هل تتورّط تونس في المأزق الليبي؟

هل تتورّط تونس في المأزق الليبي؟

مشاهدة

20/07/2020

ترجمة: مدني قصري

بات تدويل الحرب في ليبيا يهدّد استقرار وحياد تونس، وفي ذروة السلطة، أصبح الوضع الليبي موضوع توترات حادة.

الصراع الليبي في قلب الحياة السياسية التونسية

ليس الوضع سهلاً على الديمقراطية التونسية الناشئة، الوحيدة التي غيّرت "ربيعها العربي"، الدولتان اللتان تشتركان معها في الحدود، تعيشان اليوم حالة جدّ معقدة، وإن كانت جدّ مختلفة؛ هناك من جهة الجزائر، القوة الإقليمية التي تعاني أزمة كبرى في الشرعية السياسية منذ أكثر من عام.

 وعلى الجانب الليبي، مع ما يقرب من خمسمئة كيلومتراً من الحدود المشتركة، فإنّه إذا استمرت الحرب وتكاثفت فستزداد المخاطر وتتفاقم، وهو ما سيترتب عنه عواقب وخيمة، فعندما رحل الرئيس القذافي، عام 2011، كان الأمل في تونس كبيراً، في أن ترى ولادة ديمقراطية في طرابلس، لكنّ الصراع الداخلي ما لبث أن دمّر هذا المشروع، ومنذ ذلك الوقت، دخلت القوى الخارجية البلادَ علناً؛ تركيا في طرابلس (الغرب)، وروسيا في برقة (الشرق)، وفي الخلفية هناك الإمارات العربية المتحدة ومصر، والمصالح الاستخباراتية الأوروبية، من المعتاد القول إنّ ما يحدث في ليبيا يتعلق بالأمن والاستقرار التونسيين، لكن هذه المرّة، انتقل الصراع الليبي إلى قلب الحياة السياسية التونسية.

صراع يقوّض العالم العربي

منذ الاستقلال؛ بنى الرئيس الراحل بورقيبة عقيدة راسخة في مجال الشؤون الخارجية، وما تزال سارية: لا تدخلَ في شؤون الجيران، ولا إصدار أحكام، اقتراحُ الحلول الوسط، والوساطة، وتفضيل الكواليس على التصريحات المروّعة. هذه العقيدة البورقيبية هي التي أتاحت لتونس، الدولة المضيفة لقمة الجامعة العربية في 2019، النجاح في إنجاز استضافتها حول نفس المائدة المستديرة، لأمير قطر والسعودي محمد بن سلمان، الذي أغلقت مملكته حدودها مع الدوحة منذ عام 2017، بهدف خنق اقتصادها، فما كان يمكن لأيّة دولة عربية أخرى أن توحّد، على المسرح نفسه، أعداء بهذا الحجم.

اليوم، بات تدويل الصراع في ليبيا يُقسّم العالم العربي، في خضم الحروب المشتعلة في سوريا واليمن، يتصارع معسكران، ويزرعان الخلاف داخل العالم العربي المسلم: المعسكر الذي تقوده أبو ظبي مع مصر وروسيا (التي لها أجندتها الخاصة)، والمعسكر الذي تقوده أنقرة وقطر.

المحامية عبير موسي، التي تخوض حرباً مفتوحة ضدّ حركة النهضة، وتدعو إلى إعادة فتح محاكمة زعماء الحركة، اتهمت راشد الغنوشي بدعمه العلني للتدخل التركي في ليبيا

المعسكر الأوّل يدعم المارشال حفتر، فيما يدعم المعسكر الثاني حكومة الوفاق الوطني التي تم تنصيبها في طرابلس منذ عام 2017، ويقول داعمو حفتر إنهم في حالة حرب مع تنظيمات "الإسلام السياسي" التي تتوحى العنف، بينما يقول الأتراك إنّهم قدِموا إلى ليبيا لمساعدة الحكومة المدعومة من قبل المجتمع دولي، ولطالما استقبلت تونس كِلا المعسكرين.

تمسّك حزب النهضة الإسلامي بنظرته العنيدة

أوضح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في الآونة الأخيرة، خلال زيارة عملٍ وصداقة إلى باريس؛ أنّ الشرعية الليبية كانت في طرابلس، مؤكداً أنّ كلّ السلطة تظلّ مؤقتة، وكلّ شرعية تحتاج إلى تجديد من خلال الانتخابات.

لقد أصرّ الرئيس سعيّد على القول إنّ "تقسيم ليبيا" غير وارد، ويشتبه في أنّ حزب النهضة الإسلامي يساند تركيا أردوغان، لكنّ رضا دريس، عضو مجلس الشورى، يوضح فكرة حزبه قائلاً: "إنّ ما يتعلق باستقرار ليبيا وأمنها يتعلق باستقرارنا وأمننا، ولهذا السبب يجب أن نبقى حذرين للغاية"، "النهضة لن تقبل أبداً وجوداً عسكرياً دائماً في ليبيا، لكن الحقيقة الجيواستراتيجية هي أنّ الإمارات ومصر وقطر وتركيا وغيرها موجودة اليوم في الأراضي الليبية"، "ونحن لسنا ساذجين، فكل هذه البلدان تريد السلطة"، "نتفق مع رئيس الجمهورية، وليس أمامنا خيار آخر سوى التعامل مع حكومة فايز السراج المدعومة من المجتمع الدولي".

اقرأ أيضاً: الجيش الليبي يستعد لمواجهة مرتزقة أردوغان وميليشيات الوفاق... هذه إجراءاته

وأكّد رضا دريس قائلاً: "التجربة الناجحة للديمقراطية التونسية تمنحنا الالتزام الأخلاقي باتخاذ موقف واضح".

الغنوشي يتجاوز صلاحيات الرئيس

أدّت مكالمة هاتفية جرت بين راشد الغنوشي، رئيس البرلمان وحزب النهضة، وبين رئيس حكومة طرابلس، إلى خلق توترات مع الرئيس قيس سعيّد، ينص الدستور التونسي على أنّ الشؤون الخارجية من اختصاص رئيس الجمهورية، في هذا السياق تابع دريس: "إنّ رفض رئيس الدولة لأن يكون لراشد الغنوشي علاقات مع زعماء دوليّين أصبح موضوع خلاف"، مشيراً إلى أنّ هذا الخلاف "ليس مشكلة جوهرية بل مشكلة شكلية"، ومن جانب البرلمان التونسي، طُرِحت المسألة الليبية، مؤخراً، في جلسة عامة.

صراع قوة في مجلس ممثلي الشعب

في 4 حزيران (يونيو) الماضي، قام التمثيل الوطني، ممثلاً بـ 217 نائباً، بالردّ على نصٍّ قدّمته الكتلة البرلمانية للحزب الدستوري الحر PDL (16 منتخباً) بقيادة عبير موسي، المحامية المتعصبة السابقة لديكتاتورية بن علي، والتي تعتنق الآن البورقيبية.

 لقد جرى النقاش حول مسألة "ليبيا والدبلوماسية البرلمانية"، وهو الجدل الذي يخفي جدلاً خلف جدل، المحامية عبير موسي، التي تخوض حرباً مفتوحة ضدّ حركة النهضة، (فهي تدعو إلى إعادة فتح محاكمة زعماء حزب النهضة)، اتهمت راشد الغنوشي بدعمه العلني للتدخل التركي في ليبيا، لكن المذكرة شُطِبت لاحقاً، بعد مفاوضات بين الكتل البرلمانية، حتى لا يتمّ ذكر أيّة دولة بالاسم، فالمذكرة إذاً لم تحصل على الأغلبية في نهاية جلسة عامة؛ حيث طالب العديد من النواب، جميع التوجهات السياسية، بالالتزام بالحياد التونسي في المسألة الليبية.

أدّت مكالمة هاتفية جرت بين الغنوشي، وبين رئيس حكومة طرابلس، إلى خلق توترات مع الرئيس سعيّد، حيث ينص الدستور على أنّ الشؤون الخارجية من اختصاص رئيس الجمهورية

وتجدر الإشارة إلى أنّه خلال الحملة الانتخابية، لم يُخفِ غازي الشواشي من حزب التيار، الذي أصبح وزيراً، غضبَه من رؤية سفير دولة خليجية إلى جانب المحامية عبير موسي، في مؤتمر صحفي، وهو ما يعني أنّه تمّ بسرعة نسيان التدخل الأجنبي في ليبيا.

 يوجَد في الوقت الحالي إجماعٌ ما بين الأحزاب في تونس على توخّي الحذر بشأن هذه المسألة، فلا يجب أن تؤثر بعض المشاجرات الأيديولوجية على تصوّرِ تتبناه الشؤون الخارجية، وهو التصور الذي يُفضّل النقاش.

مصدر الترجمة  عن الفرنسية: lepoint.fr

https://www.lepoint.fr/afrique/la-tunisie-face-au-guepier-libyen-03-07-2020-2382927_3826.php

الصفحة الرئيسية