي إس نيوز"، بعد أن قال أحد مراسليها إنّ النزاع في كييف "ليس مشابهاً لما حدث في العراق أو أفغانستان، الذين كانا في حالة نزاع طوال عقود، هذه مدينة أوروبية نسبياً ومتحضّرة إلى حدّ ما".

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب رحّبت أوروبا باللاجئين من أوكرانيا

ولم يتوقّف الأمر عند هذه النقطة، بل إنّ أصواتاً كثيرة تتعالى من أشخاص آخرين يحاولون الهرب من أوكرانيا وتقارير صحفية تتحدّث عن مقيمين من غير ذوي البشرة البيضاء، مثل النيجيريين والهنود واللبنانيين، الذين انتهى الحال بهم عالقين على الحدود.

وخلافًا لوضع الأوكرانيين، يحتاج كثيرون من غير الأوروبيين إلى تأشيرات لدخول دول الجوار، بينما تهبّ سفارات دول العالم لمساعدة مواطنيها في تجاوز الحدود.

وانتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تحمل وسم "#أفارقة_في_أوكرانيا" تظهر فيها مجموعة من الطلبة الأفارقة يُمنعون من ركوب القطارات لمغادرة أوكرانيا بهدف إفساح المجال ومنح الأولوية للأوكرانيين.

عنصرية فجّة تمثّل انتهاكاً للقانون

وأعلن الاتحاد الأفريقي من نيروبي أنّ الجميع من حقّهم عبور الحدود الدولية هرباً من النزاعات، وقالت المنظّمة الإقليمية إنّ "التقارير تكشف عنصرية فجّة وتمثّل انتهاكاً للقانون الدولي"، داعياً الدول كافة "لإظهار القدر نفسه من التضامن والدعم للأشخاص الفارين من الحرب بغضّ النظر عن هويّتهم العرقية".

من ناحيته، أكّد سفير بولندا لدى الأمم المتحدة، كريستوف تشيرسكي، أمام الجمعية العامة؛ أنّ ما أثير حول التمييز على أساس العرق أو الدين على الحدود البولندية "محض ادّعاءات وإهانة كبيرة لنا، يستطيع كلّ المواطنين، من جميع دول العالم، والذين عانوا الاعتداء الروسي أو شعروا بالتهديد على حياتهم، أن يسعوا وراء ملاذ في بلادي".

اقرأ أيضاً: الحوثيون يجبرون اللاجئين الأفارقة في اليمن على القتال معهم

وكشف تشيرسكي أنّ بلاده استقبلت في يوم واحد أشخاصاً من 125 جنسية قادمين من أوكرانيا، بينهم أوكرانيون وأوزبكستانيون ونيجيريون وهنود ومغاربة وباكستانيون وأفغان وبيلاروس وجزائريون، ومن بلدان أخرى، وأكّد إجمالاً وصول 300.000 ألف شخص من أوكرانيا منذ بدء الأزمة الحالية.

أكّد سفير بولندا لدى الأمم المتحدة، كريستوف تشيرسكي أنّ ما أثير حول التمييز على أساس العرق أو الدين على الحدود البولندية "محض ادّعاءات وإهانة كبيرة لنا

ومع نزوح ما يربو عن مليون شخص نحو أوروبا، عام 2015، كان التضامن مع اللاجئين الفارين من سوريا والعراق وأفغانستان مرتفعاً نسبياً في البداية، لكنّ الأمر لم يخلُ كذلك من فترات من العداء مثلما حدث مع المصوّرة الصحفية المجرية التي ركلت بعض اللاجئين على حدود بلادها مع صربيا.

على أية حال، فقد قالت المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل: "نستطيع فعل ذلك"، كما دعا رئيس وزراء السويد مواطنين إلى "فتح قلوبهم" للاجئين.

ويتجمّع متطوّعون على السواحل اليونانية لإنقاذ العائلات المرهقة التي تعبر البحر على متن قوارب قادمة من تركيا، وفي ألمانيا كان يجري استقبالهم وسط تصفيق في محطات القطارات والحافلات.

اقرأ أيضاً: أزمة لاجئين جديدة تندلع في غابات أوروبا

لم يدم هذا الاستقبال الحار والتعاطف طويلاً، فقد نشبت الخلافات سريعاً بين الدول الأوروبية حول كيفية توزيع المسؤولية، وجاء القدر الأكبر من الممانعة من دول وسط وشرق أوروبا، مثل المجر وبولندا، بعدها بدأت بعض الحكومات في تشديد سياساتها المتعلّقة بالهجرة واللجوء على أراضيها وعزّزت انتشار قوات الأمن على الحدود.

وبالفعل، ندّد مكتب المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتزايد "وقائع العنف والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان" على الحدود الأوروبية، وخصّ بالذكر اليونان.

العراق وسوريا وأفريقيا

وظلّ مئات الأشخاص، خاصة من العراق وسوريا، وكذلك من أفريقيا، عالقين العام الماضي في المنطقة الحدودية بين بولندا وبيلاروسيا، وسط اتّهام الاتحاد الأوروبي للرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو باجتذاب آلاف الأجانب نحو حدوده رداً على العقوبات التي كان التكتّل قد فرضها عليه، ومنعت بولندا وقتها فرق الإغاثة والمراسلين الصحفيين من الوصول إلى الحدود، وكانت النتيجة وفاة ما يزيد عن 15 شخصاً بسبب البرودة الشديدة.

وفي منطقة حوض البحر المتوسط، تعرّض الاتحاد الأوروبي لانتقادات عنيفة بسبب تمويله لليبيا كي تعترض الأخيرة طريق المهاجرين الذين ينطلقون من سواحلها وتعيدهم إلى مراكز احتجاز حيث يعانون سوء المعاملة والقتل أحياناً.

وغرّدت الباحثة المستقلّة في شؤون الهجرة واللجوء باليونان، لينا كارامانيدو، عبر شبكة "تويتر" الاجتماعية؛ بأنّه "لا سبيل لتجنّب التساؤلات حول العنصرية المتزايدة في سياسات الهجرة التي تنتهجها الدول الأوروبية حين نرى الاختلاف في طريقة تعامل الحكومات والمستويات العليا من الاتحاد الأوروبي مع أشخاص يحاولون الوصول إلى أوروبا".

اقرأ أيضاً: مسؤول أممي يتحدث عن أوضاع اللاجئين الأفغان في إيران.. هذا ما قاله

واتّفق معها جيف كريسب، المدير السابق لقسم السياسات والتنمية والتقييم في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مؤكّداً أنّ العرق والدين يلعبان دوراً كبيراً في المعاملة التي يحصل عليها اللاجئون.

ويعترف كريسب: "بعض الدول التي تعاملت بكلّ سلبية مع مسألة اللاجئين وحالت دون التوصّل لسياسة موحّدة إزاء اللاجئين في الاتحاد الأوروبي على مدار العقد الماضي، أظهرت وعلى نحو مفاجئ ردّة فعل إيجابية للغاية".

ويعود جزء كبير من رفض أوربان للهجرة إلى اعتقاده بأنّه "من أجل الحفاظ على التجانس الثقافي والعرقي" لا يجدر بالمجر قبول لاجئين من ثقافات أو أديان أخرى.

كذلك، أيّد أعضاء من الحزب القومي المحافظ الذي يحكم بولندا، بشكل مستمر، موقف أوربان بشأن الهجرة لحماية الهوية البولندية كدولة مسيحية وضمان أمنها.

الحجج تبخّرت تماماً

على أنّ هذه الحجج تبخّرت تماماً، ولم تطبّق على الجيران الأوكرانيين الذين تشترك معهم المجر وبولندا في روابط تاريخية وثقافية كثيرة، بل إنّ أجزاء من أوكرانيا الحالية كانت في فترة ما ضمن أراضي بولندا والمجر، كما أنّ هناك ما لا يقلّ عن مليون أوكراني يعيشون ويعملون في بولندا، هذا إضافة إلى مئات الآلاف من الأوكرانيين الموزعين على جميع أرجاء أوروبا.

اقرأ أيضاً: خطة عون للتخلص من اللاجئين في لبنان: سوريا آمنة

بالمثل يعيش 150 ألف شخص من أصول مجرية في غرب أوكرانيا، يملك أغلبهم جوازات سفر مجرية، وعن هذا الواقع يعلّق كريسب: "ليس من المستغرب نهائياً أن يشعر الناس بقدر أكبر من الراحة مع أشخاص وافدين من مكان قريب ويتحدّثون لغة مشابهة للغتهم أو لديهم ثقافة مشابهة".

وقد ذكّر روشير كاتاريا، وهو متطوّع من أصول هندية؛ أنّ عددًا من مواطنيه احتجزوا على الجانب الأوكراني من الحدود أمام معبر ميديكا البولندي، وفي أوكرانيا قالوا لهم أولاً أن يتوجّهوا نحو رومانيا، التي تبعد مئات الكيلومترات، بعد أن قطعوا بالفعل مسافات طويلة على أقدامهم نحو الحدود دون أن يأكلوا شيئاً على مدار ثلاثة أيام، وفي النهاية تم السماح لهم بالمرور.

مصادر:

https://lat.ms/3hR2Ju2

ريناتا بريتو. لوس أنجليس تايمز.
 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية