هل باتت مواقع التواصل "قوة" تصعب السيطرة عليها؟

هل باتت مواقع التواصل "قوة" تصعب السيطرة عليها؟

مشاهدة

06/10/2021

أحمد عبد الحكيم

بالتوازي مع واحدة من أسوأ الأزمات التي تطال سمعة "فيسبوك" منذ تأسيسه عام 2004 إثر فضيحة تسريبات داخلية كشفت اختيار المجموعة لـ"الربح المادي على السلامة"، فجّر خروج التطبيق الأوسع انتشاراً في العالم، ونظرائه التابعين له "إنستغرام وواتساب ومسنجر"، عن الخدمة لنحو 6 ساعات أمس الاثنين، الجدل حول شبكات التواصل الاجتماعي وقدرتها على التحكم في "ذاتها" وما إذا كانت باتت "قوة لا تستطيع تلك المواقع السيطرة عليها"، وفق توصيف البيت الأبيض في معرض تعليقه على الأزمة.

وما صعّد من حدة الأزمة، التي خلفت خسائر مالية لمالكي تلك المجموعة تجاوزت 6 مليارات دولار أميركي، أنها كانت "أكبر عطل أصاب فيسبوك وتطبيقاته حتى الآن بعدما طال مليارات المستخدمين"، بحسب موقع "داون ديتيكتور" المتخصص في رصد أعطال الخدمات الرقمية، متجاوزاً في ذلك تأثير أعطال مماثلة كانت أصابت التطبيق، الذي يستخدمه الآن نحو 3.5 مليار مستخدم حول العالم، وتسببت في انقطاعات جزئية في الخدمة في أبريل (نيسان) 2019، وقبلها في مارس (آذار) من العام ذاته.

وأرجع عملاق مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" العطل إلى "تعديلات خاطئة في الإعدادات تسببت في انقطاع الخدمة ومنع دخول فيسبوك وإنستغرام وواتساب"، موضحاً "أن فرقه الهندسية اكتشفت أن تعديلات على أجهزة التوجيه (الراوتر) الرئيسة التي تنسّق الحركة بين مراكز البيانات مسؤولة عن مشكلات أدت إلى توقف الاتصال"، ومشيراً إلى أن السبب الأساس لهذا الانقطاع "أثّر في عدد من الأدوات والأنظمة الداخلية التي نستخدمها في عملياتنا اليومية، ما يعقّد محاولاتنا لتشخيص المشكلة وحلها بسرعة".

"تقنياً"... ما الذي حدث؟

وفق ما أوضحه موقع "نت بلوكس"، المعني بالخدمات الرقمية، فإن أبرز الأسباب التقنية المحتملة لتعطّل "فيسبوك وإنستغرام وواتساب"، أن مقاييس الشبكة تشير إلى حدوث انقطاع في الاتصال على الشبكة المستقلة "AS32934"، المملوكة لـ"فيسبوك"، لافتاً إلى أن التأثير الأكثر وضوحاً كان فقدان الـ"دي إن إس" (DNS) الموثوق.

والـ"دي إن إس"، هو اختصار لمصطلح "Domain Name System"، ويُعدّ بمثابة اللغة التي تتعامل بها الأنظمة الإلكترونية والشبكات العنكبوتية لنقل البيانات على الإنترنت، وتحمل الأنظمة المسؤولة عن عملية ترجمة عناوين المواقع المعروفة إلى عناوين رقمية  (IP Address) وتعني نظام أسماء النطاقات.

وذكر "نت بلوكس" أن "هناك مؤشرات إلى أن طرق بروتوكول التوجيه بين البوابات (Border Gateway Protocol)  ربما تم سحبها أو سرقتها، مما تسبب في تأثير غير مباشر في DNS (أسماء النطاقات) والخوادم الأخرى اللازمة لحل الخدمات".

وفيما نقل الموقع عن دوغ مادوري، مدير وكالة "كينتيك" لتحليلات الإنترنت، أن "السبب الرئيس وراء انقطاع خدمات فيسبوك بشكل مفاجئ، هو إجراء تحديث من داخل الشركة للسجلات المخزنة بها عناوين DNS  الخاصة بمواقع خدمات الشركة"، شبّهت وكالة "بلومبيرغ" الحادثة بمثابة "حذف كافة الأرقام المخزنة على الهاتف الذكي، مع الإبقاء على أسماء جهات الاتصال كما هي، فعندما تحاول الاتصال بأي جهة لن تتمكن من ذلك، لأن رقم الهاتف حُذف، بالتالي لا يمكن الاتصال".

واستغرقت عودة الأمور إلى طبيعتها ساعات طويلة، عمل خلالها مهندسو "فيسبوك" على إعادة ربط أسماء مواقع خدمات الشركة، بأرقام الـIP Address  الخاصة بها، لتمكين متصفحات الويب وتطبيقات الموبايل من الوصول إليها بسهولة.

بعد إجراء التحديث وقع تغيير في ما يُسمّى ببروتوكول البوابة الحدودية، وهو ما يعرف بـBGP، وهي أنظمة إلكترونية تنظم عملية مرور طلبات الوصول إلى مواقع وعناوين الإنترنت المختلفة، بأفضل طريق ممكن، والأشبه بأنظمة الخرائط الجغرافية التي تشير إلى أفضل الطرق للوصول إلى الوجهة.

ووفق "كلاود فلير" المعنية بالخدمات الرقمية يختلف الـDNS  عن الـBGP، إذ إن الأول هو المسؤول عن معرفة العنوان الدقيق للموقع الذي يرغب المستخدم بالوصول إليه، سواء عبر متصفح الإنترنت أو تطبيق الموبايل، بينما الثاني فهو مسار الوصول إلى ذلك العنوان عبر أفضل الطرق الممكنة.

هل باتت مواقع التواصل "خارج السيطرة"؟

في معرض تعليقها على أزمة انقطاع خدمة مواقع التواصل الاجتماعي وفضيحة التسريبات الداخلية، قالت المتحدثة باسم ‏البيت الأبيض جين ساكي إنها "أثبتت أن العمل وفق قيودها الذاتية لم ينجح، بعدما أثارت إزعاجاً للكافة حول العالم". ومع تأكيد البيت الأبيض، على أن "مواقع التواصل أثبتت أن لديها قوة لا تستطيع السيطرة عليها"، شدد على مواصلة دعمه جهود الإصلاح الجذري للمشكلات الراهنة، ما أعاد الحديث بشأن قوتها والتحكم بها.

وبحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن جايك وليامز، أحد مؤسسي "بريتش كويست" حول الأمن الإلكتروني، "فإن تأثير الحادث أسوأ في كثير من الدول حيث تتماهى فيسبوك مع الإنترنت، أو للمستخدمين الذين يلجأون إلى شبكة التواصل الاجتماعي للوصول إلى خدمات أخرى".

بدورها وبعد أن وصفت "واشنطن بوست" الأميركية، تعطل خدمات "فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"، لنحو 6 ساعات، بأنه "أحد أكبر الاضطرابات التي تحدث لمليارات من مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي منذ أعوام، ما تسبب في حدوث فوضى واسعة النطاق بين المستخدمين الذين يعتمدون على التطبيق لإجراء أعمالهم"، ذكرت أن الأمر "يسلّط الضوء مرة أخرى على الحجم الهائل لقوة شركة فيسبوك، وهو ما يخضعه المنظمون والمشرعون في الولايات المتحدة للتدقيق عقب تسريبات من عاملين سابقين في الشركة، اتهموها بالإهمال في القضاء على العنف والمعلومات الخاطئة على منصتها".

ونهاية الأسبوع الماضي، اتهمت المهندسة فرانسيس هوغن الموظفة السابقة في المجموعة شبكة التواصل الاجتماعي، عبر وثائق داخلية مسربة، باختيار "الربح المادي على سلامة" مستخدميها في مقابلة بثتها محطة "سي بي إس" الأحد. وأعطت المعلومات التي كشفتها ذخيرة جديدة لمنتقدي "فيسبوك" التي يستخدم منصاتها الأربع شهرياً نحو 3.5 مليار الأشخاص.

ومن أبرز هذه الوثائق، التي نشرتها للمرة الأولى، صحيفة "وول ستريت جورنال" منتصف الشهر الماضي، واحدة تفصّل المشكلات النفسية لكثير من المراهقات. وأظهرت البحوث خصوصاً أن 32 في المئة من الفتيات المراهقات شعرن بأن استخدام "إنستغرام" منحهن صورة أكثر سلبية عن جسدهن، فيما لم يكنّ راضيات بالأساس عنه.

وأكدت هوغن أن "شبكة التواصل الاجتماعي هذه مدركة جيداً لهذا الانحراف، ما منح المزيد من الحجج للسلطات لشن حملة على فيسبوك، لا سيما مع التأثير المضر لفيسبوك وإنستغرام في المجتمع. وعليه، رأى الرئيس الأميركي جو بايدن أن ما كُشف من معلومات يظهر أن الشركة لا تعرف ضبط نفسها"، وفق ما قالت الناطقة باسمه جين ساكي الأثنين. وأكدت أن هذه المعلومات "تثبت المخاوف بشأن السلطة التي حشدتها الشبكات العملاقة".

دعوة لمواجهة الأضرار

في غضون ذلك، ذكرت "واشنطن بوست" في افتتاحية لها، كتبتها هيئة تحرير الصحيفة، أن "الوقت حان لمواجهة الضرر الذي تسبّبه منتجات فيسبوك"، مشيرة إلى أن المجموعة يمكن أن تقرر أن تكون صادقة من تلقاء نفسها أو يمكن للكونغرس أن يجبرها على ذلك.

وأضافت الافتتاحية "تظهر حقيقة وجود هذه الأوراق (تسريبات هوغن) أن فيسبوك لا تتجاهل مشكلاتها. ومع ذلك، فإن حقيقة أنهم شقوا طريقهم إلى العلن من خلال السرية والتخريب مشكلة كبيرة في حد ذاتها. وبات النزاع الرئيس هو أن فيسبوك تعرف الضرر الذي تسببه منتجاتها، لكنها أخفته وواصلت إعطاء الأولوية للأرباح".

ورأت الصحيفة أن كيفية حل هذه المعضلات هي مناقشة لا يمكن أن تتم فقط داخل فيسبوك نفسها. فعلى الرغم من أن الشركة قامت ببعض التغييرات الجديرة بالثناء بمرور الوقت، فإن الفرق المكلفة التشكيك في الوضع الراهن انتهى بها الأمر، كما قال مؤسس ورئيس جهود النزاهة المدنية في "فيسبوك"، "في حالة من اليأس حول الكسل في العمل".

من جانبها، كتبت جنيفير روبين في الصحيفة ذاتها، قائلة إن "خبراء التكنولوجيا، بمن فيهم موظفو فيسبوك السابقون، يحذرون منذ أعوام من العواقب الوخيمة لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام، والآن أصبح من الواضح أن لدى الشركة أكواماً من الأدلة التي تؤكد هذه العواقب".

وفيما تقول "فيسبوك" إنها مرآة تعكس ببساطة الاتجاهات في المجتمع، أشارت روبين إلى أنها باتت تشبه إلى حد كبير "مرآة بيت المرح التي تضخم خوارزمياتها وبعض الاتجاهات الاجتماعية الأسوأ لدينا. وتزيد من حدة التحيّز والغضب والنزوع إلى العنف والأمراض العقلية".

ونقلت الكاتبة عن مراقبين قولهم إن "الوقت حان للتوقف عن مناقشة ما إذا كانت شركة فيسبوك يمكنها تنظيم نفسها والإصرار على الأقل على الإشراف الحكومي المناسب على الممارسات الأكثر ضرراً، إذ لا يوجد تشريع سحري من شأنه أن يخلق بيئة سليمة للمعلومات، ولكننا نحتاج على الأقل إلى تحديد المساءلة عن الممارسات التجارية الضارة والخطيرة في عالم الإنترنت والتدقيق بشفافية في سلوك هذه الشركات".

"التعدد الحل"

في المقابل، وبحسب أيمن صلاح، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن "حجم الانتقادات التي تواجهها مواقع التواصل الاجتماعي سيبقى قائماً طالما بقيت هذه المواقع غير خاضعة للتوجهات الحكومية وإن بصورة غير مباشرة"، وأوضح في حديث إلى "اندبندنت عربية"، "احتمالات الخطأ والتعطل تبقى واردة بالنظر إلى حجم المستخدمين الضخم لفيسبوك والمنصات التابعة لها وهو ما يعزز قوة تلك الشبكات في العالم وتجاوز تأثيرها لما هو اجتماعي وتجاري إلى ما هو سياسي وأمني".

وفيما يبقى الهدف الأكبر لتلك المواقع هو "الربح على حساب أي أهداف أخرى، وفق ما يرى صلاح، يضيف الأخير أن "الميزة الكبرى التي يتميز بها فيسبوك ومنصاته عن غيره تبقى سهولة التعامل الرقمي معها"، وتابع، "حجم التأثر الذي أصاب العالم أجمع من التعطل، وما كشفته وثائق هوغن يعطينا درساً بضرورة تنويع المنصات التي يمكن الاعتماد عليها، لكن تبقى المشكلة في وجود بديل حقيقي عالمي لفيسبوك".

عن "اندبندنت عربية"

الصفحة الرئيسية