هل تتوشّح "أرض السواد" بالبياض مجدداً؟

هل تتوشّح "أرض السواد" بالبياض مجدداً؟

مشاهدة

08/10/2018

ليس بالضرورة أن يكون فألاً سيئاً، أراد الروائي المشهور، عبد الرحمن منيف، حين وصف بلاده بـ "أرض السواد"، في روايته المشهورة، ذلك أنّ السواد منه الفخامة، والحسن والجلال، والطهر والنقاء، خصوصاً بالنسبة إلى المسلمين أصحاب القبلة السوداء حسّاً، الناصعة البياض معنى وروحاً.

أما عند الشيعة العرب؛ فإنّ للسواد وعمائمه ومواسمه رمزية خاصة؛ إذ تعني فيما تعني رمز الانتماء للعترة الطاهرة وآل البيت الأبرار.

لكنّ منيف، الذي خرج من أرض النبوءات، ربما أراد أن ينظر من بوابة التاريخ إلى نافذة المستقبل، فاستعار أحداث العراق في آخر أيام العثمانيين، لينطلق منها إلى توصيف له الحمولات التي كان خروج العراق عنها هو الاستثناء، وليس العكس.

غلاف رواية "أرض السواد" للروائي عبدالرحمن منيف

فهذا السلطان يحتضر، والورثة من بعده يتهافتون على ملكه ويقتتلون، ورجال النواحي في البوادي يطمعون في النهب وفرض قانون الغاب، وأبناء الجواري والمتبنين من البلاط يجدون ثغرات للتدخل، وقادة المعارك يتوسعون في المتعة بعد النصر، ورجال الدين يتذمرون ويفتون بما يشتهي مَن بيده العطايا، والباشا خوفه من الجند المنتصرين ليس أقلّ من توجسه من بطش المتمردين والبريطانيين، وهناك الجنوب الذي يتوقع مفاجآته، لكن للشمال خطره وأهميته أيضاً، المعارك في بغداد والنواحي مفتوحة دائماً، والنصر قصير الأمد كثير الكلفة، وهكذا دواليك.

نبوءة السواد، التي يصعب أن يبلغها خيال الراحل الخصب، هي عودة السبي إلى بلاد اشتهرت باحترامها المرأة

غير أنّ نبوءة السواد، التي يصعب أن يبلغها خيال الراحل الخصب، هي عودة السبي إلى بلاد اشتهرت باحترامها المرأة، لدرجة أنّ "روجينا"، ربّة بيت المتع في الرواية، كانت إحدى المتحكّمين الرئيسين في البلد، فضلاً عن حرم الوالي، وقبلها أمها التي كانت في عهد ابنها الباشا تقرّب من تشاء وتبعد من تشاء، بغير حساب.

وليس ذلك قصور التنبؤ الأوحد، فكيف للخيال، مهما كان حيّاً، أن يتصور تفكّك كتل بغداد المتجانسة، حتى تسلل منها الغريب الذي كان عداؤه يوحّد أكثر مما يحدث اختلافاً، فصار ذاك شيعيّ عربي، والثاني عربي سنّي، وثالث كرد سنّي، ولم يكن الإيزيدي أو الصابئ والمنداني والآشوري كذلك أسعد حظاً.

اقرأ أيضاً: كيف سرقت عمامة الخميني أحلام الإيرانيين؟

لكنّ خريطة السواد تلك، التي حرستها وتواطأت عليها الميليشيات الخمينية، ونظيرتها الداعشية، على المستويين؛ الاجتماعي والسياسي، ربما ستخترقها كتل بيضاء هذه المرة، تتمدّد شيئاً فشيئاً، بمساندة الجوار الإقليمي والعالم، الذي تفطن للتخلص من أدواء ما بعد 79، بكلّ تشوهاتها السياسية والأيديولوجية.

بوادر ذلك، وإن كانت متواضعة في جوانب، فإنّها في بعض الاتجاهات تجد حظها من الانتشار، فبعد هزيمة داعش، وانفتاح العراق على جاره الأكبر السعودية، وانتصار رجل العروبة الأصيل مقتدى الصدر لهذا المنحى، يمكن أن يحدث بعض الانفراج، حتى إن حاولت طهران إفساد أيّ تقدّم على هذا الصعيد.

خريطة السواد التي حرستها  الميليشيات الخمينية والداعشية على المستويين الاجتماعي والسياسي ستخترقها كتل بيضاء هذه المرة

ورغم كون رئيس الوزراء العراقي الجديد، عبد المهدي، ليس بعيداً بما يكفي عن الإيرانيين، فإنه أيضاً ليس كنظيره الأسبق، نوري المالكي، الذي عدّه البعض صداماً آخر، لولا أنه يفتقر إلى حسنات صدام في تحصين جبهة العراق، وإبقائه قوياً منيعاً في وجه الغرباء، قبل أن يفقد صوابه ناحية الكويت.

أما أحد الرقع الأكثر بياضاً في المشهد الحالك، ليس فقط إجهاض انفصال الأكراد وتعيين أحدهم، برهم صالح، رئيساً للعراق مجدداً، لكن أيضاً فوز المناضلة العراقية، نادية مراد، بجائزة نوبل للسلام، وهي التي لا بدّ من أن يوحي انتصارها بالإصرار وعدم اليأس، مهما كان السواد غالباً.

مراد لم تكن الوحيدة؛ فجائزتها تكريم وتخليد لكلّ ضحايا داعش والمليشيات الطائفية، الأمس واليوم وغداً، ذلك أنها لم تكن الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة، فها هي فريدة عباس؛ التي روت هي الأخرى للزميلة، منيرة الهديب، في صحيفة "الحياة" قصتها، قالت: إنّها كادت تدفع حياتها ثمناً لرفضها الخلوة بأمير داعش، الذي كان رجاله يختارون له، بين حين وآخر، من يرونها الأجمل بين الأسيرات (السبايا).

اقرأ أيضاً: نوبل للسلام لعراقية ساعدت في فضح داعش ودحره

وتحمّلت في ذلك كلّ صنوف العذاب، حتى حاولت إنهاء حياتها بيدها كحلّ أخير، فتقول: "في إحدى المحاولات، قمت بقطع شريان يدي فوقعت على الأرض مغشياً عليّ، فشعروا بي، ونقلوني إلى دكتور تابع لهم، كي يقوم بمعالجتي تمهيداً لبيعي مرة أخرى".

المنطقة العربية لا يمكن أن تعود إلى عافيتها، ما بقي البياض شحيحاً في بغداد، التي هي أحقّ به وأهله!

وتضيف: "خلال فترة احتجازي، تم نقلي إلى أماكن عدة في سوريا، وكلّ يوم كنت أتعرض للضرب والعنف، وفي قرية شحيتات في سوريا؛ كنت في منزل يعيش فيه نحو 30 مسلحاً من داعش، بعد أن منحوني هدية لأميرهم، فرفضت أن أكون معه، فقاموا بإهانتي وربطي بسلاسل حديدية، وضربي حتى سال الدم من رأسي وعيني، ووقعت على الأرض فاقدة الوعي، بعد ذلك غادر الأمير وطلب من الجنود إنزال أقصى العقوبات بي، فمنعوني من الطعام وأجبروني على شرب الماء الحار مرة واحدة في اليوم".

شجاعة فريدة تجاه الممارسات الوحشية، التي كان يعاملها بها إرهابيو داعش، ورفضها لما يأتيها من أوامر، دعا التنظيم لمحاولة التخلص منها، وذلك بدفعها لتنفيذ عملية انتحارية في أحد المواقع السورية، إلا أنها رفضت أيضاً الاستجابة لمطلبه حتى تمّ نقلها إلى مدينة دير الزور، حيث هربت، ووجدت طريقها إلى ألمانيا؛ حيث تعيش هي والكثير من بنات وأبناء العراق.

ومع أنّ أبطال رواية "أرض السواد" سبقوا إلى التساؤل عمّا يجعل أرض الحضارة الأولى أفقر، في مراحل عدة من تاريخها، لسلوك التحضر، فإنّ المنطقة العربية لا يمكن أن تعود إلى عافيتها، ما بقي البياض شحيحاً في بغداد، التي هي أحقّ به وأهله!

 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية