هل العلمانية هي الحل؟ (1)

هل العلمانية هي الحل؟ (1)

مشاهدة

18/01/2018

تُعدّ العلمانية من أكثر الكلمات في قاموسنا اللغوي تعرضاً للظلم البين، والخلط الشديد عن عمد أو عن جهل، بل قد أصبحت وصمة عار لكل من يتلفظ بها، أما من يجرؤ بأن ينتسب إليها فقد اقتربت رقبته من مقصلة التكفير، وأصبح هدفاً لحد الردة، كيف لا وهو منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة برأي دعاة الدولة الدينية!

والسبب في هذا الموقف المعادي للعلمانية هو الخلط بينها وبين الإلحاد، أما السبب الأقوى فهو أنّ العلمانية ستسحب البساط من تحت أقدام المستفيدين من دعوة الدولة الدينية والمنظرين لها، فهي تدعو لحوار الأفكار على مائدة العقل وتعريتها من رداء القداسة الذي يغطيها به هؤلاء الدعاة للوصول إلى أهدافهم، وهذا كله يجعل من المسألة مسألة بشرية بحتة، فإذا كان حديثهم عن البركة في الاقتصاد الإسلامي حولته العلمانية لحديث عن محاولة خفض نسبة التضخم وزيادة الدخل القومي، وإذا كان كلامهم عن حكم الله حولته العلمانية إلى كلام عن الديمقراطية والدستور لتنظيم العلاقات بين البشر، فالله جل جلاله لا يحكم بذاته ولكن عن طريق بشر أيضاً لهم أهواؤهم ومصالحهم التي لابد من تنظيمها، وإذا كانت قضيتهم هي قراءة الماضي فقضية العلمانية هي صياغة المستقبل.

السبب وراء معاداة العلمانية هو الخلط بينها وبين الإلحاد وأنّها ستسحب البساط من تحت أقدام المستفيدين من الدولة الدينية

وفي السبعينيات ومع استعمال الرئيس الراحل أنور السادات للجماعات الإسلامية كمخلب قط ضد اليسار المصري وسمح بالخربشات في جسد هذا التيار والتي كان لابد أن تتطور بعد ذلك إلى نهش فى جسد صاحب الدار والراعي نفسه الذي تصور أنّ القط ما زال أليفاً ولم يعد إلى أصله كنمر مفترس.

في ظل هذا المناخ هوجمت العلمانية من "حملة مباخر" هذ النظام مما دفع مفكراً كبيراً مثل د. زكي نجيب محمود إلى كتابة مقال في جريدة "الأهرام" تحت عنوان "عين – فتحه – عا" محاولاً فيه تفسير معنى العلمانية التي كانت ملتبسة على كثيرين، حتى أن مجرد نطقها بفتح العين أم بكسرها صار يمثل قضية تستحق الطرح على صفحات الجرائد، ليكتب زكي نجيب محمود بوضعيته المنطقية الساعية لتحديد الألفاظ وفك الغموض عن معانيها "سواء كان المتحدث مهاجماً كان أم مدافعاً، فكلاهما ينطق اللفظة مكسورة العين وكأنها منسوبة إلى العلم مع أن حقيقتها هي العين مفتوحة نسبة إلى هذا العالم الذي نقضي فيه حياتنا الدنيا (……)، ولو كل الفرق في المعنى بين أن تكون العلمانية مكسورة العين أو مفتوحة العين فرقاً يسيراً يمكن تجاهله لقلنا إنه خطأ لا ينتج ضرراً كبيراً، ولكن الفرق بين الصورتين في نطق الكلمة فرق لا يستهان به مما يستوجب الوقوف والمراجعة"، ويعلل زكى نجيب محمود هذا بأنّ "كلمة العلمانية ليس لها وجود في اللغة العربية قبل عصرنا الحديث فالكلمة هناك لها عند القوم أهمية وتاريخ على عكس الحال عندنا".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية